بورتريهات متخيلة (4): شريف منير.. كمنفي عن الزمن

أؤمن بهذا.. ما لم تهزمه قبل سن الأربعين، سيهزمك ما تبقى من حياتك، سيدمغ حقيقتك إلى الأبد. كل ما جاهدت لإخفائه عن الآخرين وعن نفسك، كل ما تكاسلت عن مقاومته والانتباه له، سيطفو في عينيك كروث متحجر. تصير الدودة الكامنة التي تركتها تنخر روحك تنينا.

شريف منير شابا

جبين صاف، نظرة تطوي كرامة الموهبة، تضوي بغضب طازج ونشوة، حيرة وإيمان برئ أن العالم عدو، خلق ليركع أحدهما أمام الآخر. تحت سفح قدميه رآه العالم جبلا، مفتونا بمباهج تلك الروح الشابة مازال، ساخرا في سريرته، من ألاعيب الزمن، الذي خبر في أبديته كل شيء.

في وجهه شيئا من قبس سماوي، جذوة النار المسروقة، لا لم يخدع الآلهة وهو يسرق تلك النار، لقد تغافلت عمدا كي تهبنا شيئا لن يغوينا إلا إذا كان ملعونا.

في حساسية ملامحه تعبيرات لا تضاهى، يناطح الموهبة بالموهبة، بالقوة تارة، بالرقة تارة، بعنفوان من الهشاشة، وفيض نبع، ببكارة الضباب والأحلام، بوميض سحري، ذلك الذي لن يهزم أمام شيء عدا نفسه.

مفعم بالرفض تجاه القبح والبشاعة. يستشعر عمق الجرح في لحم الكون. ولأنه مازال عطشانا لن يقبل الفظاظة أو العار، لن تخيفه الشياطين التي تتراقص في عمق الضباب الكثيف والبائس.

شريف منير كهلا

ما يتربص بمعجزة الشباب كلمة مشؤومة، حيلتها الوحيدة أنها تنتظر. حاملين بذور خرابنا معا، ننثرها مع كل خطوة ونفس.

نظن في البداية – بثقة طفولية- أننا لسنا جزء منه، ولن نكون، ممتلئين بسذاجة النضرة والفتوة والأمل.

لكن العفن مقيم، أبدي، أكثر حكمة، ينتظر ساخرا من سذاجتنا ومن تفاهة الإنسان وغروره، ناسجا شباكه بمهل، يهضمنا ببطء، ولا يتكفل مشقة أن يعلن انتصاره. نصير جزءا أصيلا منه، منتجين له، مدافعين عنه بضراوة، ونحن نلهو بوهم، أن طزاجة أرواحنا، صارت حكمة وبصيرة.

كسارية علم، يتخشب الجسد، لكن لا شيء هناك ليرفرف سوى رماد الإصرار البارد في العينين، يتشنج الصوت، تتصلب الملامح كلها على فكرة، نصير لافتة رديئة لحلم بائس. لا نظر، بل محض نقطة عمياء.

الطريق مرير. ضمور الروح، تفتت نسيج الضوء هو الثمن.

لعلنا في الأصل كنا نفوسا علوية وإلهية، شديدة الفتنة، محفوظة في خزانة بمكان قصي، فوق سبع أفلاك وسبع سماوات.

لعل الشياطين ظلت تتخطف فتنة نفوسنا، ونحن نهبط من سماء إلى سماء، حسدا وطمعا، كم يجب أن نجتاز من الأبدان وجوقات الشياطين وثورات النجوم والأفلاك، قبل أن تنهشنا دودة الروح. من يخشى أن نصير فتنة؟

شباب /كهولة

هذا ما أراده العالم حقا عندما رأى شفتين لم يضعا الحد بين الرقة والاشتهاء: قبلة، يرتجف لها كطير مذبوح.

هذا ما تتوسل إليه السماوات سرا، أن نكون لصوص أغوارها، أن نعريها بشجاعة من كل غموض.

لا عشق بدون اختبار، لذا تخبئ السماء والأرض زلة المنحدر، خدعتهما الأثيرة: الخوف. نير إذا رفعناه عنا، رفعناه عنهما.

أما العقوبة فصارمة، تتناسب مع خيبة أملهما: نواصل الحياة كمنفيين عن السر، عن الزمن. لا نرى الفارق بين كلمة الحكيم والمهرج، النشوة الصافية من كل كدر والمساحيق الكثيفة الزائفة، ضوء الشمس واللطخة. سنغوص بعيدا داخل الضباب، نرقص مع جوقة الشياطين، نصير كلمة مشؤومة تتربص بمعجزة الشباب.

اقرأ أيضا:

بورتريهات متخيلة (3): عادل إمام.. لأن مقلوب الجبل هاوية

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى