دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

من الفجر حتى الحصاد.. حكايات الفرح والتعب في حقول القمح بأسيوط

«يا قمح طيب.. جه الحصيد.. يلاااا.. القمح اتساوى طلب الكراوة.. يلاااا»، بالأغاني التراثية يبدأ أهالي أسيوط موسم حصاد القمح. مع أول ضوء للفجر، يخرج الفلاحون إلى أراضيهم بقلوب يملؤها الأمل ويغمرها الفرح، وسط سنابل القمح التي تلمع كالذهب، ليبدأ موسم الحصاد بما يحمله من خير تنتظره كل البيوت.

تعب الحصاد

“القمح الليلة ليلة عيده.. يارب يبارك ويزيده.. لولي ومشبك على عوده.. والدنيا وجودها من جوده.. يارب ما يخلف مواعيده.. يارب يبارك ويزيده”، بفرح غامر تستقبل نجاة علي، 50 عاما، محصول القمح بهذه الأغنية، التي يعلو صوتها بها في أرضها مع بدء الحصاد.

تقول علي: “ده موسم السعادة والهنا والخير، القمح ستر ربنا وخيره علينا من أرضه، وهو مخزون الأمان طول السنة، طول ما فيه قمح في البيت، كل حاجه تهون. بنفرح ونفرح الحبايب، والخير يعم على الكل بفضل ربنا”.

ويخرج فارس محمود، 30 عامًا، إلى أرضه حاملًا على كتفه تعب عام كامل، وأمله لا ينقطع في موسم حصاد وفير، ويقول: “أنا بصحى بعد الفجر على طول، أول ما أخلص صلاة، ألبس وأروح الأرض. اليوم ده غير أي يوم، ده حصاد الخير، وربنا بيعوضنا فيه عن تعب السنة كلها”.

يمشي فارس بين سنابل القمح التي  تلمع كأنها خيوط من ذهب، ويبدأ  يومه بمنجله البسيط،  في مشهد يجمع بين القسوة والجمال: “أول ما أدخل الأرض وأشوف السنابل واقفة كده، والله بحس بفرحة مش طبيعية، وأقول لنفسي: الحمد لله تعبنا ما راحش على الفاضي”.

ورغم بساطة الأدوات، يبقى العمل شاقًا، حيث تمتد ساعات الحصاد تحت أشعة الشمس، لكن روح الرضا تظل حاضرة في قلبه: “الشغل مش سهل طبعًا، الشمس بتكون حارة جدا، وإيدينا ممكن تتجرح، بس بنستحمل، أصل ده رزقنا، والواحد لما يتعب على حاجة بيحبها، التعب بيهون”.

أغاني الحصاد

“أقطع يا منجل وغني.. ده الخير داخل يغني.. رزقنا من أرضنا.. وربنا دايمًا مهني.. يا سنابل على العالي.. يا رزقنا الغالي.. يوم الحصاد فرحة.. تنسى كل اللي فات ليالي”.

يقول فارس: “بنغني وإحنا شغالين، الغنا بيخلي الوقت يعدي بسرعة،  وبيخلي الواحد مبسوط حتى وهو تعبان”. ويكمل بصوت يغمره الفرح والدفء: “أجمل حاجة بقى لما نروح القمح على البيت. أول شوال يدخل، وتستقبله أمي بفرحتها وضحكتها وجملتها: “اللهم بارك”. ساعتها بحس إن كل التعب بيهون، وإن البيت كله اتملى خير وبركة وسعادة”.

ويقول حسن عبدالله، مدرس ومزارع من صدفا، وهو يمسح عرق جبينه: “بنصحى من قبل طلوع الشمس، نصلي الفجر، وننزل على الغيط، ونبدأ في حصاد القمح كأنه مستنينا نحصده بإيدينا”. ويضيف: “نقوم بتجميع القمح في حزم،  يتم ربطها وتركها في  الشمس  علشان ينشف، وبعدها يبدأ درس القمح بماكينة “الدراسة”.

ويتابع: “أجمل  إحساس لما تشوف تعبك طول السنة بيتلم قدامك في يومين أو ثلاثة، بتحس إن ربنا كرمك، وإن تعبك ما راحش هدر”. ولا يقتصر الحصاد على العمل فقط، بل يتحول إلى طقس اجتماعي مليء بالفرح، حيث يتبادل الجيران المساعدة، ما يضفي على الأجواء روح تعاون ومودة خاصة.

اقرأ أيضا: المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة

غلاء أجرة العمال

يشير عبد الله إلى أن معظم الفلاحين، بمساعدة جيرانهم، هم من يقومون بعملية الحصاد بسبب ارتفاع أجور العمال، إذ تتراوح أجرة العامل من الساعة السادسة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرا نحو 400 جنيه وقد تصل إلى 1000 جنيه لليوم الكامل.

وبكلمات قصيدة للشاعر صلاح جاهين، التي يراها حسن عبد الله معبرة عن الفلاحين وموسم حصاد القمح أصدق تعبير، يقول: “القمح مش زي الدهب، القمح زي الفلاحين..عيدان نحيلة.. جدرها بياكل في طين.. زي إسماعين.. ومحمدين.. وحسن أبو عويضة.. اللي قاسى وانضرب.. علشان طلب.. حفنة سنابل ريها كان بالعرق.. عرق الجبين”.

اقرأ أيضا: «الوادي الأسيوطي».. تجربة علاجية وترفيهية في الكثبان الرملية

حصاد القمح والقطير المشلتت.. تضوير: جاسمين مهني
حصاد القمح والقطير المشلتت.. تضوير: جاسمين مهني
الفطير المشلتت والحصاد

يتابع حسن عبدالله حديثه ويقول: “في بيوتنا لا يكتمل مشهد الحصاد إلا باستقبال القمح بفرحة كبيرة، حيث يتحول الموسم إلى احتفال عائلي دافئ. فعقب انتهاء “دراس القمح”، تقوم زوجتي بتجهيز الفطير المشلتت كوجبة إفطار للعمال، وسط ضحكات الأولاد والفرح بقدوم الخير إلى البيت”.

ويضيف: “يخرج الفطير المشلتت من الفرن البلدي، ويجلس العمال يتقاسمونه بسعادة، في مشهد تختلط فيه لقمة العيش بضحكة من القلب والرضا. ونحن نعتبر الفطير المشلتت رمزًا للفرح والكرم ببركة القمح ودخوله للبيت”.

وبحسب بيان من محافظة أسيوط، بلغ إجمالي المساحة المزروعة بمحصول القمح هذا العام 204 آلاف و933 فدانًا، مع توقعات بزيادة الكميات الموردة مقارنة بالعام الماضي، خاصة في ظل رفع سعر الإردب إلى 2500 جنيه لدرجة نقاء 23.5، مع صرف المستحقات خلال 48 ساعة من التوريد، بما يعكس توجه الدولة لتحفيز المزارعين وزيادة الإنتاجية.

اقرأ أيضا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.