أصل و فصل

عندما منعت الرقابة أول فيلم مصري عن مناسك الحج

افتقرت السينما المصرية في بداياتها إلى وجود أفلام أو أعمال فنية ذات طابع ديني، وذلك على مدار العقود الأولى لوجودها في مصر، حتى اتخذت سيدة مصرية قرارا بتحمل التكلفة كاملة – والتي كانت باهظة آنذاك – لتقديم أول فيلم يوثق مناسك الحج، ولكن على عكس توقعاتها فإن الفيلم الذي ظل طي النسيان لم يحقق النجاح المرجو، بل واجه تحديات عديدة أبرزها منعه من العرض.

المنتجة الخفية

البداية ترجع إلى خلو السينما المصرية من الأفلام الدينية حتى نهاية الثلاثينات حين قررت منتجة مصرية عُرفت باسم “مدام الذهبي” باتخاذ الخطوة الأولى لإنتاج أول فيلم روائي طويل يجسد مناسك الحج وكيفية أدائها، وبرغم ذلك عانت من أزمة منع عرض الفيلم في دور السينما المصرية.

تناول هذا الفيلم مناسك الحج كاملة وشعائره منذ البدء بالنية حتى أداء الفريضة وعقد العزم عليها حتى إتمامها والعودة إلى الديار، وتم إنتاجه في عام 1937، ولم تفصح منتجة الفيلم عن اسمها حيث لم تُعرف إلا باسم “مدام الذهبي” نسبة إلى لقب زوجها فقط، ويعد هذا الفيلم أول فيلم مصري يتم تصويره خارج مصر أيضا، حيث تم توثيق مناسك الحج من خلال فريق عمل الفيلم.

ممنوع من العرض

ووفقا لما أوضحه الكاتب عبدالله أحمد عبدالله في كتاب «عالم النجوم وذكريات ميكي ماوس»، تحملت المنتجة تكلفة الفيلم كاملة من مالها الخاص، وتولى التنفيذ تصويرا وإخراجا المخرج الرائد مصطفى حسن، ودارت الأحداث في ستديو مصر والمملكة السعودية، والذي حرص على أن يكون السيناريو قد تمت مراجعته دينيا من قبل علماء الأزهر والمراجع الدينية، وجسد الفيلم هذا الحدث الديني بالكامل.

ولكن ما أن تم الانتهاء من تصوير الفيلم والاستعداد لطرحه في دور السينما حتى واجه أزمة مفاجئة وهي منعه من العرض في دور السينما المصرية، ويرجع ذلك إلى أن دور السينما في ذلك الوقت من الثلاثينات كانت غالبيتها مملوكة للأجانب الذين رفضوا أن يتم عرض فيلم ديني عن مراسم وطقوس الحج الإسلامي.

ولكن فكرت المنتجة في حيلة لعرضه، وهي تقليل مدة الفيلم ليصبح تسجيلي حتى يتناسب مع عرضه كفيلم قصير لتكملة برنامج العرض في دور السينما، والتي كان يُسمح حينها لدور العرض إما بشرائها أو إيجارها من أفلام قصيرة أو رسوم متحركة خلال فترة الاستراحة قبل عرض الفيلم الرئيسي، ولكن لم يحظ الفيلم أيضا بموافقة الأجانب لشراءه او استئجاره لعرضه.

محاولات خروجه للنور

وحاولت “مدام الذهبي” مرة أخرى عرض الفيلم ولكن هذه المرة من خلال إهدائه إلى دور السينما دون الحصول على أي أجر منه، ولكن لم يوافق على قبوله وعرضه إلا دور سينما أو اثنتين فقط.

كانت الظروف التي حالت دون عرض الفيلم سببا في أن تشعر بأن جهودها لم تحقق الهدف المرجو وهو نشر الدعوة إلى الحج وتيسير فهم مراحله وقواعده وشروطه، ففكرت في طريقة أخرى يخرج من خلالها الفيلم إلى النور، وطبعت نسخا منه على نفقتها الخاصة، وقامت بتوزيعه بشكل مجاني تماما على أصحاب دور العرض مقابل السماح بعرضه في السينما سواء مجانا أو بمقابل رمزي للجمهور.

وكانت جهودها في  تنفيذ هذا الفيلم سابقة لعصرها، خاصة أن الجهات الدينية مثل الأزهر وما يلحق به من معاهد وجامعات أو وزارة الثقافة والهيئات الملحقة لم تنفذ فيلم مشابه حتى مطلع الألفينات، ولكن المملكة العربية السعودية عالجت هذا النقص وقدمت فيلم عن مناسك الحج.

اقرأ أيضا

من “الخرنفش” إلى “مكة”.. طريق “المحمَل” المصري لكسوة الكعبة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى