دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الكلوباتي الأخير في بورسعيد.. حارس الضوء الذي هزمه الزمن

لم يكن العثور على آخر كلوباتي في بورسعيد أمرًا سهلًا. فكل من سألتهم أجابوا بالجملة نفسها: «المهنة ماتت من زمان». وكانت الكلوبات نفسها قد اختفت من المدينة، بعدما كانت يومًا جزءًا من روحها اليومية، تضيء المقاهي والحوانيت والأفراح والمراكب الصغيرة وعربات الباعة الجائلين.

زوبة الكلوباتية.. راقصة الأربعينيات

في رحلتي تتبعت أثر الكلوب في حكايات قديمة متناثرة ومدهشة. حتى زوبة الكلوباتية، راقصة الأربعينيات الشهيرة التي كانت ترقص بالكلوب والشمعدان، مرت في ذهني أثناء رحلة البحث، كأن المهنة نفسها تحولت مع الزمن إلى مشهد غابر من ليالي مصر القديمة، لا يبقى منه سوى الأسماء والصور الباهتة.

تنقلت بين شوارع بورسعيد القديمة أبحث عن أثر باقٍ للمهنة. سألت شيوخ المدينة وأصحاب المحال العتيقة والباعة الجالسين أمام دكاكينهم، فكانوا يذكرون أسماء الكلوباتية القدامى كما تُذكر أسماء الغائبين: إبراهيم سالم، وعلي سليمان، وراشد، وأحمد جلهوم، ومختار صبح. أسماء انطفأت مع أصحابها، وتحولت محالهم إلى أنشطة أخرى لا علاقة لها بالنور القديم.

اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة

عم "صبح" الكلوباتي الأخير في بورسعيد قبل رحيله.. تصوير: وليد منتصر
عم “صبح” الكلوباتي الأخير في بورسعيد قبل رحيله.. تصوير: وليد منتصر
الكلوباتي الوحيد.. شاهد على تاريخ النور القديم

في تقاطع شارعي الحميدي وأسوان، بحي العرب العريق، التقيت بالعربي إبراهيم سالم، ابن أحد الكلوباتية القدامى. تحدث عن والده بحنين واضح، كأن الكلوب لم يكن مجرد مهنة، بل زمنًا كاملًا عاشته المدينة ثم فقدته. دلني على شارع كسرى، قائلًا إن آخر من بقي من الكلوباتية ما زال يفتح محله لساعتين كل مساء، رغم أن أحدًا لم يعد يحتاج إلى الكلوبات.

في شارع كسرى بدا المحل مثل قطعة منفصلة عن الزمن، باب خشبي قديم، وجدران باهتة، ومبخرة عتيقة تعلو الواجهة، بينما يحيط بالمكان ضجيج السيارات وضوء الكشافات الحديثة، كأن المدينة كلها تغيرت إلا هذا الركن الصغير.

انتظرت حتى المساء، حتى التقيت بمحمد مختار صبح، آخر كلوباتي في بورسعيد. كان هادئًا وبسيطًا، يجلس داخل محله الضيق الذي لا تتجاوز مساحته أمتارًا قليلة، كأنه يجلس داخل ذاكرته الخاصة. لم يبق بالمحل سوى خمس كلوبات قديمة، مغطاة بالتراب والأغطية البلاستيكية. وحين رفع “صبح” الأغطية عنها، بدا الأمر كأن الضوء نفسه يستيقظ من نوم طويل.

أشعل أحد الكلوبات، فخرج النور هادئًا ودافئًا، مختلفًا تمامًا عن ضوء الكهرباء الساطع والقاسي. كان ضوءًا له روح، ضوءًا يشبه ليالي بورسعيد القديمة.

أسرار الكلوبات وأنواعها

حدثني عن الكلوب كما لو كان يتحدث عن صديق قديم جمعتهما أجمل الذكريات. قال إن أجمل ما فيه “الرتينة”، وهي قطعة حريرية دقيقة تتحول إلى نور صافٍ حين يصلها الجاز الأبيض. ثم هناك “الماكنة”، وهي الهيكل الخارجي، والفونية، والزور، والكستبان، وكل جزء له وظيفة دقيقة يعرفها الكلوباتي كما يعرف الصائغ أسرار الذهب.

