دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

توديع الحجاج في قرى الأقصر.. أناشيد ومواكب شعبية تحافظ على روح التراث

بينما كان الحاج «صابر غريب» يجهز حقائبه وأمتعته استعدادًا للسفر إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، كانت  الأناشيد والأغاني الدينية تصدح عبر مكبرات الصوت خارج منزله، وسط توافد الأهل والمحبين للتهنئة وتوزيع العصائر والمشروبات، والرقص بالعصي ابتهاجًا بهذه الرحلة العظيمة التي ما زالت تحظى بتقدير وتعظيم أهل القرى، باعتبارها حدثًا يستحق الاحتفال.

وقرر أهل ومحبو الحاج صابر في قرية المدامود شرق الأقصر الاحتفال بسفره إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، من خلال تجهيز سيارة محملة بمكبرات صوت و”دي جي”، إلى جانب سيارات لنقل الأهل والجيران لتوديعه حتى أبواب المطار.

توديع الحجاج إلى الأراضي المقدسة

على الرغم من التقدم والحداثة، إلا أن الاحتفال بتوديع الحجاج إلى الأراضي المقدسة ما زال مستمرًا، لكن طرأت عليه بعض المتغيرات. ففي الماضي، كان الاحتفال بتوديع الحجاج يتم بالجمال والخيول، مع ترديد الأناشيد الدينية المتعلقة بالحج على أنغام المزمار البلدي، أما الآن فقد استُحدثت فكرة وضع مكبرات صوت و”دي جي” يصدح بأغنيات الحج على سيارة ربع نقل، تسير أمامها الدراجات النارية، وخلفها سيارات تقل الأهل والأصدقاء والمحبين حتى بوابات المطار.

ووسط الحشود التي جاءت لوداعه، قال الحاج صابر غريب، إن فرحة الحج “لا تعادلها فرحة”، خاصة أنها جاءت بشكل مفاجئ ودون ترتيبات مسبقة، موضحًا أن ابنته كانت من أكثر المشجعين له على التقديم لقرعة الحج، وأنه تقدم في الأيام الأخيرة قبل غلق باب التقديم.

وأضاف أن كل الترتيبات “جاءت وحدها”، بداية من القبول وحتى ترتيبات السفر والاحتفال، معتبرًا أن الله “إذا أراد لعبده زيارة بيته الحرام ذلل له كل الصعاب”، سواء المادية أو التنظيمية أو غيرها. وأشار غريب إلى أن الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل تضمن أيضًا جلسات دينية وقراءة للقرآن الكريم وشرحًا لمناسك الحج وأركانه على يد مشايخ القرية، كما أُقيمت بعض الولائم لإطعام الأهل والأحباب حتى يكون الحاج مستعدًا روحانيًا ومعرفيًا للرحلة.

اقرأ أيضًا: “بئر عنبر”.. قرية استقبلت الحجيج بالزغاريد والفرنسيين بالشّوم

تسهيل أداء الفريضة على المواطنين

أعرب الحاج صابر عن فرحته بالمشهد الذي رآه أمام منزله من تجمع لأهل بلدته ابتهاجًا بذهابه إلى البلد الحرام، مؤكدًا أن رؤية الأهل والأصدقاء مجتمعين حوله تمنحه إحساسًا عظيمًا بالحب والدعم، متمنيًا أن يرزق الله جميع المسلمين زيارة بيت الله الحرام.

كما أشاد بالتنظيم الرسمي لموسم الحج، موجها الشكر لوزارة الداخلية على تنظيم رحلات الحج، ومعربًا عن أمله في أن تخفض شركات السياحة الأسعار لتسهيل أداء الفريضة على المواطنين.

وفي محيط الاحتفال، كان الشباب يتولون تنظيم الموكب الذي سيتحرك باتجاه المطار، إذ أشار محمود رضا محمود، أحد أبناء القرية، إلى أن الاحتفال جاء بدافع المحبة للحاج صابر، مؤكدًا أنه شخص محبوب وخيره على الجميع.

وأوضح رضا أن شباب العائلة نظموا موكبًا يضم سيارات ودراجات نارية وسيارة “دي جي” تصدح بالأناشيد الدينية، على أن يستمر الموكب حتى المطار لتوديع الحاج وسط أجواء من الفرحة والدعوات الصادقة، مضيفًا أن مثل هذه المناسبات تعبر عن روح الترابط الاجتماعي التي لا تزال تتمسك بها قرى الأقصر والصعيد رغم تغير مظاهر الحياة.

وقال الشيخ محمد خليل، أحد أبناء القرية، إن الحج يظل مناسبة استثنائية في وجدان الناس، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى يختار من يحج، فهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وأن من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. وأضاف أن الحاج صابر يحظى بمحبة واسعة بين أهالي القرية بسبب علاقاته الطيبة ومساعدته للفقراء وحرصه على جمع العائلة وأبناء البلدة، لذا قرروا تنظيم احتفال يليق به.

اقرأ أيضًا: أغاني الحجيج: البوابات الباطنية وسر «القناوي»

دعوات الأهل والأحباب

أكد خليل أن الحجاج يحملون دائمًا دعوات الأهل والأحباب معهم إلى الأراضي المقدسة، قائلاً إن الجميع يوصون الحاج بألا ينسى من تجمعوا لتوديعه من الدعاء أمام الكعبة وفي المشاعر المقدسة، مشددًا على أهمية أن ينعكس أثر الحج على سلوك الإنسان بعد عودته، من خلال المواظبة على الصلاة وقراءة القرآن والحفاظ على الروح الإيمانية التي يعيشها خلال الرحلة.

من جانبه، قال الدكتور محمد إمام، باحث في التراث، إن القرى المصرية لا تنظر للحج باعتباره رحلة دينية فقط، بل تمثل أيضًا حدثًا اجتماعيًا يعكس قيمة رمزية كبيرة، إذ يرتبط في أذهان الناس بالبركة والوجاهة الاجتماعية والفرح الجماعي، لذا تحرص العائلات على إقامة الليالي الدينية واستقبال المهنئين وتوديع الحجاج في مواكب شعبية، في مشهد تتداخل فيه الروحانية بالعادات الشعبية الموروثة.

وتابع: “رغم تغير الزمن وظهور مظاهر حديثة للاحتفال، إلا أن جوهر المناسبة ظل ثابتًا: دعوات صادقة، وفرحة جماعية، وأمنيات بأن يعود الحاج سالمًا حاملًا لقب “الحاج”، الذي ما زال في قرى الصعيد، يحمل احترامًا ومكانة خاصة بين الناس”.

وأكد أن موسم الحج يرتبط بمهن كثيرة، أهمها مهنة رسم رحلة الحج على الجدران، إذ يبدأ أهل الحجاج بالاتفاق مع رسامين لرسم الطائرة والكعبة وعبارات دينية وآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة عن فضل رحلة الحج، إلى جانب كتابة اسم الحاج والتاريخ ووسيلة السفر، ففي الماضي كانت السفينة هي الوسيلة الأكثر استخدامًا، أما الآن فأصبح السفر بالطائرة هو الأكثر انتشارًا.

اقرأ أيضًا: «السويس».. عتبة الحجاز التي حملت أمنيات ملايين الحجيج إلى مكة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.