أحضان الرحمة

عبر عقود عديدة، تأسست جمعيات وروابط أهلية، شغفت بالعناية بالمخلوقات نحو إبداع حياة اجتماعية زاهرة، تثمر السعادة والازدهار لكافة الكائنات على السواء. واعدة بجنة أبدية، عبر مجاهدة خلاَّقة، ودأبا فاعلا، يجسد الضمير الاجتماعي في حُقَب الإنسانية العليا. لذا صارت تلك الروابط والجمعيات تمثل كيانات مستقلة، وفعلا خيريا وطوعيا يُشَكِل سندا لمسؤولية الدولة، ورديفا لحكومات تجهزت لتجذير الشأن الاجتماعي.

ذاعت تلك الجمعيات ما بين أجنبية ومصرية. حيث خصَّت تلك الفئات الاجتماعية من البسطاء والفقراء تحديدا، بعناية مجانية ومثالية، حيث كانت تلك الشرائح أحوج إلى ما تعد به تلك الروابط من حلول للأزمات والمآزق التي حلت بها. وصارت زورق النجاة الذي يلوذ به أبناء تلك الطوائف العديدة مخافة صنوف الموت والضياع المجاني إلى بر الأمان. وبما احتشد ذلك التنوع الهائل من المكلومين حتى صاروا شركاء في حياة بائسة وقاسية أيضا. وأصبحت بيوت الرحمة من جمعيات وروابط، قدرا استثنائيا ورجاءا لتلك الفئات لا مفر منه.

آنئذٍ، شاعت في الإسكندرية الجمعيات التعاونية المنزلية التي أسهمت في تمتع مجتمع العائلة بوشائج الرقي والرغد ورعت عافيته كالتعاونية المنزلية المركزية بشارع إسحاق النديم. والتعاونية المنزلية المصرية لأهالي السوق وسباهي بباكوس –رمل الإسكندرية، ومؤسسة الأميرة فريال الاجتماعية بفلمنج.

***

ومن اللافت، أن عديد من مدارس المدينة، قد حظيت بجهد وفير من قِبَل جمعية العروة الوثقى الخيرية الإسلامية. حيث وعت مكانة التعليم المرموقة آنذاك، مدرسة الصناعات الأولية، مدرسة إبراهيم الأول، مدرسة محمد علي الصناعية، ومدرسة الأمير عمر طوسون الابتدائية للبنات.

ودوما، ظلت الصحة، مهمة مقدسة في أوج مهام الجمعيات والروابط، فكانت المستشفى اليوناني (كوتسيكا)، وجمعية فؤاد الأول للهلال الأحمر المصري، وجمعية الإسعاف بكوم الدكة، والمختلطة للولادة (الماترنتيه) بشارع أجيون، واتحاد المتبرعين بدمائهم بالإسكندرية، وجمعية مكافحة السرطان ورعاية مرضاه بشارع كنيسة دبانة.

وقتئذٍ، برزت جمعيات وملاجئ صارت معنية بشؤون اليتامى والعجائز مرورا بالأطفال والفقراء في أرجاء القطر المصري. فجمعية الشهيد مارجرجس بشبرا تبعث لصاحب السعادة سابا حبشي باشا بخطاب في العام 1952 بمناسبة حلول عيد القيامة مفاده “أن تجودوا باشتراككم معنا مساهمة في تقديم الغذاء والكساء والمساعدات للفقراء واليتامى الذين أخنى عليهم الدهر”.

***

وفي الثلاثينات من القرن الماضي، تنظم جمعية التوفيق القبطية الخيرية بالإسكندرية “يانصيب خيري” خصصت له جوائز ثمينة لتعضيد الجمعية في أعمالها الخيرية.

ويذكر ملجأ الحرية بالإسكندرية جناب المحترم مدير بنك الأراضي المصري بأنه “أرسل للبنك في شهر ديسمبر في العام الماضي تذاكر الحفلة الخيرية السنوية بمبلغ 935 مليما بواسطة جمعية المواساة الإسلامية. وقد تفضلتم عقب إرسالها بدفع مبلغ جنيه خُصِمَت منه قيمة التذاكر المشار إليها. وأُعتُبِر الباقي وقدره خمسة وستون مليما تبرعا من البنك” عام 1937.

في هذا السياق، سعت تلك الدوائر لتدبير حياة تحفل بالسعادة والصحة والأمان للطفولة. فكان ملجأ الحرية لرعاية الطفولة بشارع منشا بمحرم بك، ومستوصف الحرية للأطفال بشارع الرصافة، وجمعية الطفولة السعيدة بسيدي بشر. وجمعية أم البحرية لرعاية الأسرة بشارع يوسف عاداه من مأثرة استقرار الجاليات الأجنبية بالإسكندرية. انبعاث مظاهر الأخوية بين عناصر الوطنيين وسلالات تلك الجاليات.

وأسفرت عن تكوين روابط تمازجت وتفاعلت في شؤون شتى، فتشكلت الجمعية الدولية السكندرية للتعاون حيث تسلمت تبرعات من كافة الفئات لمساعدة أعمال الجمعية، وجمعية الأخوية اليونانية للقبارصة المقيمين بالقطر المصري، ورابطة مصر– أوروبا بالإسكندرية بشارع فؤاد الأول والتي استهدفت تمتين أواصر العلاقات بين مصر وعديد من البلدان الأجنبية.

***

ومما يذكر للمدينة أنها عرفت بجمعيات سكندرية محضة، ربما اكتسبت صيت خفيض. غير أنها كانت ذات حضور لائق، فتكونت جمعية الرفق بالحيوانات. فكانت الإسطبلات والمستشفى أمام محكمة كرموز بمحرم بك، تسمت تلك البقعة (بالمرضى). وكان عادةً إطلاق الرصاص على الحيوانات التي أوشكت على أن تَنْفُق.

وكذلك الجمعية الخيرية لمساعدة عمال مطاعم الإسكندرية بمحطة مصر. حيث “استلمت أنا الموقع أدناه محمد عثمان محمد الساكن بشارع الغزالي رقم 8 عدد ستة دفاتر إيصالات خاصة بالجمعية الخيرية. لمساعدة عمال مطاعم الإسكندرية وضواحيها. وهذه الدفاتر مختومة بخاتم وزارة الشؤون الاجتماعية وختم الجمعية. وعدد إيصالات هذه الدفاتر هو مائة وخمسون إيصالا من أصل وصورة ابتداء من رقم 151 إلى رقم 300. وهذه الدفاتر عهدتي ومسؤول عنها وعن المبالغ التي تحصل بموجب هذه الإيصالات لصالح الجمعية. وقد تعهدت بمحاسبة سكرتير الجمعية كل يوم سبت أسبوعيا ابتداء من تاريخه وتحرير هذا إيصالا بالاستلام”. المستلم محمد عثمان – الإسكندرية في 20 يونيو 1951.

اقرأ أيضا:

أمة في المعرض

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر