وزارة الري تتراجع عن إزالة أشجار «الترع»..إنها أهم الحلول لمواجهة تغيرات المناخ

بالتزامن مع إطلاق مؤتمر المناخ 2022 (cop27)، والذي تستضيفه مصر في الفترة من 6 إلى 18 نوفمبر. يوصى متخصصون في الري والزراعة بضرورة زراعة الأشجار على ضفاف الترع والمصارف التي تخضع لمشروع التبطين القومي في المحافظات. مؤكدين أن التشجير أحد أهم الحلول لمواجهة التغيرات المناخية.

وكانت أصوات عديدة قد أبدت اعتراضها على قطع الأشجار والنخيل ( التي كانت أحد المشروعات القومية لمحمد على) أثناء تبطين الترع، مما اضطر وزارة الموارد المائية والري إلى التراجع مؤخرا عن قطع الأشجار، وإصدار قرار بمنع قطع أى نخلة أو شجرة إلا بعد الرجوع للرئيس المباشر في العمل ليحدد حالة قطع الشجرة من عدمها.

نص قرار وزارة الرى
نص قرار وزارة الرى
التغيرات المناخية

يقول د. أحمد فخري علي عبيد، مدير مركز البحوث الزراعية بقنا: “الأشجار مصدات للرياح داخل الحقول، تزرع على ضفاف الترع والمصارف وعلى ضفاف الأنهار البحيرات العذبة، فتعمل على حمايتها من الإطماء نتيجة العوامل الجوية وتقليل البخار من السطح المائي”.

وتابع: زراعة الأشجار تعد عاملا رئيسيا في إدارة الموارد المائية. حيث إنها تنظم نوعية المياه وتحمي التربة من الانجراف، كما تسهم في تخصيب التربة وتوجيه الجريان السطحي للمياه وتساعد على منع تلوث الماء. حيث تمتص جذور الأشجار المياه الجوفية وتصفيها وتمنع مياه الأمطار من جرف الملوثات إلى مياه البحار والمحيطات. كما تقلل الأشجار من تبخر الماء وخصوصا تلك الأشجار التي تنمو حول البرك والمستنقعات والسبخات المائية.

يؤكد فخري أن التشجير أحد الحلول الهامة لمواجهة تغيُّر المناخ. وهذه الإستراتيجية تحتاج إلى خطّة واضحة، وتوافق دولي، ودراسات بشأن أنواع الأشجار التي يمكن الاعتماد عليها، لتؤتي ثمارها بأسرع وقتٍ ممكن. لكن فعاليتها محددة للغاية وتعتمد على المناخ وأنواع الأشجار والإدارة.

ويقول: من المهم ألا يؤول مشروع زراعة الأشجار تماما إلى الأهالي، خاصة في البلدان النامية، ولكن يمكن إشراكهم في ذلك المخطط والذي تقوم به الدولة.

جودة الهواء

ويضيف فخري، تعتبر الأشجار وسيلة هامة للتخفيف من وطأة تغير المناخ وتحسين جودة الهواء، مما يجعل المدن صحية أكثر للعيش فيها. وهي تقلل من تركيز الغازات الدفينة في الجو، وذلك بأخذها لثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في أخشابها في عملية تُسمى حبس الكربون. وهذا يمنع تغير المناخ، كما تقلل التلوث وتقلل من ظاهرة الاحتباس الحراري، لأن الأشجار تُعدّ رئة كوكب الأرض.

ويكمل أنه عند اختفاء الأشجار سيتغير المناخ تماما على ظهر الكوكب على المدى الطويل والقصير. حيث تقوم الأشجار بدور المضخات البيولوجية في دورة الماء. فتسحب الماء من التربة وتطلقه في الغلاف الجوي في صورة بخار ماء.

ويضيف أنها تساهم أيضا في تنقية الهواء وتمتص الروائح والغازات الملوثة مثل أكسيد النيتروجين والأمونيا وثاني أكسيد الكبريت والأوزون والجسيمات العالقة في الهواء عن طريق حصرها على أوراقها ولحائها. ويقدم فدان واحد من الأشجار الناضجة ما يكفي من الأكسجين لثمانية عشر شخصا. وتعمل على اعتدال درجات الحرارة بنسبة تصل إلى 10 درجات فهرنهايت من خلال التظليل على الشوارع وامتصاص أشعة الشمس وإطلاق بخار الماء في الهواء الذي يزيد من الرطوبة في الغلاف الجوي.

الأشجار وأنواعها

يضيف مدير مركز البحوث، أن الأشجار الخشبية هي وحدها التي تصلح للزراعة في كل مكان بمصر. ولدينا منها أشجار قيمتها الاقتصادية عالية مثل أشجار الماهوجنى وأشجار البلوط وأشجار الأثل. وهذه الأنواع الثلاثة، تتميز بالجودة الفائقة لأخشابها. ويشير إلى أنه يجب منع زراعة أشجار الفيكس لأنها رديئة، ويجب زراعة الأشجار بناطق الصرف الصحي واستغلالها.

