القاهرتان (2): المدينة الجديدة وصورة الشارع القديم

إن انشاء عاصمة جديدة لمصر لم يكن محض مصادفة و لايمكن اعتباره مجرد انفعال شخصي بموقف عارض هو إقامة الخديو الشاب في جناح مصر بالمعرض العالمي لباريس وهي التي جعلته معروضًا في هذا الأخير ولكن دمًا ولحمًا. كذلك لا يمكن اعتبار الكتابات النقدية للرحالة المستشرقين عن القاهرة المعزية هي الدافع الوحيد لدى الخديو الشاب في تغيير عاصمة ملكه لأجل أن تطاول عواصم أوروبا. ولكن نقول أن حلم انشاء مدينة جديدة كان يراود، مع الخديو، بعض المصريين الوطنيين الذين اُتيحت لهم فرصة التعليم في الخارج وبالتالي الاطلاع على الثقافة الغربية، لاسيما الفرنسية. من ثم انضمت النخبة المصرية – تلك التي تكونت منذ أيام محمد علي باشا إلى ركب المطالبين بإحالة قاهرة المعز للتقاعد– إن جاز التعبير – بدعوى عدم صلاحيتها عمرانيًا ومجتمعيًا.

يُضاف على ذلك استبشار هؤلاء بالحاكم الجديد الشاب  ومنهم من عاصره أميرًا في البيت الحاكم كرفاعة الطهطاوي أو زامله في الدراسة في “المدرسة المصرية الحربية باريس كعلي مبارك أو، وكلا الاثنين لقيا كل العنت من سلفي إسماعيل عباس باشا وسعيد باشا.

فهذا رفاعة الطهطاوي بعد أن كان ملء الأسماع والأبصار ينفيه عباس إلى السودان ويوليه مدرسة ابتدائية بينما لم يكن علي مبارك أفضل حظًا فقد روي أن عباس استدعاه فور عودته من أوروبا مع بعض زملاءه طالبًا إليهم أن ينشئوا له معمل لصناعة الشمع فلما اعتذروا بسبب جهلهم بهذا التخصص الذي لم يتعلموا في أوروبا أجاب عباس “إذن فقد انفقت عليكم نقودي سدى!” ثم أمر بهم فجُلدوا خمسين سوطا في حضرته وانصرف علي مبارك وزملاءه من عند عباس “وهم ناقمون على عقله وعقليته، ولاعنون الساعة التي عادوا فيها من أوروبا”! ورغم أن عباس قد ولى علي مبارك ديوان المدارس في أواخر عهده فأن خليفته سعيد باشا قد عزله عن وظيفته ليلحقه بحرب القرم عله يلقى حتفه هناك!

***

إذن كانت السنوات الفاصلة بين 1848 – نهاية حكم ابراهيم باشا – و 1863 – بداية حكم ابنه إسماعيل باشا- بالنسبة للنخبة المصرية عصرًا متأخرًا عانت خلاله هذه النخبة العائدة من الخارج من “الصدمة الحضارية” لاسيما أن السياسة المعلنة للدولة كانت التراجع عن مشروع محمد علي التحديثي خوفًا من بطش الدول العظمى من ناحية ومن ثورة الأهالي من ناحية أخرى، وليس أدل على ذلك من جملة منسوبة لسعيد باشا “أمة جاهلة أسلس قيادة من أمة متعلمة”. وتولى إسماعيل الذي شارك هذه النخبة الانبهار بتقدم أوروبا والرغبة في مواصلة المشروع الطموح الذي بدأه محمد علي فقرب إليه هذه النخبة وأعاد أفرادها إلى مناصبهم التي عُزلوا عنها واتيحت لهم حرية العمل العام والكتابة ثم ارسلهم اسماعيل مرة أخرى إلى أوربا في مهمات سياسية كان من أهدافها دراسة مشروع التحديث الأوروبي وحساب الفجوة الفارقة بين بلادهم والغرب بمقياس التقدم العلمي والثقافي علاوة على مقياس التطور المجتمعي والعمراني.

***

كان من هؤلاء علي مبارك، زميل دراسة إسماعيل القديم ووزيره، الذي أرسله الأخير في مهمة رسمية لعدة أسابيع في شتاء 1867 لفرنسا. لاحظ علي مبارك الشوارع الهوسمانية الواسعة– البوليفار- والطرز المعمارية و كذا التنظيم الفراغي للمباني الجديدة. لفت انتباهه النظام والدقة في تعاملاته مع الفرنسيين فأغراه ذلك بالاطلاع على النظم الادارية والتعليمية. دون علي مبارك ملاحظاته ورأى أن يضعها في قالب قصصي حواري خرج في شكل كتاب “علم الدين”. بين طيات الكتاب محاورات بين شخصيتين من خياله: شيخ مصري وخواجة انجليزي حول الفروق الجذرية بين مصر وفرنسا.

***

ومن ضمن القصص التي شملها الكتاب تلك التي روت مشاهدات مجموعة من المصريين سافروا إلى مارسيليا ثم إلى باريس. حيث هال هؤلاء نمط الحياة في المدينتين لاسيما في مارسيليا فوصفوا أهلها بالجدية والأمانة في العمل. و رغم ازدحام الأسواق هناك “فأن كلهم مشغول بنفسه وبعمله،حريص على عدم مضايقة غيره”. تعجبوا من عدم نشوب المشاجرات في الشوارع بسبب الزحام وكذا انخفاض الضوضاء أثناء العمل “كأن الجميع في صلاة أو على الأقل بصدد الاستماع لخبر مهم من الحاكم”. أما في باريس، فتخلصت هذه المشاهدات في نظم البيع والشراء داخل المحال التجارية التي جرى تنظيمها وفق دقة وحرص بالغين على على كل من المشتري والبائع. ولم تخل هذه المشاهدات بالطبع من اسقاطات على الحوانيت القاهرية والسكندرية التي “لاتمر فيها ساعة دون أن يتأذى إنسان أو يؤذي غيره بالصراخ أو بالسباب”!

***

لكن علي باشا مبارك لم يكن الأول في استدعاء نمط الحياة الفرنسي في الأدب المصري. سبقه بسنوات رفاعة الطهطاوي بمؤلفه المشهور «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وفيه توصيف دقيق للحضارة الغربية الحديثة تحديدًا في نظم القوانين والمؤسسات وكذا العادات من ناحية سياسية وثقافية ومجتمعية. حاول الطهطاوي في كتابه أن يجد نقاط تواصل بين حضارة أوروبا في القرن التاسع عشر والحضارة الاسلامية في أوجها. ومن ثم اعتبر الطهطاوي بسبب كتابه و اصلاحاته التعليمية، خصوصًا حركة الترجمة التي قادها، ضمن طليعة شكلت وعي المصريين وساهمت في حركة إحياء الادب العربي في مصر المعروفة باسم “النهضة الأدبية”. وبالرغم من أهمية وسبق “تلخيص الابريز” فإننا نعتقد أن كتاب “علم الدين” هو الأول من نوعه في الادب المصري الحديث لانه قدم مواجهة نقدية بين سياقين جد مختلفين عمرانيًا ومجتمعيًا. هذه المواجهة أصبحت فيما بعد “ترندًا” اتبعه الأدباء المصريون في مقارنة المدينة الحديثة – وسط البلد – بالمدينة الاسلامية فظهر لنا تيمة “القاهرتين في المواجهة”.

باريس، صيف 1889:  قاهرة المعز في المعرض: كلاكيت ثاني مرة 

قد يتساءل القاريء عما إذا كانت النظرة الأوروبية الاستشراقية للقاهرة المعزية قد تغيرت بعد تحقيق حلم الخديو إسماعيل في تشييد المدينة الحديثة؟ هل اقتنعت أوروبا  أخيرًا أن مصر، ممثلة في مدينة إسماعيل، قد أصبحت بالفعل قطعة منها؟ الواقع أنه رغم المجهودات التي ابتدأها الخديو إسماعيل خلال عامي 1867 و1869 لتشييد عاصمة ملكه الجديدة فإن شيئُا لم يتغير في نظرة الأوروبين إلى القاهرة كمدينة للفوضى والتراب.  ذلك أنه بعد عشر سنوات من جملة إسماعيل المشهورة “إن بلادي لم تعد في أفريقيا بل نحن الآن جزء من اوروبا” فإن تمثيل القاهرة في معرض باريس الدولي سنة 1889 جاء في صورة محاكاة للعمارة العربية عن طريق تشييد نموذج لشارع خيالي منسوب إلى شوارع القاهرة الاسلامية من تصميم المعماري الفرنسي البارون ألفونس ديلور دي جيلون الذي كتب “بذلت كل جهودي في التعبير عن شارع القاهرة مع عدم الابتداع للوصول إلى حالة من الصدق المطلق”.

وعن صعوبة التعبير عن الشارع في القاهرة الاسلامية لاسيما بعد انشاء المدينة الحديثة يضيف دي جيلون “كان من المستحيل اختيار شارع بعينه في القاهرة الاسلامية واعادة إحياءه فإنه لايوجد نموذج كامل للشارع العربي في القاهرة ولكن يوجد بعض الشوارع القديمة التي مازالت تحتوي على بيوت قديمة ذات مشربيات، لكن للاسف هذه البيوت القديمة يتم احلالها تدريجيا ببيوت أخرى جديدة ولكنها رديئة الذوق!” إذن اعتبر المصمم البناء الرومي الذي بدأ في عصر محمد علي وشاع في قاهرة إسماعيل مثالًا رديئًا قرر أن يتجنبه ليقوم بدلًا عن ذلك بالتعبير عن القاهرة التي أريد إحلالها قبل عقد واحد من الزمان. ولاعجب، فقد جاء “شارع القاهرة” تجميعًا لمجموعة من المباني القاهرية ذات الطراز العربي من ضمنها السبيل كتاب وكذا اشتمل على محاكاة لمئذنة مدرسة ومسجد السلطان قايتباي علاوة على عدد من الحوانيت ومقهى على شكل مسجد وعدد من البيوت المزدانة بالمشربيات و مجموعة من الأبواب العتيقة.

***

أما فيما يخص الأجواء داخل نموذج شارع القاهرة فقد تأرجحت بين المطابقة والمبالغة: فقد استقدم دي جيلون عددا من البائعين الجائلين ليصرخوا في الاعلان عن بضائعهم، كما استورد خمسين حمارًا ليقوموا بمهمة نقل المتنزهين على ظهور الحمير وكذا عدد من الراقصات الشرقيات لتسلية رواد المقهى على أنغام الموسيقى وهو ما أشاع أجواءًا مبهجة لزائري المعرض من مختلف أنحاء العالم. كان هذا التمثيل هو الأول من نوعه فأعطى صورة حية لشارع غير موجود بالفعل في القاهرة ولكن يشابه الشوارع القاهرية في زمنها من حيث المآثر المعمارية والأجواء الصاخبة. على أن هذه الأخيرة على بهجتها قد أثارت حفيظة الوفد المصري المشارك في المؤتمر الثامن للاستشراق في ستوكهولم عند مروره على طريق السفر بباريس وزيارته للمعرض العالمي.

 شارع القاهرة في المعرض العالمي في باريس 1889

شارع القاهرة في المعرض العالمي في باريس 1889
***

كان الوفد المصري برئاسة ناظر المعارف عبد الله باشا فكري وبعضوية مجموعة من الخبراء منهم محمد أمين بك فكري نجل رئيس الوفد. سجل محمد أمين فكري خواطره عن الرحلة كلها ونشرها في كتاب  بعنوان إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا وشمل الكتاب مجموعة كبيرة من المشاهدات المنبهرة بنمط الحياة الباريسي. غير أن ملاحظاته بخصوص “شارع القاهرة” شابهها الحرج لاسيما وهو يصف النموذج بأنه “يشاكل الهيئة القديمة لمصر” لدرجة دهان الواجهات بلون التراب للمقاربة بين النموذج وبين الحقيقة! ويستغرب فكري استخدام نموذج المسجد الجامع كمقهى “حيث الراقصات والجواري يرقصن وحيث يدور الدراويش ” وأبدى فكري في النهاية استياءه من تمثيل القاهرة في المعرض حيث بدى التصميم كأنه يبالغ في تصوير مشكلات القاهرة “القديمة” متجاهلًا المجهودات العمرانية التي تمت منذ عشر سنوات وبالطبع يقصد قاهرة إسماعيل.

 

تصور القاهرة في المعرض العالمى بباريس 1889
تصور القاهرة في المعرض العالمى بباريس 1889

نستنتج إذن أنه وبالرغم من جهود إسماعيل الحداثية فإن صورة القاهرة الاسلامية كمدينة فوضوية ظلت مسيطرة على أوروبا في كتابات مستشرقيها وتصميمات معماريها الذين حاولوا محاكاة شوارعها في معرض باريس. وهو ماضاعف الشعور بالاستياء لدى النخبة الحاكمة فحثهم حثًا على تبديل هذه الصورة وذلك عن طريق اجراء بعض الاصلاحات العمرانية على القاهرة الاسلامية في محاولة “لتقريب المسافات” بينها وبين مدينتهم الجديدة. وهو ماترتب عليه زيادة الفوارق العمرانية والمجتمعية بين المدينتين وهو ما سوف تكشفه الحلقات القادمة.

اقرأ أيضا:

القاهرتان(1): الخديو في المعرض

 

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى