مهرجان «ليلة الرقص المعاصر».. عروض مفتوحة تبحث عن جمهور جديد
«مش فاهم حاجة»، قالها أحد الحضور في مهرجان «ليلة الرقص المعاصر» بساحة مكتبة الإسكندرية، ليرد عليه صديقه مستشهدًا بمقولة تُنسب إلى فريدريك نيتشه: «الذين شوهدوا وهم يرقصون بدوا مجانين في نظر من لم يسمعوا الموسيقى»، وهي مقولة تلخص فجوة الإدراك بين من يرى ومن يفهم؛ فجوة بدت حاضرة بوضوح في ساحة مكتبة الإسكندرية خلال عروض المهرجان، حيث تباينت ردود فعل الجمهور بين الإعجاب والدهشة والرفض. وهنا يُطرح السؤال: هل خروج الرقص المعاصر من المسارح إلى الشارع يجعله أقرب إلى الناس، أم يجعله أكثر غموضًا ويُفقده معناه؟
المهرجان خارج المسرح
انطلقت فعاليات مهرجان “ليلة الرقص المعاصر” احتفالًا باليوم العالمي للرقص، الموافق 29 إبريل الماضي، من القاهرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية يومي الخامس والسادس من مايو، ويُختتم في المنيا. وتمثل هذه الدورة، وهي التاسعة، محاولة للخروج بالفن من فضائه التقليدي إلى المجال العام، عبر تقديم العروض في الشوارع والساحات المفتوحة دون حواجز أو تذاكر.
اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات
لغة الجسد: تجربة العرض
يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال التجربة نفسها. ففي أول عروض الإسكندرية، قدّم أحمد الجندي عمله “نقطة في المنتصف”، الذي يدور حول الصراع الذي ينشأ من اجتماع شخصين معًا، فيبدوان في البداية غير قادرين على التعايش، لكن مع تصاعد الأحداث يحاولان إيجاد صيغة للتقارب والعمل المشترك. وبدت حركة الراقصين كأنها تفاوض مستمر بين السيطرة والتنازل، بين القرب والرفض.
وحول تقديم العرض في الشارع، يرى الجندي أن مرور شخص عابر وإلقاء نظرة سريعة قد يكون كافيًا لإثارة اهتمامه، مضيفًا أن نقل الفن إلى الفضاء العام “يجعله متاحًا للكل”. كما أشار إلى أن اختلاف فهم الجمهور للعمل الفني أمر طبيعي، إذ لا يقدم معنى واحدًا بقدر ما يفتح الباب لتفسيرات متعددة.
الجمهور بين التفاعل والمشاهدة
كان هذا الاختلاف في وجهات النظر واضحًا في ردود فعل الجمهور، حيث تفاعل بعض الحضور مع العروض وحاولوا قراءتها بطريقتهم الخاصة، بينما اكتفى آخرون بالمشاهدة أو تعاملوا معها بدهشة، في تجربة قد تبدو جديدة على جزء من الجمهور.
وفي عرض آخر بعنوان “نفس الحب”، عبّرت إحدى المشاركات عن ترددها في البداية في تقديم العمل خارج المسرح، مشيرة إلى شعورها بالقلق من تفاعل الجمهور، قبل أن تتحول التجربة إلى حالة من الحماس، رغم اختلاف الاستجابات.
اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام
هل إتاحة الفن تعني فهمه؟
في ظل تجمع الجمهور بأعداد محدودة، تبرز إشكالية أساسية: فإتاحة الفن لا تعني بالضرورة فهمه. فهل مجرد وجوده في المجال العام يكفي؟ فمن ناحية، يبدو نقل العروض إلى الشارع خطوة نحو “ديمقراطية الفن”، حيث يصبح متاحًا دون قيود. ومن ناحية أخرى، قد يتحول هذا الفن إلى تجربة عابرة يمر بها الجمهور دون محاولة حقيقية لقراءتها.

ماهية الرقص المعاصر
من أجل محاولة الإجابة، لا بد أولًا فهم طبيعة الرقص المعاصر نفسه. فوفقًا لما أوضحه الناقد المسرحي محيي إبراهيم في إحدى المداخلات التلفزيونية، فإن الرقص المعاصر يُعد مزيجًا من أنواع الرقص المختلفة مثل الباليه والهيب هوب والرقصات الشعبية. وهو مساحة مفتوحة للتجريب، يعتمد في الأساس على التعبير الجسدي الحر الذي يميل إلى الحركة الأفقية والتماس مع الأرض، بدلًا من القوالب الصارمة، ليصبح الجسد وسيلة للتعبير عن أفكار قد تكون فلسفية أو اجتماعية.
ورغم ارتباط اليوم العالمي للرقص بميلاد جان جورج نوفير، الذي وضع مبادئ رقص الباليه بما يحمل من موضوعات، فإن الرقص المعاصر جاء لاحقًا كحركة تكسر المزيد من القواعد، ساعيًا إلى تحرير الجسد من مثاليته، وتحويله إلى أداة تعبير فردي.
وفي مصر، بدأ الفن المعاصر في التبلور مع مطلع الألفية، واكتسب طابعًا أكثر احترافية مع تأسيس Cairo Contemporary Dance Center، الذي ساهم في تخريج جيل جديد من الراقصين ومصممي الرقص.
لغة الجسد: محلية أم عالمية؟
مع مشاركة فنانين من دول مختلفة، من بينها مصر وفرنسا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة وهولندا، يُطرح سؤال آخر: هل توجد لغة عالمية للجسد؟ أم أن الرقص المعاصر يظل، رغم طابعه التجريبي، مرتبطًا بسياقاته المحلية؟
لا يمكن الوصول إلى إجابة قاطعة، لأن الرقص المعاصر يفتح المجال للتأمل والتفكير. فبين جمهور يحاول الفهم وآخر يكتفي بالمشاهدة، تظل التجربة تتشكل في لحظة التلقي نفسها، حيث لا يكون المعنى ثابتًا، بل يتغير بتغير من يشاهده.
اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟





