دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

د. «جبيلي أبو الخير»: صحراء الوادي مخزن أسرار «العصر الكريتاسي».. ونطالب بإنشاء متحف للحفريات

حكايات تعود إلى ملايين السنين، عن بحار كانت تضج بالحياة، وكائنات عملاقة انقرضت، وبقيت عظامها شاهدة على تاريخ جيولوجي فريد، يرويها في هذا الحوار الخاص لـ«باب مصر» الدكتور جبيلي عبدالمقصود محمود أبو الخير، أستاذ الحفريات الفقارية المساعد بجامعة الوادي الجديد ومدير مركز الحفريات الفقارية بالجامعة، كاشفًا تفاصيل الاكتشافات المذهلة التي حققها المركز، من سلاحف عملاقة تُعد الأكبر عالميًا، وزواحف بحرية شرسة، مسلطًا الضوء على معاناة الباحثين في سبيل فك شفرة «العصر الكريتاسي» الغامض في قارة إفريقيا.

بدأ أبو الخير رحلته مع الصحراء منذ سنوات طويلة، حيث انتقل من العمل بوزارة البيئة إلى رحاب جامعة الوادي الجديد، ومن هناك انطلقت مهمته الأساسية في البحث والتنقيب عن الكنوز الدفينة في باطن الأرض.

  • تنشغل الأوساط العلمية مؤخرًا بالحديث عن اكتشافات “عظيمة” تمت في الوادي الجديد.. نود أن تكشف لنا عن التفاصيل؟

لنتخيل أولًا حجم الميدان الذي نعمل به، الصحراء الغربية أو محافظة الوادي الجديد تمثل نحو 44% من مساحة مصر، وهي مساحة شاسعة جدًا ومترامية الأطراف وتتميز بتضاريس وعرة للغاية. بدأت رحلتنا بالبحث الجاد عن الحفريات الفقارية، وكانت البداية صعبة في مدينة “الخارجة”، ثم انتقلنا إلى “الداخلة”، ومنها تفجرت الاكتشافات العلمية الكبرى.

أبرز ما سجلناه مؤخرًا هو اكتشاف عظام الحوض لأكبر سلحفاة بحرية “جلدية الظهر” على مستوى العالم. نحن نتحدث عن سلحفاة عملاقة يصل طولها إلى حوالي متر ونصف، وهذا النوع والحجم يُسجل لأول مرة في قارة إفريقيا، بل وفي العالم بهذا الحجم. ويمثل هذا الاكتشاف ركيزة مهمة في فهم تاريخ الحياة البحرية خلال العصر الكريتاسي.

ولم يتوقف الأمر عند السلاحف، بل نجحنا في تسجيل نوع من الأسماك الشبيهة بالزواحف، وهي المرة الأولى التي يُسجل فيها هذا النوع في إفريقيا. وأصبحت هذه السمكة اليوم مرجعًا عالميًا للعلماء المتخصصين في أسماك “السورينودينتيدا”، وبشهادة دولية يُعد هذا الكشف من أهم الاكتشافات الخاصة بتأريخ هذا النوع من الأسماك عالميًا.

  •  ارتبط اسمكم أيضًا بكائنات بحرية توصف بـ”الوحوش”.. ماذا عن الموزاصور والبليزوصور في قلب الصحراء؟

بالفعل، من أهم ما أنجزه مركز الحفريات الفقارية بالجامعة اكتشاف أنواع عديدة من “الموزاصور”، وهو أحد أشرس الزواحف البحرية التي عرفتها الأرض، وقد هاجر من أوروبا إلى جنوب مصر. نجحنا في تسجيل نوعين منه لأول مرة في إفريقيا، ولدينا تنوع بيولوجي كبير لهذا الكائن في صحراء الوادي الجديد.

أما عن الكشف الذي نعتز به كثيرًا، فهو “ديناصور البحر” أو ما يُعرف بـ”البليزوصور”، إذ عثرنا على أكثر من فقرة مكتملة لهذا الزاحف البحري الكبير، وهو تسجيل أول في صحراء الوادي الجديد. ونحن حاليًا في مرحلة الدراسة التشريحية الدقيقة والتوصيف العلمي قبل نشره دوليًا، وهو يمثل إضافة نوعية للسجل الجيولوجي المصري.

اقرأ أيضا: الثقافة تصل إلى الحدود.. مشروع «المواجهة والتجوال» يختتم جولته السادسة بالوادي الجديد

د.جبيلي أثناء عمله على الحفريات.. الصورة بإذن منه
د.جبيلي أثناء عمله على الحفريات.. الصورة بإذن منه
  • لماذا ارتبط العصر الكريتاسي بالوادي الجديد؟

الوادي الجديد هو “مملكة العصر الكريتاسي”، إذ تعود معظم الترسيبات فيه إلى هذا العصر (العلوي والسفلي)، الذي بدأ منذ أكثر من 120 مليون سنة وانتهى قبل 65 مليون سنة، وكان حافلًا بظهور أنواع عملاقة ومتنوعة من الكائنات البحرية.

الأمر المثير علميًا أن العصر الكريتاسي في قارة إفريقيا يُعد عصرًا غامضًا لقلة الحفريات المكتشفة فيه مقارنة بالقارات الأخرى، لذلك فإن كل عظمة نستخرجها من حوض الداخلة تمثل كشفًا جديدًا من أسرار الحياة القديمة والظروف البيئية التي كانت سائدة في إفريقيا، ويمكننا القول إننا نعيد كتابة تاريخ القارة من خلال هذه الحفريات.

  • حدثنا عن كواليس العمل الميداني ومعاناتكم كباحثين؟

المعاناة جزء أصيل من عملنا، فالحفريات الفقارية نادرة جدًا، وقد نسير تحت لهيب الشمس من الشروق حتى الغروب، ونقطع مسافات تصل إلى 20 كيلومترًا يوميًا سيرًا على الأقدام لتتبع الطبقات الصخرية، وقد تمر أسابيع كاملة دون العثور على عظمة واحدة.

التحدي الأكبر هو قلة الإمكانيات؛ فالمناطق الوعرة تتطلب سيارات دفع رباعي مجهزة، ونحن أحيانًا نتحرك بسيارة واحدة، وهو ما يمثل مخاطرة كبيرة، إذ إن تعطلها في قلب الصحراء قد يوقف العمل تمامًا. كما أن الفريق العلمي صغير، بينما يتطلب استخراج العينات مجهودًا هائلًا، إذ قد يصل وزن “الجاكيت” (القالب الجبسي الذي يحمي العينة) إلى 700 كيلوجرام، ونحتاج لرفعه ونقله للجامعة بإمكانيات محدودة.

  • رغم هذه الصعوبات، نجحتم في خلق حالة من الجذب لشباب الباحثين.. ما فلسفة المركز في تدريب الكوادر الجديدة؟

فلسفتنا تقوم على نشر العلم وتوطينه. وبفضل دعم الجامعة، استطعنا جذب باحثين من أكثر من 12 جامعة مصرية. نحن نوفر للطلاب ما يحتاجون إليه من إقامة وتدريب ميداني قد يمتد إلى 20 يومًا في الصحراء، ونعلمهم دورة حياة الكشف كاملة: من الاستكشاف، ثم الاستخراج، ثم الترميم الدقيق، وصولًا إلى الوصف التشريحي وكتابة الأبحاث للنشر في المجلات الدولية. نحن نصنع جيلًا جديدًا من علماء الحفريات المعتمدين دوليًا.

جانب من الاكتشافات الحفرية في صحراء الوادي.. الصورة من د.جبيلي أبو الخير
جانب من الاكتشافات الحفرية في صحراء الوادي.. الصورة من د.جبيلي أبو الخير

اقرأ أيضًا: الآبار الكبريتية في الداخلة.. مقومات طبيعية تدعم السياحة العلاجية في الوادي الجديد

  • بالحديث عن المستقبل، ما العائد الذي تنتظره الدولة من هذه الاكتشافات؟ وهل يمكن أن تتحول الحفريات إلى “صناعة سياحية”؟

هذا هو جوهر القضية، فالتراث الطبيعي لا يقل أهمية عن التراث الثقافي (الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية). مصر تتربع على عرش الآثار الثقافية ولدينا متاحف عالمية، لكن التراث الطبيعي يمكن أن يدر دخلًا لا يقل أهمية.

في دول العالم، يُعد “الموزاصور” أو الديناصور رمزًا جاذبًا لملايين السياح. نحن نحلم بمتحف دولي للحفريات في الوادي الجديد ليكون مركز جذب للسياحة الجيولوجية والطبيعية، وليضع الوادي الجديد على خريطة السياحة العلمية العالمية. فالوادي الجديد مساحته ضخمة وسكانه قليلون، والاستثمار في السياحة الطبيعية هو الحل الأمثل لتنمية هذا الإقليم وتحقيق التوازن السكاني.

أما العائد العلمي، فهذه الاكتشافات تضع مصر بقوة على خريطة التراث العالمي، ومن هنا أتنبأ بأن “واحة الداخلة” ستكون ثاني منطقة تراث طبيعي عالمي في مصر بعد “وادي الحيتان” بالفيوم، نظرًا لما تملكه من ثراء علمي لم يُكشف عن كامل أسراره بعد.

  • هل تشعرون أن هذه الكنوز نالت حقها من التوثيق والنشر والإعلام؟

علميًا، نحن ننشر في أكبر المجلات الدولية، لكن إعلاميًا، بصراحة، نحن لا نحظى بالدعاية الكافية لهذه الاكتشافات التي تُسجل لأول مرة في التاريخ. ومع ذلك يظل صدى الخبر محدودًا. نحن بحاجة إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه الاكتشافات، لأنها تمثل وجهًا مشرقًا لمصر في المحافل الدولية، وهي رسالة للعالم بأن مصر ليست فقط “حضارة 7 آلاف سنة”، بل أيضًا “تاريخ طبيعي يمتد لملايين السنين”.

  • أخيرًا.. ما رسالتك للمسؤولين ولطلابك في الوادي الجديد وخارجها؟

رسالتي للمسؤولين: نناشدكم إنشاء متحف دولي متميز في الوادي الجديد، فهذه الحفريات مقتنيات عالمية تستحق أن تُعرض بشكل لائق يخدم العلم والسياحة والاقتصاد.

أما لطلابي، فأقول لهم: “الوادي الجديد يفتح ذراعيه لكل باحث مجتهد، ونحن هنا لنذلل الصعاب ونوفر المناخ العلمي. مصر غنية بكنوزها، وما اكتشفناه هو مجرد غيض من فيض، والمستقبل يخبئ الكثير لمن يملك الصبر والإرادة لمواجهة رمال الصحراء”.

اقرأ أيضا: ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.