وينصح بزراعة المنطقة الشمالية والساحلية بالأشجار الآتية: (أنواع الكافور – أنواع الحور– الخروب – الصنوبر – الكازورينا – التين البنغالى – السرو – شجرة عيد الميلاد – السنط – العبل (الاثل) –– جريفليا – ميلالوكا– التوت – السرو– كونوكاربس – البامبو – الاكاسيا – الكايا (الماهوجنى الأفريقي) – البلوط – النبق السدر).

بينما منطقة مصر الوسطى بزراعة الأشجار الآتية: (السنط – اللبخ (ذقن الباشا) – السرسوع – الكازورينا – أنواع الكافور – التوت – الحور الاسود – الصفصاف – سيدرلا– الكايا – الماهوجنى الإفريقي – الصنوبريات – التاكسوديوم – العبل – أبو المكارم – السرو – الزنزلخت- البوهينيا).

ومنطقة جنوب مصر بالأشجار الآتية: (اللالوب – السنط – سيدرلا – الماهوجنى الإفريقي- الماهوجني ذو الورق العريض- الماهوجني ذو الورق الرفيع – الكايا – الحور الأسود – الكافور – الصنوبريات – اللبخ (ذقن الباشا) – التوت – اراك (السواك) – الكازورينا – النيم – التمر الهندى – العبل – اللوسبنا- التمر الهندي- السرسوع- أبو المكارم- الزنزلخت- البلوط- التكسوديوم- جريفيليا- كونوكاربس).

الترع والمناخ

يقول مصدر بوزارة الري – رفض ذكر اسمه-: “مشروع التبطين الحالي هو مشروع قومي تقوم به الدولة من أجل تغير المناخ. وقد تم تقييم مرحلي على أساس أنه من الممكن أن يحدث تسريب سطحي. وأن هذا المشروع يستهدف الترع المتبعة لعملية وصول المياه إلى النهايات وحدث فيها استبحار عبر الزمن لذلك يتم تبطينها. ولذلك بدأ التبطين على الترع كمشروع قومي على كل أنحاء الدولة”.

وتابع: التبطين يقلل من نسبة الفقد في المياه خارج الترعة، ويحافظ على الجسور، والنحر في بطن الترع. وأن زراعة الأشجار على ضفافها سيساهم بكثرة في التغير المناخي. كما أن زراعة أشجار معينة على ضفاف الترع والقنوات التي تم ذكرها سابقًا تساعد في التقليل من التغير المناخي، وللحد من تخفيف درجة حرارة الأرض للخروج من تلك الأزمة.

طرق الري قديما

أما عن طرق الري التي كانت تستخدم قديما، فبدأت إرهاصات وبواكير ري الحياض في مصر منذ القدم ومنذ عهد الفراعنة بالتحديد، “مدرسة الري المصرية” فتكيف الفراعنة مع النيل والاستفادة من مياهه.

ويقول: “نظام ري الحياض قديم منذ الدولة الفرعونية. حيث كان يجري نهر النيل تحت سفح الجبل الغربي بين الجيزة وأبوصير. وتم الكشف عن أرصفة وتكيسات من الحجارة على طول السفح الواصل بين الجيزة وأبوصير. وهذه التكيسات والأرصفة قد بنيت لخدمة طريق نهري كان موجودا بأسفل الجبل”.

وتابع: الملك مينا له فضل في تطوير أنظمة ري الحياض، وهناك رأي يقول إن ري الحياض قد تطور إلى شكل متقدم قبل الملك مينا. وأن عصر الملك العقرب، آخر ملوك عصر ما قبل الأسرات؟ كان يوجد نظام  لاستخدام مياه النيل.

يبين الرسم المنقوش على صولجان هذا الملك، أحد أعمال الري والذي يقف فيه الملك وسط الرسم ممسكا بفأس بيديه وهو يشرف على هذا العمل. وأمام الملك رجل في يديه (قفة) لحمل التراب، ورجل آخر يحمل في يديه بعض سنابل القمح. ووراء الملك منظر الحقول، ورجلان يحملان مروحة، وتحت قدمي الملك رسمت قناة الري التي كان يدشنها، وإلى جانبها رجلان ربما كانا يقطعان جسرًا أو يحفران قناة، ووراء أحدهما شجرة النخيل في فناء محاط بسياج من البوص المربوط بالحبال.

ري الحياض 

ويكمل المصدر: بدأ نظام ري الحياض في أقصى الصعيد. ثم انتقل إلى الشمال حول مدينة منف من الجانب الغربي من النهر وفي هذه المنطقة تمت تقوية جسر النيل الغربي. وبعدها بنيت جسور عرضية من حافة هذا الجسر حتى الصحراء لتقسيم سهل الفيضان إلى أحواض. ومنها حفرت قنوات تغذية من النيل لتنظيم دخول الماء إلى الأحواض للتأكد من حصولها على ما يكفيها من المياه.

ويشير إلى أن فراعنة الدولة الوسطى حصروا النيل في مجراه، لكي يرفعوا منسوبه وقت الفيضان. ليصل إلى كافة الأراضي، وفعلوا ذلك من خلال تقوية الجسر الشرقي للنهر فأضافوا بذلك أراضي جديدة في الضفة الشرقية.

كما تحكموا في منسوب النهر بدرجة كبيرة، وتم حصر النهر في مجراه وقت الفيضانات العالية التي اجتاحت البلاد وقت حكم هذه المملكة. وكان ذا أثر خطير وخاصة على منطقة منف ومنطقة مصر السفلى التي أصبحت مهددة بالغرق. وهو ما دفع الملك أمنمحات الثالث، الذي سماه هيرودوت “موريس” – لاستخدام منخفض الفيوم كمفيض للنيل يدفع فيه الماء الزائد عبر عدد من الجسور لكي ينخفض منسوب النهر إلى الشمال من المفيض. فتحولت الفيوم بذلك إلى خزان هائل من الماء أسماه هيرودوت “بحيرة موريس” نسبة إلى الملك أمنمحات الثالث. وقد اعتبر هذا العمل واحداً من أعظم الأعمال في العصر القديم، واستطاعوا أن يزرعوا عند مدخلها حوالي 21 ألف فدان.

وأضاف أنه في عهد الدولة الفرعونية الحديثة، أدخلت أدوات رفع المياه على نطاق واسع في حين كان الأمر قبل ذلك يعتمد على زراعة محصول شتوي واحد عن طريق غمر الحياض بالمياه نظرا لظروف النهر وتقلباته الموسمية.

استخدام الشادوف 

واستغرق هذا النمط الجديد أجيالا متتالية. حيث بدأ بالشادوف وهو عبارة عن دلو مثبت بحبل في طرف عصا من الخشب متينة وفي طرفها الآخر ثقل وهي مثبتة على رافعتين من الخشب أو النخل. وتقوم برفع الماء على مسافة مترين من منسوب النهر أو أكثر حيث يتم رفع نحو مائة متر مكعب كل 12 ساعة وهي كمية تكفي لري نحو فدان. واستمر استخدامه مئات السنين وبعده المحراث اليدوي، حتى في العصرين البطلمي والروماني.

ويذكر أن الفلاحين كانوا حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، يساقون ويسخرون خلال فصلي الصيف والشتاء لصيانة منظومة الري وحماية الجسور وقت الفيضان دون أجر من الطبقة الحاكمة.

ونوه بأنهم استخدموا بعد الشادوف السواقي والطنبور، وأدت انتشار السواقي إلى زيادة المساحات المزروعة. وأقاموا السدود منها سد اللاهون بالفيوم. ويشير إلى أن أوراق البردي تتحدث عن الجهود التي بذلت في أعمال الري والمساحة وصيانة الجسور وتطهير الترع.

الري بالشادوف
الري بالشادوف
 الري في عهد محمد علي

اعتاد المزارع على استخدام نظام ري الحياض الصارم، الذي استمر لآلاف السنين. مما أدي إلى زراعة الفلاحين المحاصيل التقليدية، ونظام المناوبة الذي يحدده دائما وفرة أو قلة مياه الفيضان.

وفى أوائل القرن التاسع عشر قام علماء الحملة الفرنسية بعدد من الدراسات لوضع نظام متقدم لإصلاح الزراعة في مصر ونظام ري متطور أيضًا. واتجه محمد علي في سنوات حكمه الأولي إلى تطوير الري الحوضي في مصر.

يكمل المصدر حديثه ويقول: “أصبحت لإدارة نظام الري في النهاية مسؤوليات محددة، وكان الموظفون المحليون. ومشايخ البلاد، يشرفون على ري الأراضي وتطهير الترع في فصل الشتاء، وإصلاح السدود وصيانة معدات الري في جميع النواحي. وبدأ يستخدم عمال السخرة لحفر الترع والجسور والقناطر في مناطق جديدة وقتها. وكان محمد علي حريص على تلقي تقارير عن حالة شبكة الري في مصر. وكان يصدر أمر بصيانتها كل عام”.

ويشير إلى أنه حاليًا بعد بناء السد العالي تحول نظام الري في مصر إلى ري دائم. وأصبحت هناك وزارة الموارد المائية والري مختصة في هذا الشأن.

اقرأ أيضا

عندما كانت قوص حديقة كبيرة: كيف يؤثر تغيير المناخ على جغرافيا القرية؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى