ثقافة الفلاحة والربط السوداني في “أسيوط المدينة الحارسة”

تصوير: أحمد دريم

*ولاد البلد الشريك الإعلامي للمتحف البريطاني في حفل إطلاق كتاب “أسيوط المدينة الساحرة”

“لطالما ارتبطت أقدار مصر بنهر النيل، ووفر النيل مصدرًا كافيًا للشرب لتعداد البلاد الصغير، وكان التخطيط مطلوبًا لضمان إنتاجية المحاصيل، وكرواد في مجال الهندسة الهيدروليكية (المائية)، طور المصريون أنظمة للري مستخدمين القناطر والقنوات والسدود المائية، والتي تم نشرها على امتداد البلاد بما فيها حقول أسيوط الرسوبية ذات التربية الغنية”، هذا ما جاء في كتاب “أسيوط المدينة الحارسة”، الصادر عن المتحف البريطاني، عن تاريخ الفلاحة في أسيوط.

وفي عام 1200 ميلاديًا، وصف أبو المكارم، قس قبطي ومؤرخ، فدادين أسيوط التي بلغت واحدًا وثلاثن ألفًا لتمثل أكبر رقعة زراعية في مصر، قائلًا: “ما من بطانة من طمي النهر أفخر من هذه على وجه البسيطة.. ولا أزكى منها رائحة”، وفي هذا الوقت تقريبًا انخرطت الدولة في البنية التحتية للري، فكانت السدود العامة يتم تصميمها من قبل الدولة.

والسد المائي عبارة عن حاجز لحماية الأرض أو لإعادة توجيه المياه عبر قنوات صنعها الإنسان بغرض الصرف أو الري، وقد تكون هذه الحواجز مزودة بسدود كبيرة للتحكم في كمية سريان الماء بأوقات معينة.

والجسر أو الطريق العلوي الذي يصل أسيوط بمينائها، هو سدًا مائيًا قديمًا واصل طريقه من الجهة الغريبة للمدينة حتى سفح الجبل الغربي، وربما تبدو أجزاء هذا السد الذي وصل الشرق بالغرب مماثلة لتلك التي ذكرها المؤرخ شمس الدين السخاوي، والذي أشار إلى أن السلطان المملوكي المنصور فخر الدين عثمان فام ببناء وترميم السد من الجبل حتى النهر، وكان ثمة قنطرة متداخلة مع جزء من السد بالقرب من باب المجذوب “بوابة المدينة الشرقية” ليجري الماء من تحتها.

في وسط القرن السادس عشر، تم توثيق سد امتد لحوالي عشرة كيلومترات بموازاة النيل، بادئًا من جنوب شطب ومنتهيًا من الجانب الشرقي من أسيوط، وفي آواخر القرن السابع عشر تكونت شبكة الري في المنطقة من سدين منيعين، أحدهما عكس التيار في أبو تيج، والآخر باتجاه التيار في أسيوط، وبينهما العديد من السدود “البلدية”.

وفي القرن التاسع، اختفى السدين وأدى ذلك إلى تحويل المنطقة بين أسيوط وأبو تيج إلى بركة هائلة “حوض الزنار”، وقد تشكل هذا الحوض الجديد حول البلدات ذات الارتفاع الطفيف، وهي درنكة وريفا وشطب في موسم الفيضان، وكان لا يزال يستخدم في أغراض الري في بدايات القرن العشرين.

بقايا لأحد السدود الطينية

الربط السوداني

ومن الزراعة إلى التجارة وتحديدا التجارة بين أسيوط والسودان، والتي عرفت طريقها منذ الدولة القديمة على أقل تقدير، كما تشهد الأدلة التي تم جمعها في الصحراء الغربية، وقد وفرت الصحراء وسيلة بديلة لبلوغ مصر بالنسبة للتجار والرحالة الذين رغبوا في تجنب وادي النيل، حيث كان من المرجح أن يقابلهم اللصوص وقطاع الطرق، وقد كانت واحة الخارجة بصحراء مصر الغربية بمثابة مكان للتلاقي بين مصر والسودان وليبيا ووسط وغرب أفريقيا.

وانقطعت التجارة بين أسيوط والسودان التي تتبع الطريق المدعو بدرب الأربعين عدة مرات على مر التاريخ، لكن بنهاية القرن التاسع عشر، عادت القوافل للمسير مما أضاف الكثير لثروات المدينة.

كان وصول القافلة إلى أسيوط مصدرًا للتشوف والتخوف في آن واحد، وبوجودها قد يتضاعف تقريبًا عدد سكان المدينة، ومثّل التعامل مع هذه الموجه المتدفقة من البشر والحيوانات والبضائع تحديًا لوجستيا مهولًا، ففي عام 1817 لاحظ الرحالة الفرنسي فريدريك كيليو دخول القافلة إلى أسيوط، ذات العشرين ألف ساكن تقريبًا وقتذاك، وبمعزل عن 500 ناقة محملة بالبضائع، كان ثمة 16 ألف شخص من ضمن الركب، كثيرًا منهم من “الجلابة” أو الجار الرجل من أسيوط والقاهرة، لكن ستة آلاف منهم كانوا من الأسرى السودانيين المقرر بيعهم في أسواق النخاسة بتلك المدن.

ووفقًا لفريدريك كيليو، فقد ظلوا يرتحلون في الصحاري مدة شهرين، في أقسى درجات الحرارة من العام، ووصلوا مرهقين وعلامات الموت بادية على محياهم، وكانت رحلة درب الأربعين يومًا في واقع الحال تمتد من شهرين إلى أربعة شهور عبر طبيعة أرض صحراوية، وبدأت الرحلة التي يبلغ مداها 1770 كيلو من دارفور في جنوب غرب السودان، ثم تحركت شمالًا إلى الخارجة آخر محطة للتزود بالمياه قبل بلوغ أسواق أسيوط.

ورافق رحالة بريطاني إحدى القوافل عام 1793، في رحلة امتدت لأربعة شهور، وأعدّ قائمة بالبضائع المحمولة في هذا الاتجاه، وهي “خرز كهربائي وعقيق أحمر وعقيق مقلد وخرز البندقية وأقمشة قطنية زرقاء صغيرة من خامة مصرية وغير ذلك”، عائدة من الشمال في عام 1796، كما أتت القافلة بـ”عبيد وإماء من الذكور والإناث وجِمال وعاج”.

ولاحظ إدوار وليام لين في كتاب وصف مصر، أن العبيد شكلوا السلعة الأساسية القادمة من السودان، إضافة إلى الصمغ العربي، أما السلع الأكثر ابتذالًا كالمنسوجات والتوابل والمعادن والأطياب والخرز وجدت طريقها في المقابل إلى السودان.

وكان تنظيم وقيادة تلك القوافل الضخمة يتطلب مهارات إدارية فائقة وطبيعة، لكن العوائد المادية كانت تستحق بذل هذا المجهود، وقد تمتعت أسيوط على مدار القرن التاسع عشر بفوائد التفاعل مع السودان، بما فية الاعتراف بها كأحد أهم مراكز التجارة في مصر.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى