الربابة والسماء: سيد سعد الدين ومهارة النحت بالشمس والماء

لو اختصرنا الحضارة المصرية في ثلاث كلمات لكانت الشمس والنيل والنحَّات، ولو اختصرنا تجربة الفنان سيد سعد الدين في ثلاث كلمات لكانت الشمس والنيل والنحات أيضا، فهو بساطة شديدة نبتٌ طبيعي للتربة المصرية، ولوحاته امتداد مدهشٌ لنبعها الحضاري.

علاقة الفنان بذلك الثالوث الخلاق ترجع إلى أسباب لا شعورية وأخرى واعية ومقصودة. لقد وُلد ونشأ في قنا، بالقرب من الشواهد  المصرية القديمة التي تتناثر بداية من أبيدوس، مرورا بدندرة، وصولا إلى الأقصر. وفي تلك المنطقة نجد التجليات العظيمة للقاء النحات مع الشمس والنيل. ولاشك أن تلك التجليات تركت آثارها العميقة في الناس ورؤيتهم للعالم. تلك الرؤية التي ولد الفنان في قلبها وتأثر بها.

لاشك أن مكان النشأة والتكوين يلعب دورا في تجربة الفنان يبدأ لا شعوريا في طفولته، وبوعي في سنوات نضجه. وقد كانت تجربة سيد سعد الدين من الثراء بحيث لا تقوم على الفطرة والعفوية، بقدر ما تقوم على ثقافة عاليةٍ واختيارات مقصودة تربطه بتراثه الشعبي ربطا قويا وأصيلا وخلاقا.

**

في كل عمل من أعماله يمكننا العثورـ بدرجة ما ـ  على الشمس حتى لو كانت اللوحة تجسد لحظة ليلية. وفي كل عملٍ يمكننا العثور على النيل حتى لو كانت اللوحة تجسد شيئا ينتمي للحواري والأزقة. وفي كل عملٍ نجد النَّحاتَ حتى  لو كانت اللوحة تجسد الماء أو الهواء. ومن الطبيعي أن يتفاوت حضور تلك العناصر ويختلف بين اللوحات والمراحل. ونبقى في النهاية أمام فنان يمارس النحت بالشمس والماء، ويلعب بالحدة والليونة كما يلعب الساحر بالبيضة والحجر.

يعتمد سيد سعد الدين على التقاط مشاهد واقعية من الحياة المصرية، خاصة تلك التي ترتبط بالتراث الحي وتكتنز بأجواء شعبية كثيفة. وهو يعرض تلك المشاهد كما هي في الواقع، بحيث نتعرف عليها بسهولة ويسر، لكنه يتجاوز الواقع بحيث تجذبك لوحاته وتدفعك دفعا للتوقف أمامها، لتستمتع بجمالها وتراقب التفاصيل الواقعية التي تعرفها جيدا وهي تذوب في واقع آخر لا تعرفه.

كل لوحة من لوحات سيد سعد الدين تستحق قراءات ولا أقول قراءة واحدة. وسوف أتوقف هنا عند لوحة “عازف الربابة” التي تكشف عن طبيعة بصْمته الفنية، ومعالمها الأساسية كما تتمثل في علاقته العميقة بالتراث الشعبي، وقدرته على العبور من الظاهر إلى الباطن، وإعادة صياغة مشاهد مألوفة بحيث نشاهدها للمرة الأولى.

**

العلاقة بين الربابة والسماء عميقة، وهي لا تتوقف عند استعمالها في المدائح النبوية. بل تبدو أعمق وأبعد، وإن بشكل غامض. حيث تظهر العلاقة في الرقبة الطويلة المزخرفة بشكل يوحي بالمئذنة. كما تظهر في اسمها نفسه، فالربابة لغةً من الرباب، وهو السحاب الأبيض فما الذي يجمع بين الربابة والسماء.

عازف الربابة
لوحة عازف الربابة

سؤالٌ تعجز عن الرد عليه كتابات المؤرخين، لكننا قد نهتدي إليه من خلال إبداعات الفنانين، كما هو الحال مع تلك اللوحة  التي تجسد مشهد عازف الربابة وهو مشهد واقعي تماما. لكنها تتجاوز الواقع من حيث درجة نصوع الصورة، وقوة تأثيرها، ولو وضعنا أمامنا عددا من الصور الفوتوغرافية لعازف الربابة لوجدنها جميعا باهتة معتمة قياسا بتلك اللوحة.

الشمس هنا هي لمسة الفنان التي تزيل العتمة عن أدق التفاصيل، وتكشف العوالم الباطنية للمشهد الخارجي، وتجعل الحياة تسري حتى في الجماد. وهكذا نجد الربابة في اللوحة نديدا للإنسان وليست أداة أو مطية.

**

هناك وضعيات كثيرة يمكن التقاطها لعازف الربابة لكن الفنان آثر أن يقدم لنا وضعية معينة. حيث يظهر العازف بمفرده، وهذا الوجود الفردي لا يخلو من دلالة. ومن السهل ربطه بالعالم الداخلي، أو بتجربة صوفية، أو بأي شيء يبعده عن وجوده المألوف. وكأن الفنان يحرره من ضرورة وجود المستمعين، بشروطهم واشتراطاتهم.

يجلس العازف فوق مكان مرتفعٍ بينما يسند الربابةَ على وركه الأيسر، وتتدلى ساقه اليمني من مكان جلوسه ولا تستقر على شيء. ويمكن تقسيم اللوحة إلى ثلاثة أقسام مختلفة، يتحدث كل قسم منها بلغة مختلفة، أو يعبر كل قسم منها عن دلالات معينة.

القسم الأول يبدأ من مكان جلوس العازف ويشتمل على المفرش، وساقه اليمنى التي لا تستقر على شيء. فالعازف ببساطة لا يلمس الأرض. وكأنه يجلس على مقعد في الفضاء. أي أننا أمام ارتفاع مادي وارتفاع معنوي يعبر عن سمو روحي في نفس الوقت. ونلاحظ هنا غياب الحذاء، فالقدم عارية وكأننا في حضرة المقدس.

**

في الواقع لا يقوم العازف بخلع حذائه قبل العزف. وقد يخلع الحذاء لسبب عملي، ولعلنا لا نذهب بعيدا لو قلنا أن أحد أسباب اختيار وضع العازف على هذا النحو يرجع لكونه يتيح الفرصة للفنان كي يُظهرَ عُرْيَ القدم، ويخلق بالتالي ثالوثا تشكيليا معبِّرا، يتكون من القدم واليدين والوجه، وهي ـ وحدها ـ الأجزاء الجسدية العارية.

لا يتوقف حضور الساق العارية عند الإيحاء بالقدسية والفضاء الممتد، بل يوحي حضورها بالجذور، وكأن الساق هنا جذر يوحي  بوجود أعماق خصبة وإن كانت مبهمة أو غير منظورة.

القسم الثاني يتكون من الركبتين والوركين حيث تستقر قاعدة الربابة فوق الورك الأيسر. ويظهر هنا مفرش الربابة ليكَوِّن حوارا فنيا مع مفرش العازف. كما تظهر تجاعيد الجلباب الأفقية وهي تتحرك بشكل رأسي وتنزل مع الساق، لتشكل رابطا فنيا يوحد القسم الأول بالثاني. ويكشف عن حضور النيل من خلال تموج الجلباب. وكأننا أمام ماءٍ على المستوى الأفقي أو الظاهر كما نجده في النيل، وماءٍ على المستوى الرأسي أو الباطني كما نجده في المياه الجوفية.

**

يظهر النيل أيضا في جلسة الرجل، من خلال ركبتيه وهما تشكلان قوسا مفتوحا باتجاه السماء. وكأنهما مقدمة ومؤخرة قارب نيلي، وتظهر المرونة والليونة في قوس الربابة بخلاف وتره اللحاد الذي يشبه الحجر. والقوس يأخذ شكل القارب المقلوب، ليكوِّن مع القارب الناتج عن وضع الركبتين هيئة العين الفرعونية الشهيرة، بدلالاتها الرمزية العميقة. حيث يحتل هيكل الربابة  الذي يشبه القمر مكان إنسان العين.

نحن لا نعرف إن كانت صورة العين التي تظهر بشكل مخاتل ترجع إلى وعي الفنان وتصميه أم ترجع إلى دفقة لا شعورية حدثت دون قصد. لكن لا نستطيع أن نتجاهل حسابات الفنان الدقيقة كما تظهر في تجربته بشكل عام. ولا تجاهل الصياغة الفنية لهيكل الربابة وهو يصنع  حوارا فنيا مع القمر الكائن أعلى اللوحة. وذلك من خلال حجم الهيكل ولونه واستدارته. وهكذا يصنع الفنان رابطا آخر بين الربابة والسماء، يجمعنا مع الربابة بشكلها الواقعي المعتاد، ويبعدنا عنه في نفس الوقت.

في القسم الثالث، يمتد عنق الربابة الطويل، ويظهر باقي جسد العازف. ونلاحظ هنا الطابع الحجري للجسد، فملابس العازف في هذا القسم لا تنتمي إلى خامة القماش بقدر ما تنتمي إلى الحجر. وهي توحي بحضور النحات لا بحضور الرسام، يظهر ذلك من خلال سطحها المستوي وكأنه من المعدن.

**

كما تظهر صلابتها من خلال ظلالها التي تكشف عن فراغ لا ينتج في العادة عندما نضع القماش على القماش، وتبدو تلك الظلال  ناتجة عن ارتكاز القماش على يد العازف، لكن اختيار الفنان  لقطعة الملابس ووضعيتها، يكشف عن تصميم ورؤية معينة، توحي بحضور النحات، وتصنع صراعا جماليا بين طبيعة ثابتة، في مقابل حركة الموج التي رأيناها في القسم السابق.

في هذا القسم تصميم هندسي لا يأخذنا إلى إنسان بقدر ما يأخذنا إلى هرمٍ يستقر أعلاه رأس ذهبي مثل حجر “البن بن” الفرعوني، أو يأخذنا إلى شكل القبة، أو إلى محاولة ثالثة تحاول الجمع بين الهرم والقبة.

في هذا القسم يقف عنق الربابة الرفيع الطويل، بشكل يقاوم وضعيته الواقعية ويتجاوزها ليحقق أكبر قدر من الاستقامة، وهو يرتفع عاليا عن رأس العازف /الهرم / القبة، ليعمق علاقته بالمئذنة، ويؤكد صلة الربابة بالسماء.

**

حركة الأصابع على الوتر هي التي تخلق الأنغام، وقد آثر الفنان أن تكون جميع أصابع يد العازف اليسرى مستقرة فوق الوتر باستثناء إصبع واحد. وقد تم رسم الإصبع  بشكل  يخالف وضعه التشريحي كإبهام، ليذكرنا بحركة إصبع السبابة أثناء قراءة التشهد في الصلاة، وهي الحركة التي تعبر عن وحدانية الله عز وجل، وتربط تلك الحركة مع نظرات العازف المتجهة إلى الداخل بين العزف والصلاة، لتصنع رابطا إضافيا يجمع الربابة بالسماء.

لوحة عازف الربابة، تجسِّد لحظة ليلية توحي بها خلفية العازف السوداء، لكنك لا تشعر بغياب الشمس، ورغم أن الفنان يختار القمر في لحظة اكتماله ليجعله عنصرا أساسيا من عناصر اللوحة، لكننا  لا تشعر بأن النور في اللوحة ينتمي إلى القمر حتى لوكان كاملا، النور هنا أقوى، إنه نور الشمس، شمس الفنان المولعة بالسطوع  ومحاولة كشف الظلام الباطني المجهول.

اقرأ أيضا

خرافات ونصب وسرقة: طبيب يستغيث بالملك فؤاد لمنع الإعلانات الطبية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى