«الدسوقي»: المنشية غرفة معيشة لمدينة الإسكندرية

على هامش فعالية أيام التراث السكندري، أقيم في المركز الفرنسي محاضرة بعنوان «120 دقيقة في المنشية». سرد فيها المهندس المعماري محمد عادل الدسوقي، التاريخ المعماري والتحولات التي طرأت على منطقة المنشية من بداية تكوينها وتخطيطها، حتى هذه اللحظة.

قصة التخطيط

لم تكن المنشية موجودة في العصر الإغريقي أو بمعنى أدق تكونت. ويقول دسوقي: “بدأت في الظهور بعد أن تراكمت ترسبات نهر النيل من فرع كانوب الذي يمر بجانب المنشية، فكون جزءا يابسا بشكل أقرب للمستطيل ملاصق للمنطقة العثمانية التي يسكنها عدد كبير وعشوائي من المصريين والعرب. ولم يكن لها اسم وقتها إنما كانت توصف بـ”الوسعاية” أو المساحة الفارغة. حتى أتى محمد علي باشا وعين المهندس الإيطالي فرانشيسكو مانشيني ليصممها”.

وتابع: اسم المنشية اسم قديم لكن ليس له علاقة بـ”مانشيني” الذي خطط المنطقة. إنما ما وصلت إليه هو أن كلمة “المنشية” تحريف للعامية من كلمة “منشأة”.

ومع الوقت أصبح هناك مدينتين متلاصقتين، مدينة عربية غير مخططة وعشوائية كل مبانيها فطرية ومن إنتاج حرفيين وصنايعية، ومدينة أوروبية مخططة ومصممة بتصميم معاصر.

كيف بدأت المنشية

أول مبنى في المنشية كان مسجد الشيخ إبراهيم باشا بمساحة ومكتبة ضخمة ونشاط مماثل للأزهر. أيضا كان يحمل المسجد اسم آخر وهو “الجامع الأنور” كمرادف سكندري لمسجد الأزهر. مازال المسجد موجودا لكن مساحته تقلصت.

ثم بعد ذلك تظهر على الخرائط وكالة ضخمة أيضا تحمل اسم وكالة إبراهيم باشا وكانت للسكن والتجارة. وطرازهم المعماري كان مختلفا عن كل ما بني في الحي العثماني. وبعدها بنيت القنصلية الفرنسية ومن هذه اللحظة بدأ رصف المنطقة. وأيضا كنيسة “سانت مارك” التي تعتبر أقدم مبنى في ميدان المنشية التي صممها المهندس “جيمس وليام وايلد”.

يصف “دسوقي” الكنيسة بأنها مبنى جريء يجمع عناصر إسلامية ومسيحية ويهودية مخلوطين ببعضهم. بجانب أن ما يميز الكنيسة أنها متفردة. حيث إن معظم المباني المصممة في ذلك الوقت كانت محاكاة أو تقليد لمباني أخرى في أوروبا. لكن معمار هذه الكنيسة البسيط يعكس تفكير وسياسة هذه الحقبة، لأن في هذا الوقت كان لكل طائفة وجالية حق في أخذ قطعة أرض وتخصيصها لبناء دور عبادة. ويظهر فيها الكنيسة الهولندية والكنيسة الألمانية واليونانية وكنيسة سانت كاترين. ومن حينها بدأت تتخذ شكل مستطيل بشكل واضح على الخرائط بسبب هذه المباني.

لماذا المستطيل؟

تساءلت أستاذة التخطيط العمراني في جامعة ميلانو كريستينا “باليني” عن رمزية شكل المستطيل في منطقة المنشية. وتقول: هناك عدة أسباب أراها وراء هذا الشكل، منها محاكاة للثقافة الإيطالية التي أتى منها مانشيني، ذلك أن ميدان روما القديم على شكل مستطيل.

وسبب آخر تخمنه “باليني” أن في نفس وقت التخطيط للمنشية كان قد تم اكتشاف الهيبودروم/ ميدان سباق الخيل، الموجود بجانب عمود السواري، والذي كان على شكل مستطيل أيضا.

ميادين أخرى

يذكر دسوقي أن ميدان المنشية الشهير الموجود به تمثال محمد علي باشا والحدائق الفرنسية لم يكن الميدان الوحيد في المنشية آنذاك. إنما تخبرنا الخرائط أنه كان هناك ميادين أخرى مثل الميدان الذي كان أمام مسجد الشيخ إبراهيم. لكنه اختفى من على الخرائط وظهر شارع يمتد من المسجد حتى يصل إلى سوق، هذا السوق يدعى سوق الميدان، الذي اختفى لكن مازال الشارع يحمل اسمه.

ويقول: “أيضا كان هناك ميدان آخر أمام السوق الفرنسي، الذي كان سوقا لبيع اللحوم والدواجن للأجانب والذي أصبح الآن بعد أن حرق سوقا لبيع لوازم التنجيد. الآن هذا الميدان مبني عليه عمارة ضخمة واختفى من الخرائط. بينما هناك أمام كنيسة سانت كاترين ميدان في الجزء الذي يطلق عليه “المنشية الصغيرة” الميدان الذي على شكل مثلث مازال موجودا، ويسمى ميدان سانت كاترين”.

كغرفة معيشة

يضيف دسوقي، أصبحت المنشية بعد أن انتهى تخطيطها غرفة معيشة للمدينة. جميع الاستعراضات العسكرية تحدث في الميدان، تمر كسوة الكعبة من الميدان أيضا. المظاهرات التي كانت معترضة على الاحتلال أو تعديل الدستور كانت تتكون وتحدث فيها، حتى أعمال الشغب كانت تحدث في المنشية.

بجانب أن السينما حينما ظهرت في الإسكندرية ظهرت في المنشية وتظهر بـ”بهنا” كشركة إنتاج. ثم نرى الأخوين لومير يلتقطون مشاهد في المنشية. وبعدها فيلم “المندوبان” لتوجو مزراحي الذي تدور أحداثه في المنشية سنة 1934.

يوضح دسوقي أنه حينما هجر الأغنياء المنشية وبدأوا في اللجوء إلى خط الرمل، أصبحت المنشية تتخذ شكل السوق الكبير بسبب النشاط التجاري الذي كان يحدث عبر الوكالات التي انتشرت على طول ميدان المنشية. أو كما كان يطلق عليه “ميدان القناصل” قبل أن يوضع تمثال محمد علي ليصبح أسمه ميدان محمد علي. أيضا كان للبورصة يد في هذا النشاط التجاري، التي فيما سبق كان مبناها عبارة عن قصر يدعى “توسيتزا” القصر كان يخص القنصل اليوناني.

يخبر هذا القصر عن تحول عدة مرات. في أول مرة تحول لمحكمة لأنه كان المكان الوحيد المتبقي بعد كنيسة سانت مارك بعد القصف عام 1882 وحكم وأعدم أمام القصر الكثير من ضباط الجيش المصري والمصريين. فيما بعد أصبح بورصة بعد إضفاء تغييرات في هيئته بوضع بلكونات وأعمدة وتفريغ مساحة أمامه لوقوف حناطير المضاربين في البورصة والتجار. ثم جاء عبدالناصر وتحول القصر لمقر الاتحاد الاشتراكي وأخيرا “باركينج” بعد أن تم حرقه ومن ثم هدمه.

اقرأ أيضا

تمهيدا لغرق الإسكندرية: هل تختفي عروس البحر المتوسط؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى