دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

مركز الحفريات الفقارية بجامعة الوادي.. أسرار 70 مليون سنة تخرج من قلب الصحراء

من داخل مركز الحفريات الفقارية بجامعة الوادي الجديد، تخرج إلى النور أسرار تعود إلى ما بين 65 و70 مليون سنة، عبر عشرات العظام والأحفوريات النادرة لكائنات منقرضة عاشت على أرض مصر، وتمثل هذه الاكتشافات إضافة نوعية للسجل الأحفوري في مصر وإفريقيا. إذ تكشف تفاصيل جديدة عن حقبة جيولوجية ظلت لسنوات طويلة محدودة التوثيق، وتقدم أدلة علمية تسهم في إعادة رسم صورة الحياة القديمة بالقارة.

الكشف عن الديناصور البحري

يعود تأسيس المركز إلى مشروع بحثي صغير حظي برعاية الدكتور جبيلي عبد المقصود أبو الخير، قبل أن يتحول عام 2020 إلى مركز ذي طابع خاص بقرار من وزارة التعليم العالي. ومنذ ذلك الحين، أصبح المركز أحد أبرز المؤسسات العلمية المتخصصة في دراسة الحفريات الفقرية، حيث يواصل توثيق الأدلة العلمية التي تؤكد أن كثيرًا من المناطق الواسعة في الصحراء المصرية كانت، في عصور سحيقة، بيئات غنية بالكائنات البحرية والحيوانات العملاقة التي عاشت على أرض مصر قبل ملايين السنين.

وحول المركز، يقول الدكتور محمد كامل، الجيولوجي بكلية العلوم والباحث بمركز الحفريات الفقرية بجامعة الوادي الجديد، ممسكًا بقطع صخرية: “كان الكشف عن الديناصور البحري الذي يعود إلى عائلة “البليزيوسور” (Plesiosaur)، وهو زاحف بحري عملاق عاصر الديناصورات البرية الشهيرة، عام 2019، السبب الرئيسي في إنشاء المركز، فقد كان كشفًا استثنائيًا مثّل النواة والمحرك الأساسي للفريق البحثي”.

وأوضح أن طبيعة أرض مصر قبل 90 مليون سنة، وربما في فترات أحدث قليلًا، كانت مختلفة تمامًا، إذ كانت مغطاة بالكامل ببحار عميقة ممتدة، وهي الجد القديم للبحر المتوسط الحالي “بحر تيثيس”. لذا فإن معظم حفريات الوادي الجديد تخرج من البيئات البحرية الغابرة، وكان “البليزيوسور”، ذلك الكائن العملاق، يسبح في أعماق هذه المياه، وقد تراوحت أطواله، بحسب أنواعه، بين ثلاثة أمتار  و15 أو 16مترًا.

اقرأ أيضًا: الآبار الكبريتية في الداخلة.. مقومات طبيعية تدعم السياحة العلاجية في الوادي الجديد

بصمة الجلد الخارجي

كانت هناك مفاجأة كبرى هزت الأوساط الجيولوجية، ولم تتمثل في العثور على العظام  كالمعتاد، بل في عثور الفريق على ما يشبه المستحيل علميًا، إذ عثر على “بصمة للجلد الخارجي” متحجرة فوق الصخور. فمن المعروف في علم الحفريات أن المواد الرخوة، مثل الجلود، تتحلل بسرعة وتختفي، ولا يتبقى سوى الأجزاء الصلبة كالعظام والأسنان. إلا أن ظروف التحجر الدقيقة في صحراء الواحات حفظت هذه البصمة الجلدية النادرة.

وقد خضعت هذه العينات، بحسب ما أشار الجيولوجي محمد كامل، لدراسات تشريحية وميكروسكوبية مكثفة أثبتت بالدليل القاطع أنها البصمة الحقيقية لجلد الكائن.

وذكر أن الأمر لم يتوقف عند الجلد، بل نجح الفريق في استخراج أكثر من 60 فقرة من الهيكل العظمي للبليزيوسور، وهو ما يمثل حوالي 80% من الهيكل الكامل للكائن. وقد بدأ فحص الهيكل بالفقرات العنقية، حيث تميز هذا الكائن بعنق طويل جدًا وجمجمة صغيرة نسبيًا، ما أتاح له مرونة فائقة في اصطياد الفرائس من اتجاهات متعددة، تلتها الفقرات البطنية، ثم الظهرية ذات النتوءات الشوكية الطويلة، وصولًا إلى الفقرات الذيلية.

ومن خلال التفاصيل الدقيقة جدًا للفقرات الذيلية، استطاع المركز إثبات أن هذا الكائن يمثل جنسًا جديدًا لم يُسجل في التاريخ من قبل، وهو حاليًا في المراحل النهائية للنشر العلمي الدولي.

وأضاف الدكتور محمد كامل، أنه بالنظر إلى أسنان الكائن المنتمية إلى طراز “الهتيرودونت” (Heterodont) متباينة الأشكال، حيث يوجد منها الكبير والصغير، تيقن الباحثون أن البليزيوسور كان كائنًا لاحمًا ومفترسًا يتغذى على الأسماك وكائنات “الأمونيتس” البحرية عبر تقنيات النهش والخطاف المباشر. كما كشفت عظام الزعانف وعظمة العضد (Humerus)  الضخمة عن زوايا حركة فريدة تؤكد أن الكائن لم يكن يسبح بالتجديف التقليدي، بل كان “يطير” طيرانًا برشاقة تحت الماء مستخدمًا أطرافه الأمامية.

“الموزاصور”.. الطاغية السفاح في بحار الداخلة

يلفت الدكتور محمد كامل، الباحث بمركز حفريات جامعة الوادي الجديد، إلى وجود كائن مرعب آخر يُدعى “الموزاصور”  (Mosasaur)، تم استخراجه من واحة الداخلة. وقد عاش هذا الكائن قبل نحو 65 مليون سنة، في نهاية العصر الطباشيري، ويُصنف علميًا باعتباره المفترس الأعلى (Apex predator) الذي يقف على رأس السلسلة الغذائية البحرية دون منافس.

وأكد أن الموزاصور كان يتميز بقوة بدنية خارقة وجسد ضخم. وعلى عكس البليزيوسور، لم تكن رقبته طويلة، بل كانت قصيرة وقوية للغاية لدعم جمجمته الهائلة الفتاكة وأسنانه الحادة.

وأشار كامل إلى أن ما جرى توثيقه في المركز يُعد كشفًا ضخمًا، يتمثل في فكين سفليين كاملين جرى استخراجهما بعد مجهود استمر لسنوات طويلة. وتوضح الدراسات التشريحية لجمجمته وجود “فكين إضافيين” في سقف الحلق من الداخل، كانت تعمل كخطافات قوية تمنع إفلات الفرائس وتسهل ابتلاعها وتمريرها إلى الداخل، كما يضم الكشف عظام مقدمة الجبهة (Frontal) وعظام الـ(Coronoid) القريبة من فتحات الأذن.

اقرأ أيضا: ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري

أشد كائنات بحر تيثيس افتراسًا وشراسة

تشير الشواهد العلمية إلى أن الموزاصور كان أشد كائنات بحر تيثيس افتراسًا وشراسة، إذ كان يلتهم الكائنات الكبيرة، ولم يكن يتردد في التهام أبناء جنسه من الموزاصورات الأصغر حجمًا إذا شح الغذاء.

والمثير للدهشة أن حفريات هذا الكائن تنتشر بغزارة فائقة في مختلف أرجاء الوادي الجديد، حتى في الأماكن العذراء التي لم تطأها أقدام البشر من قبل، إذ يعثر الفريق على حفرية أو اثنتين أو ثلاث للموزاصور، ما جعل الباحثين إلى اقتراح اعتماده شعارًا رسميًا للمحافظة دلالة على ثرائها الأحفوري.

أما الأسماك المصاحبة له في الطبقات نفسها فتبدو شحيحة للغاية، والسبب، وفق التفسير العلمي، أن الموزاصور التهم معظمها ولم يترك منها شيئًا.

جيجانتوشيليس إيجيبتياكوس

يقول الدكتور محمد كامل، الجيولوجي بكلية العلوم والباحث بمركز الحفريات الفقرية بجامعة الوادي الجديد، إن المركز حقق كشفًا دوليًا استثنائيًا، انتقل به من عالم المفترسات المسننة إلى الزواحف البحرية المدرعة، تمثل في العثور على أضخم سلحفاة بحرية من عائلة “جلدية الظهر” (Dermochelyidae)على مستوى العالم، وتنتمي إلى عائلة أخرى انقرضت تمامًا.

وتابع أن المفاجأة الكبرى تجسدت في استخراج حزام حوضي كامل وسليم لهذه السلحفاة المنقرضة من صحراء الوادي الجديد، يضم عظام الـ(Pubis) وعظام الـ(Ischium)، وفي موقع آخر عظام الـ(Ilium).

وجاء حوض السلحفاة ضخمًا للغاية، وبعد إجراء معادلات تشريحية وتصحيحات رياضية ومقارنته بالنوع الحالي، أعلن المركز أن طول هذه السلحفاة يتراوح بين أربعة أمتار وأربعة أمتار ونصف المتر. وقد جعلها هذا الحجم الضخم تتربع عالميًا على عرش عائلتها بوصفها أضخم سلحفاة جلدية الظهر معروفة حتى الآن.

كما سُجلت هذه الحفرية رسميًا في المراجع الدولية باسم لاتيني فريد صاغه المركز: “جيجانتوشيليس إيجيبتياكوس” (Gigantochelys egyptiacus)، إذ تعني  كلمة “جيجانتو” العملاقة، و”شيليس” السلحفاة، و”إيجيبتياكوس” المصرية، لتصبح التسمية الكاملة: “السلحفاة المصرية العملاقة”.

منظومة الأسماك القديمة

في جناح الأسماك بالمركز، تتجلى روعة الاكتشافات البحرية من خلال قطع بالغة الندرة، لعل أبرزها “الروسترام” (Rostrum)، أو المنقار الطويل لسمكة “أبو منشار” الأثرية، وهو أطول منقار لسمكة أبو منشار سُجل على مستوى العالم، ونُشرت تفاصيله في مجلة “الأفريكان جورنال” المرموقة.

ويذكر الجيولوجي محمد كامل أنه في عام 2025، نشر عالم أجنبي يُدعى “جرين فيلد” بحثًا تضمن ملاحظات (Comments)، ادعى فيها أن العمل الجيولوجي المصري في هذا الكشف شابه الخطأ، ولم يقف المركز صامتًا، بل أعد بحثًا علميًا مضادًا قويًا استند إلى الأدلة الواقعية والشواهد التشريحية والحقلية الدقيقة، ورد على جميع الادعاءات، مثبتًا علميًا وبشكل قاطع سلامة الحسابات المصرية.

فصيلة أسماك “البكنودونت”

يضم المركز حفريات لفصيلة أسماك “البكنودونت” (Pycnodontiformes) آكلة الأصداف، وهي أسماك تميزت بفكوك فريدة مرصوفة بأزرار وأسنان مفلطحة تشبه الأحجار، تعمل كـ”طاحونة” قوية لسحق القواقع والأصداف البحرية الصلبة.

ونجح المركز في تسجيل جنس جديد  ونوع جديد تمامًا من هذه الأسماك لأول مرة في العالم، وأطلق على هذا الفك اسم “ديستاموبكنودس” (Diastemopycnodus)، إذ تعني كلمة “ديستام” وجود فجوة أو مسافة، بناءً على الوصف التشريحي.

وتابع الجيولوجي أن المركز سجل أيضًا فكًا ثانيًا لنوع آخر حمل اسم “أنميادوس إيجيبتياكوس” (Anemiadus egyptiacus) ونُشر دوليًا، بينما يوجد فك ثالث لنوع جديد لا يزال قيد النشر، بالإضافة إلى جماجم وفكوك كاملة لسمك “الخرمان” الأثري. والمذهل أن النتوءات العظمية الدقيقة التي كانت تربط العظام بالعضلات ما زالت محفوظة ومتحجرة كما هي، رغم مرور ملايين السنين.

من الحفريات التي تم اكتشافها.. تصوير: هدير محمود
من الحفريات التي تم اكتشافها.. تصوير: هدير محمود
من البحر إلى الغابة

يضيف الدكتور جبيلي عبد المقصود، أستاذ الحفريات الفقارية المساعد بجامعة الوادي الجديد ومدير مركز الحفريات الفقارية بالجامعة، أن المركز نجح في اكتشاف بقايا متحجرة لـ”غابة شجرية كاملة” بالقرب من واحة الخارجة، تضم أشجارًا عملاقة يصل طول الواحدة منها إلى 40 و50 مترًا، وبأعداد هائلة.

وتفسر هذه البيئة النهرية الغابية سبب العثور على ديناصورات برية آكلة للأعشاب في المحافظة ذاتها، حيث استخرج الفريق أجزاء من أطراف ديناصور بري يخضع حاليًا للنشر في مجلة دولية كبرى، بالإضافة إلى عظمتين كاملتين من الأطراف الأمامية، هما الشظية والكعبرة، تنتميان إلى عائلة الديناصورات العشبية الضخمة “السوروبودات” (Sauropods).

وأكد أن هذه المنظومة البرية والبحرية المختلطة ينضم إليها كشف أخير يتمثل في جمجمة وفكوك سمكة “السورودونتيداي”  (Saurodontidae)، وهي السمكة ذات الأسنان الشبيهة بالزواحف. ويمثل الجزء المكتشف مادة تشريحية غنية أثبتت أن هذا الكائن يُسجل للمرة الأولى في قارة إفريقيا، وللمرة الرابعة عالميًا على مستوى العائلة، بينما يُعد جنسًا ونوعًا جديدين تمامًا لم يظهرا في السجل الأحفوري من قبل.

تحديد الأعمار الجيولوجية

في العمل الحقلي، يعتمد الباحثون على ما يُعرف بـ”الحفريات الدالة” أو الـ(Index fossil)، وهي حفريات لكائنات مجهرية دقيقة جدًا عاشت وانقرضت خلال فترات زمنية محددة ومعروفة بدقة، وانتشرت جغرافيًا على نطاق واسع.

فعند فحص عينات الطبقة الصخرية ميكروسكوبيًا والعثور على هذه الحفرية الدالة، يمكن تحديد عمر الطبقة الجيولوجية بدقة، سواء كان 70 أو 65 مليون سنة، وبما أن عظام الكائنات الكبيرة تكون مدفونة ومتحجرة داخل هذه الطبقة الصخرية، فإنها تكتسب نفس العمر الجيولوجي للطبقة المحيطة بها، وفق الأسس العلمية المتبعة في التاريخ الأحفوري.

اقرأ أيضًا: د. «جبيلي أبو الخير»: صحراء الوادي مخزن أسرار «العصر الكريتاسي».. ونطالب بإنشاء متحف للحفريات

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.