«المنيا».. زاوية الأموات وأنس الأحياء

ربما وبشكل منفرد، عبرت المنيا بتنوعاتها وتناقضاتها كذلك عن الصعيد وطبيعته بشكل عميق. وعلى كل حال فلقد كانت زيارة المنيا لطيفة هينة، كان كرم الناس ولينهم في الحديث فيها الصفة الغالبة.

هنا في المنيا، المدينة، ولكن على الجانب الآخر منها الذي يفصل بينهما نهر النيل، تصل إليه عن طريق كوبري النيل الذي ترى من خلاله اللوحة الشهيرة لاسم المنيا التي كتبت بالإنجليزية ورسمت على الجبل تلوح في الأفق. أما مقصدنا فهو على بعد ستة كيلو متر تقريبا نحو الجنوب، حيث تطل عليك زاوية السلطان. القرية التي تتخذ من الجبل ساترا لها، هناك قرية أخرى أو بالأحرى مدينة أخرى تفصل بينها وبين الجبل، أطلق عليها زاوية الأموات. قباب طينية كثيفة لا يمكن رؤية مشهدها المبهر بشكل كامل إلا عن طريق الصعود أعلى الجبل الملاصق لها. تبدو وللوهلة الأولى وكأنها غابة متحجرة من عصور قديمة، تأخذ القباب كلها تقريبا نفس نمط البناء. تنتظم شوارعها بشكل يحفظه أهل المنطقة عن ظهر قلب، فيما يتيه فيه الغرباء. يعلم الناس مدافن أهاليهم وأوليائهم الذين يزورونهم في كل مناسبة بشكل مميز، تبرز تعلقهم بهم تعلقا عميقا.

تاريخ متأصل من الدفن!

تعد تلك المنطقة الشهيرة بزاوية الأموات أو زاوية الميتين، أحد أقدم المقابر المستخدمة حتى الآن في مصر قاطبة، إذ يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد. يمكن معرفة ذلك بشكل وثيق من خلال زيارة هرم حبنو الذي يعود تاريخه على الأرجح إلى الأسرة الثالثة، وهو أحد أقدم الأهرامات في تاريخ مصر. لا يعرف الكثيرون عن هذا الهرم شيئا، لكن بقاياه لا زالت قائمة بجوار زاوية الأموات. فيما لا يكاد يزوره أحد إلا متخصص في تاريخ تلك الفترة.

يدلل هذا الهرم والمنطقة المحيطة به والتي خصصت للدفن أيضا بشكل لا شك فيه عن قدم وأصالة تلك المنطقة التاريخية، وعلاقة المصريين بها وتعلقهم بدفن موتاهم بطريقة تليق بهم. يحيط بهذا الهرم جبانة ضخمة تحتوي على مقابر من فترات مختلفة عصور مصر القديمة.إذ إن مدينة حبنو كانت عاصمة الإقليم السادس عشر الذي عرف بإقليم الوعل.

وعلى عكس المعتاد في تاريخ مصر، فلقد دفن المصريون موتاهم في الشرق هنا لا الغرب. يرجح هذا إذا دقننا النظر إلى طبيعة الموقع الجغرافية، ولطبيعة الجبل في الناحية الشرقية أيضا. فهو من ناحية التكوين أكثر تماسكا وقوة منه في الناحية الغربية. فضلا عن موقعه المانع والحافظ للسيول والأمطار على عكس التربة الرخوة في الناحية الغربية من المنيا. فضلا عن المساحة الكافية بين النيل والجبل والتي كانت مناسبة بشكل أكثر عملية لأن تكون مقابر.

هرم حبنو
هرم حبنو
تاريخ فاطمي أو أبعد من ذلك

لا يوجد دلائل أثرية على استعمال المقبرة في الفترة العربية إلى عصور ما قبل العصر الفاطمي. إذ إنه بناءً على بعض الأبحاث التي حللت الطبيعة المعمارية لنشأة القباب في زاوية الأموات فإن هناك بعض القباب ترجع إلى الفترة الفاطمية. وهو أمر منطقي بسبب التواجد الفاطمي العميق في الصعيد. فيما تدلل المصادر التاريخية كذلك على استعمال تلك المقابر في الفترة الأيوبية -الفترة التي تلت الفترة الفاطمية- والفترة المملوكية كذلك كفترة تالية، ولا دليل أكبر من زيارة قبر محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي الشهير بالقرطبي، المتوفي سنة 671 هجريا أي 1273 ميلاديا في الفترة المملوكية. فلقد دفن هنا بعد رحلة طويلة استمر فيها من التنقل من مدينة إلى المدينة حتى مرقده الأخير هنا. هذا الضريح الأهم في المنطقة وفق رؤية الناس وتعلقهم به، يكنون له احتراما ووقارا كبيرا. حيث يقومون بزيارة بشكل مستمر في يوم مولده والأعياد كذلك ويتبركون به وبالدفن من حوله.

إلا أنه وبغض النظر عن الدلائل الأثرية والتاريخية فعلى الأرجح، استعمل المصريون تلك المقابر في تاريخ أبعد من الفترة الفاطمية. حيث استمر المصريون يستعملون تلك المنطقة كموقع دفن منذ القدم حتى يومنا هذا، دون انقطاع. بطبيعة الحال شكل المكان موقعا ملائما ومناسبا لدفن موتى المصريين فيه. وكما ذكرت في مقابلة سابقة فلقد كان مسجد الوداع حلقة الوصل بينه وبين أهل المنيا في البر الغربي.

جلسات السمر

في الليل وحتى الصباح، يصعد شُبان زاوية سلطان والقرى المجاورة، إلى الجبل الذي يطل على زاوية الأموات، يجلسون حتى طلوع الفجر، يتحدثون ويتسامرون، على نار أوقدوها من الحطب. اعتاد الشباب على هذا، حتى باتت الألفة بينهم وبين المقابر والجبل وثيقة. وليس هذا بعيدا عن أهالي القرية أنفسهم الذين يترددون إلى المقابر بشكل دوري. وفي المناسبات الدينية التي ترتبط بأناس دفنوا في تلك المقابر كمولد الإمام القرطبي الذي يقيم عليه أهل القرية احتفالا كبيرا، هم يشعرون معه كأنه ضيفهم حتى تلك اللحظة، الضيف الذي يجب عليهم أن يكرموه بعاداتهم الصعيدية الأصيلة. ويكرمون كل ضيف يحل على ضيفهم الدائم دون كلفة، فتلك السمات ظاهرة للعيان فعلا دون رياء أو مظاهر كاذبة.

أما النساء فيفضلون عمل الكحك والفطائر لزوار المقابر، ويترددون عليها خاصة في شهر رجب يوزعون على كل من يقابلهم ما أنتجته أفران منازلهم البسيطة في القرية. ولا عجب فلقد ارتبط المصريون بالموت وقدسوه طوال حياتهم، منذ أمد الدهر حتى يومنا هذا، حتى أنهم ليتخذون المقابر نزهة وفسحة. وهي عادة عرفت في القاهرة كذلك وتحديدا في العصر الفاطمي، تلك العادة التي بلاشك لم تفارق المقابر والأموات هنا أيضا. تعلق الناس بالمقابر هنا لافت للانتباه فعلا. حيث يوفر لهم الهدوء وسط الأموات فضلا عن زيارة أناس افتقدوهم في حياتهم جوا مناسبا للجلوس والصفاء.

مقابر البرشا
مقابر البرشا
مقابر البرشا

في البرشا كذلك مقابر على نفس النمط المعماري الذي بنيت به مقابر زاوية سلطان أو زاوية الأموات. وهي قباب بسيطة لا ترتفع كثيرا عن الأرض تبنى على مساحة مربعة فيما تبنى خوذة القبة بشكل مسحوب إلى أعلى، وهو نمط معماري لم أره إلا في المنيا تحديدا، فهو خاص بها دون غيرها من المدن أو المحافظات. وما يؤكد تلك السجية هذا الرابط بينها وبين مقابر البرشا.

انتهت زيارة المنيا على كل خير، كانت زيارة عميقة بشكل كبير، رأيت فيها ما لم أره في أي مكان آخر في الصعيد. تفردت المنيا بمعالم لم تتح لغيرها من المدن، لكن المبهر فيها حقا، تنوعها المبهر إلى حد الإعجاز.

اقرأ أيضا:

«المنيا».. الزراعة وطعام الناس

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر