دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«يا قبة نبينا» و«حمام الحمى».. أغاني الحجيج موروث شعبي لا يغيب في الواحات

في الواحات، لا تُعد رحلة الحج مجرد فريضة دينية، بل موسمًا اجتماعيًا وتراثيًا تتجلى فيه أجمل مظاهر الفرح الشعبي، من الرسوم على الجدران إلى أصوات التهليل وأغاني الحجيج التي تتوارثها النساء جيلاً بعد جيل. وتتميز أغاني الحج في الوادي الجديد بتنوعها بين الواحات المختلفة، حيث تحمل كل واحة لهجتها ومفرداتها الخاصة، لتبقى هذه الأغاني سجلًا حيًا لذاكرة المكان وروح أهله.

مركز باريس.. يا قبة نبينا

في أقصى جنوب محافظة الوادي الجديد يقع مركز باريس، حيث تتسم فيه الأغاني الشعبية بالبساطة العميقة والاعتماد على التشبيهات المستمدة من البيئة المحيطة، وترسمها النساء بأصواتهن، خاصة خلال موسم الحج، ليودعن أحبابهن إلى الأراضي الحجازية بهذه الأغاني التي لا تخلو من الشجن والحنين لزيارة الأراضي المقدسة.

تشدو الحاجة فتحية معوض من مركز باريس بأغنية تفيض بالرقة، وتبرز شدة بياض قبة المسجد النبوي، رابطة إياها بأكثر الأشياء نقاءً في بيئتها، وهو اللبن، ثم تنتقل إلى وصف النور الذي يفوق ضوء القمر والنهار، في دلالة روحية على نور المصطفى، وتقول:

“يا قبة نبينا.. بيضة على اللبن

يا قبة نبينا.. بيضة على اللبن

وأنا بدي أزوره.. وأدخل في قصوره

وأشوف ضي نوره.. غالب على القمر

يا قبة نبينا.. يا بيضة على اللبن

وأنا بدي أزوره.. وأدخل في قصوره

وأشوف ضي نوره.. جدك يا حسن

يا قبة نبينا.. بيضة على اللبن

وأنا بدي أزوره.. يلا باركوله نوى على السفر

يا قبة نبينا.. بيضة على الرخام

وأنا بدي أزوره.. وأدخل في قصوره

وأشوف ضي نوره.. غالب على النهار

وأنا بدي أزوره.. وأدخل في قصوره

وأشوف ضي نوره”.

وتمتزج كلمات الأغنية بوصفها وحنينها وأمنياتها الخاصة بزيارة تلك الأراضي والدخول إلى هذه البقاع، معتبرة أن نور النبي يطغى على كل قوانين الطبيعة المادية كالشمس والقمر.

اقرأ أيضا: أغاني الحج.. تراث لا يندثر في الصعيد

الحاجة فتحية وهي تغني أغاني الحجيج
الحاجة فتحية وهي تغني أغاني الحجيج
أبواب المسجد الكبيرة

نتجه شمالًا نحو عاصمة المحافظة، مركز الخارجة، وتحديدًا إلى قرية الشركة 17، حيث تأخذنا الحاجة جميلة ربوح إلى تفاصيل روحانية أخرى للحرم المكي. وفي أغاني الخارجة نلمح تركيزًا على “المهابة” المتمثلة في أبواب المسجد الكبيرة والستائر المعلقة، والتطيب بالمسك.

ولعل أجمل ما يميز هذه الأغنية هو الإسقاط البيئي اللافت، حيث لا يتخيل أبناء الواحات مكانًا مقدسًا أو آمنًا يخلو من النخيل، وهو ما تمتاز به الواحات، فتشير كلمات الأغنية إلى وجود نخلتين في الحرم المكي، لتضفي طابعًا واحاتيًا خالصًا على المشهد  المكي، وتقول الحاجة:

“باب نبينا.. كبير وعليه ستاير

يا نهاري المنى.. ساعة نزوره

باب نبينا.. كبير وبالمسك أرشه

يا نهاري المنى.. ساعة نخشه

باب نبينا.. كبير وبالمسك أزوره

يا نهاري المنى.. ساعة نزوره

نخلتين في الحرم.. يا واد وأنت داخل

وأنت راحل.. عمر وموسى حاسين

نخلتين في الحرم.. يا واد وأنت قاعد

وأنت قاعد.. عمر وموسى حداهم”.

وتوضح الحاجة جميلة أن عبارة “يا نهاري المنى” تتكرر كتنهيدة تخرج من أعماق القلب تعبيرًا عن الشوق الكبير للزيارة، كما أن استدعاء شخصيتي عمر وموسى كحارسين للحرم يعكس تداخلاً فريدًا بين القصص الديني والتاريخي داخل الوجدان الشعبي الشفهي.

اقرأ أيضًا: «بدِّي أزورك يا نبي.. ياللي بلادك بعيدة».. أغاني حنون الحجاج وطقس العبور

الحاجة جميلة وهي تتحدث عن أغاني الحج
الحاجة جميلة وهي تتحدث عن أغاني الحج
مركز بلاط.. حمام الحمى وشفاء زمزم

في مركز بلاط -التابع تاريخيًا لواحة الداخلة والمستقل إداريًا حاليا- تتنوع الإيقاعات وتتسع مساحة الأغنية لتشمل مناسك الحج الفعلية، كالوقوف بعرفات، ومناجاة حمام الحرم، ووصف مياه زمزم الشافية.

وتغني الحاجة فتحية معوض بصوت يحمل شجن السنين، راصدة لحظة العفو والمغفرة على جبل عرفات، ثم تنتقل ببراعة لوصف دموع العاشقين للمصطفى، وصولًا إلى طقوس إطعام “حمام الحمى” وشرب ماء زمزم من “الطاسة” النحاسية القديمة وتقول:

على جبل عرفات ونادى المنادي

وروحوا يا حجاج وبلغتوا المرادي

على جبل عرفات ونادى عليه

وروحوا يا حجاج ومسحتوا الأسية

وقام من النوم يبكي ودموع بحر عوم

وعشيقي المصطفى بكى وحرم النوم

وقام من النوم يبكي ودموعه دليلة

وعشيق المصطفى أبو عيون كحيلة

قام من النوم يبكي ودموعه بلايل

وعشيق المصطفى وعيونه كحايل

ويا حمام الحمى يا أبو جناح مزوق

ورشولك السمسم على باب محمد

ويا حمام الحمى يا أبو جناح رشيدي

ورشولك السمسم على باب حبيبي

ويا بير زمزم سلايبك سلاسل

والشربة منكي دوا المسافر

ويا بير زمزم سلايبك حراير

والشربة منكي دواء العليل

في طريق النبي الغالي بنياتي غني

ماليه السبيل من زمزم والعاشق يصلي

في طريق النبي قولي يا أبو طاسة

وفي طريق النبي الغالي قولي يا أبو طاسة

وماليه السبيل من زمزم سبيل يا عطاشة”.

وتذكر الحاجة فتحية معوض أن هذه الأغاني التراثية القديمة لا تزال عالقة في ذاكرتها، وأن أهالي مركز بلاط لا يزالون يتغنون بها في لحظات وداع الحجاج إلى الأراضي المقدسة خلال موسم الحج، التي كان يطلق عليها الأهالي اسم “أراضي الحجاز”.

الحاجة فتحية معوض وهي تغني أغاني الحجيج
الحاجة فتحية معوض وهي تغني أغاني الحجيج
حناجر تحفظ الذاكرة

يقول الدكتور محمد عبدالله، الباحث في الموروث الشعبي الواحاتي، إن تتبع أغاني الحج في مراكز الوادي الجديد (باريس، الخارجة، بلاط) لا يكشف فقط عن تباين ثري في اللهجات والمفردات، بل يؤكد أيضًا أن هذه الأغاني كانت وما زالت بمنزلة “زاد الروح” لأهل الواحات.

وأضاف أنه في زمن غابت فيه وسائل الاتصال الحديثة، كانت حناجر سيدات الواحات هي البريد الذي ينقل الأشواق، وهي الكاميرا التي تصور المقام والقصور والحمام وبئر زمزم للذين لم يحالفهم الحظ بالزيارة.

ويضيف الكاتب والأديب المهتم بالتراث الواحاتي ناصر محسب، أن هذا التراث الشفهي الذي تم توثيقه ليس مجرد فلكلور من الماضي، بل وثيقة حية تنبض بالحب وتحتاج إلى حماية مستمرة من الاندثار.

وأوضح أن في كل نبرة صوت تخرج من حناجر الجدات في الوادي الجديد تقبع حكاية شعب عرف كيف يصنع من قسوة الصحراء وعزلتها طريقًا مفروشًا بالمسك والحرير يمتد من الواحات حتى أبواب الحرم، مؤكدًا أن هذا ما يسعى إلى الحافظ عليه من خلال كتاباته الأدبية وإصدارات هيئة قصور الثقافة.

اقرأ أيضًا: أغاني الحجيج.. موروثات غنائية حفظها الجمهور وتغنى بها الصعايدة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.