حارس الذاكرة المنسية.. حكاية «رجب شيمي» آخر سكان قرنة مرعي القديمة
فوق جبل القرنة، وبجوار المقابر الأثرية الفرعونية، يعيش رجل وحيد في قرية لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. «رجب جابر طلبه علي شيمي»، آخر المقيمين بشكل دائم في “قرنة مرعي القديمة”، أو هكذا يعرّف نفسه ببساطة، قبل أن يبدأ في سرد حكاية تمتد لأكثر من قرن، وتتشكل في بيت واحد لم يغادره منذ مولده عام 1967.
ليست مجرد جدران
يقول رجب: “أنا الوحيد اللي مقيم هنا من ساعة ما اتولدت، وأنا في البيت ده”. البيت، كما يصفه، ليس مجرد جدران من الطوب اللبن، بل طبقات من “التاريخ”؛ بُني فوق مغارات سكنها أجداده قبل مئات السنين، حين كان الفيضان يبتلع الأرض المنخفضة، فيدفع الناس إلى أعالي الجبل بحثًا عن النجاة، في وقت كانت فيه الآثار “مساخيط” في لغة الناس، ولم تكن قيمتها قد استقرت بعد في الوعي العام.
لكن ما تغيّر لاحقًا لم يكن النيل فقط، بل البشر أيضًا. في تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1997، بدأت الدولة مشروع تهجير أهالي القرنة إلى مساكن جديدة، في محاولة لحماية المناطق الأثرية. خرجت أغلب العائلات، لكن رجب بقي، ليس عنادًا، بل لأن اسمه لم يكن مدرجًا ضمن كشوف المستحقين للتعويض.
“قالوا لي مالكش اسم.. حاولت بكل الطرق أقول لهم اكتبوا اسمي على اعتبار إنه سقط سهواً، لكن مفيش فايدة”، يقولها بنبرة هادئة تخلو من الغضب، لكنها مشبعة بمرارة طويلة. لم يحصل هو ولا إخوته على تعويض، فبقي في البيت القديم، بينما توزّع الآخرون بين القرنة الجديدة ومناطق أخرى.
يمتد البيت إلى جوف الجبل
المفارقة أن رجب لم يختر العزلة، بل فُرضت عليه. “إخواتي المفروض يقعدوا معايا، بس البيت ما يستحملش، فبقيت أنا والمدام هنا”، يقول، مشيرًا إلى جدران سميكة تصل إلى نصف متر، تمنح البيت خاصية فريدة: البرودة في الصيف والدفء في الشتاء. داخل المغارة، حيث يمتد البيت إلى جوف الجبل، تتبدل قوانين الحرارة؛ حين تصل في الخارج إلى 45 درجة، لا تتجاوز في الداخل 25.
رغم قسوة الظروف، من غياب المياه وصعوبة الترميم بسبب القيود الأثرية وتدهور السقف منذ سيول التسعينيات، يصر رجب على أن في هذا المكان “راحة نفسية” لا يجدها في أي مكان آخر. “هنا ذكرياتي.. هنا لعبت كورة وأنا صغير، هنا كنا نشوف مئذنة أبو الحجاج وهي بتنور وقت المغرب”، يقول، مستعيدًا تفاصيل الطفولة كأنها تحدث الآن.
لكن الحنين لا يلغي التناقض. حين يُسأل عمّا إذا كان سيغادر لو حصل على تعويض، يتردد: “مش عارف هنفرح ولا هنزعل، ده تاريخك كله هنا، وفي نفس الوقت في معاناة”. يصف حاله بأنه “بين نارين”، أحلاهما مر.
اقرأ أيضا: «وفاء الشقيري» الفائزة بجائزة داود عبد السيد: «عاوزة صوتي يوصل للناس»
القرنة والبعيرات
القرنة القديمة، كما يراها رجب، لم تكن مجرد مكان، بل نمط حياة كامل، مجتمع متماسك بلا أبواب مغلقة، حيث يمكن لأي جار أن يدخل بيت الآخر ويفتح الثلاجة دون استئذان، “كنا بيت واحد، مفيش فرق بين القرنة والبعيرات، كله واحد”، يقول. في ليالي المولد، كان الجميع يتكاتف؛ من يملك حصيرًا يحضره، ومن يملك إبريق ماء يشارك به، والطعام يُطهى جماعيًا دون حاجة إلى طباخين.
اليوم، تغيّر كل شيء. في القرنة الجديدة، إذ انتقل معظم السكان، تبدو الحياة أكثر حداثة، لكنها أقل دفئًا في نظره. “ممكن ما تعرفش جارك مين، والناس بتسأل مش عشان تطمّن، عشان تعرف إنت بتعمل إيه”، يقول، في مقارنة حادة بين زمنين.
التحول لم يكن اجتماعيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. يروي رجب كيف أثّر التهجير على الزراعة، إذ ابتعدت الأراضي عن أصحابها، فهُجرت أو بيعت. “الواحد كان عنده بقرة وغنم، دلوقتي قاعد على السرير قدام التلفزيون”، يقول، واصفًا فقدان الإيقاع اليومي الذي كان يمنح الحياة معنى، أما هو، فيعيش على هامش كل ذلك، يملك قطعة أرض صغيرة يزرعها مع إخوته، ورخصة قديمة لتجارة الدقيق لم تعد تُستخدم. “مفيش حد هييجي من 15 كيلو عشان يصرف حصة دقيق”، يقول، في إشارة إلى عزلة المكان وانقطاعه عن دورة الحياة الاقتصادية.
اقرأ أيضا: إسنا تفقد جزءا من تراثها.. إزالة منزل عمره أكثر من 100 عام
التنقيب غير المشروع عن الآثار
رغم قربه من أهم المواقع الأثرية معبد هابو، تمثالي ممنون، ووادي الملكات لا يبدو أن هذه الجغرافيا تمنحه ميزة بقدر ما تعمّق مفارقته، هو يعيش في قلب التاريخ، لكن خارج الحاضر، يرى السياح يمرّون، يحيّيهم أحيانًا بالإنجليزية البسيطة، ثم يعود إلى وحدته.
“إحنا هنا كنا حراس أكتر ما كنا حاجة تانية”، يقول، في دفاع غير مباشر عن صورة أهالي القرنة التي طالما ارتبطت بالتنقيب غير المشروع عن الآثار، إذ يؤكد أن الغالبية كانت تعمل في الزراعة، وأن الوعي بقيمة الآثار لم يكن موجودًا قديمًا.
بين جدران هذا البيت، تتقاطع حكايات كثيرة: عن الهجرة، والذاكرة، والعدالة الغائبة، والتحولات الاجتماعية. لكن في النهاية، تبقى حكاية رجب شخصية جدًا؛ رجل وجد نفسه خارج قوائم المهجرين من أهالي القرنة إلى مساكن جديدة، فاختار أو اضطر أن يبقى وحيدًا.
وحين يُسأل إن كان يشعر بالوحدة، لا يجيب مباشرة. ينظر حوله، إلى الجبل، إلى البيوت المهجورة، ثم يقول: “الناس كانت هنا كنا كلنا هنا”. ربما هذا هو جوهر الحكاية: ليس أن رجب يعيش وحده الآن، بل أنه لا يزال يعيش وسط من رحلوا.
اقرأ أيضا: «معبد المدامود».. أطلال أثرية تقاوم الإهمال والمياه الجوفية شرق الأقصر