وللكلوب نوعان: “التربيزة” و”العليقة”. فكلوب التربيزة كان يُثبت فوق عربات الباعة الجائلين، فيسير الضوء معهم داخل الشوارع والحارات. أما العليقة فكانت تُعلق داخل المحال والمقاهي والمراكب، وتتعدد أشكالها وأحجامها بحسب المكان والمناسبة.

قال “صبح” إن الكلوبات كانت يومًا تضيء بورسعيد كلها. ففي الليالي القديمة كانت أنوارها تتلألأ على عربات الباعة، وعلى المقاهي الشعبية، وفي المآتم والأفراح، وحتى فوق مراكب الصيد الصغيرة، حيث كانت الأسماك تقترب من الضوء المنبعث فوق الماء.

اقرأ أيضًا: «السيد الخميسي».. وداعًا لأحزان البشروش الأخيرة

محل عم "صبح" الكلوباتي الأخير في بورسعيد بعد رحيله وتحوله إلى محل حقائب سيدات.. تصوير: أسامة كمال
محل عم “صبح” الكلوباتي الأخير في بورسعيد بعد رحيله وتحوله إلى محل حقائب سيدات.. تصوير: أسامة كمال
الكشافات الحديثة قضت على الكلوبات

ظهرت الكشافات الحديثة، واختفى الجاز الأبيض النقي، وبدأ الباعة يعتمدون على الكهرباء، حتى انقرضت المهنة تمامًا. مات الكلوباتية واحدًا تلو الآخر، وأغلقت المحال أبوابها، إلا هذا المحل الصغير الذي ظل صاحبه يفتحه كل مساء.

وحين سألته لماذا ما زال يأتي إلى هنا رغم اختفاء المهنة، ابتسم ابتسامة باهتة وقال إن المحل إيجار قديم، وإنه مضطر لفتحه يوميًا حتى لا يفقده. لكن صوته نفسه كان يقول إن الأمر أكبر من مجرد إيجار، بدا وكأنه يخشى، إذا أغلق الباب نهائيًا، أن يُغلق معه زمن كامل عاش داخله العمر كله.

لم يكن “صبح” يتمسك بالمهنة لأنها تمنحه رزقًا. فهو نفسه كان يعمل براد مواسير في الشركة البورسعيدية التابعة لهيئة قناة السويس. لكنه ظل يأتي إلى المحل بعد وفاة والده عام 1983، كأن حضوره اليومي محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من العائلة والزمن القديم.

كان يدرك أن الكلوب خرج من الحياة، وأن المدينة نفسها لم تعد تشبه تلك المدينة التي عرفها شابة ومضيئة بأنوار الجاز. ومع ذلك ظل يأتي كل يوم، يجلس بجوار كلوباته الصامتة، ويشعل بعضها أحيانًا، لا لينير الشارع، بل لينقذ ما يستطيع إنقاذه من ذاكرته.

وحين غادرت المكان يومها، شعرت أنني لم أزر مجرد محل قديم، بل زرت آخر بقعة ضوء باقية من بورسعيد الأولى.

وبعد سنوات، رحل محمد مختار صبح، آخر كلوباتي في تاريخ المدينة. ومع رحيله انطفأ آخر أثر حي للمهنة. تغير نشاط المحل، واختفت الكلوبات من داخله، وتحول المكان نفسه إلى محل لبيع الحقائب الجلدية الخاصة بالسيدات، كأن الزمن أكمل دورته الأخيرة، وأغلق الباب بهدوء على مهنة عاشت أكثر من قرن بين شوارع بورسعيد وأنوارها القديمة.

اقرأ أيضًا: بعد أن صارت أطلالًا.. حكاية «كبائن الميناتل» في زمن الاتصالات العمومية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.