أكبر خطر على التراث ليس الزمن بل الإنسان
خبراء يجيبون على السؤال: كيف يصبح التراث المصري قوة جذب سياحي متجددة؟
استضاف بيت السناري في السيدة زينب ندوة بعنوان: «مصر عبر الأجيال.. التراث كواجهة سياحية متجددة»، قدمتها الدكتورة رشا حسين السيد، أستاذ الدراسات التراثية والمتحفية والعضو الفني بالإدارة العامة للعلاقات الدولية والاتفاقيات بمكتب وزير السياحة والآثار، وذلك ضمن فعاليات إدارة الوعي الأثري بالقاهرة التاريخية.
مؤشرات سياحية
افتتحت الندوة الدكتورة داليا الجوهري، مدير عام إدارة الوعي الأثري والتواصل المجتمعي بالقاهرة التاريخية، بالتعريف بمحاور الموضوع.
وتناولت الدكتورة رشا حسين في بداية حديثها تاريخ بيت السناري وتراثه، ثم استعرضت المؤشرات السياحية في المنطقة منذ عام 2025، والتي قدرت بنحو 19 مليون زائر، ما ترتب عليه زيادة في الإشغال الفندقي، وارتفاع متوسط الإنفاق السياحي، ونمو الحركة السياحية بشكل مستمر، خاصة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أسهم في تنشيط السياحة الداخلية والخارجية.
وتابعت الحديث عن الفروق بين المتاحف العالمية والمصرية، مشيرة إلى أن متحف اللوڤر الذي يضم 3 أدوار من الحضارة المصرية، كلها مجسمات ضخمة، بالإضافة إلى حجر رشيد rosetta stone في المتحف البريطاني. كما تناولت كيفية خروج هذه الآثار من مصر، سواء قطع أخذت دون اتفاقيات أو أهديت في عهد محمد علي.
اقرأ أيضا: الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

دول مصدرة للسياحة
أشارت الدكتورة رشا حسين إلى الدول المصدرة للسياحة وأنواعها، موضحة أن دول أوروبا مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا يأتون مصر للسياحة الثقافية، أو للسياحة الشاطئية مثل أوكرانيا، بالإضافة إلى أنواع سياحية أخرى من دول الخليج وروسيا وشرق آسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
بعد ذلك، تحدثت عن أهمية النظرة المحلية للتراث، وأهميته أو عدمها لدى البعض، من خلال تقدير التراث ككلام وليس كفعل، حيث الكتابة على الأثر ولمسه، وتأثير الفلاش على الآثار، إلى جانب الحفلات المقامة عند الأهرامات سواء بالإيجاب أو السلب، حيث الترويج للسياحة مقابل تأثير الذبذبات عليها.
وفي هذا السياق، تطرقت حسين إلى مفهوم التراث وأنواعه وأهميته، حيث التراث المادي، الذي يشمل الآثار، سواء معابد وأهرامات وكنائس ومساجد، أو مباني تاريخية مثل بيت السناري وبيت السحيمي وسبيل الست وسيلة، وغيرهم، إلى جانب القطع الأثرية من تماثيل ومخطوطات.
أما التراث غير المادي، مثل العادات والتقاليد والفنون من موسيقى ورقص وحرف يدوية ولغة وحكايات شعبية. مشيرة إلى تقدير التراث غير المادي، إذ يعتبر في بعض الأحيان أكثر خطورة من المادي، لأنه من الممكن أن يختفي دون أن نشعر.
مصر عبر الأجيال
أكدت الدكتورة رشا حسين اندماج الدولة المصرية في مفهوم الاستدامة منذ القدم، حيث تعتبر من الدول القليلة جدًا التي تطبق مفهوم الاستمرارية، وذلك منذ العصر المصري القديم حتى الآن، ويظهر ذلك في مصر القديمة من خلال فكرة البعث والخلود التي نتج عنها هذا الإبداع الهندسي، ليستمر حتى مصر اليونانية الرومانية ويتحول إلى تفاعل ثقافي وانفتاح.
ثم العصر القبطي، الذي ظهر فيه البعد الروحي والرمزي لمصر، ومن بعده العصر الإسلامي، حيث استمرار العمارة والفنون والزخرفة الذي تم تطويرهم بشكل يعبر عن كل فترة، حتى وصولنا العصر الحديث، الذي أصبح عصر إعادة توظيف التراث. ما يؤكد أن مصر ليست مجرد تراكم للحضارات، بل دليل على تفاعلها. وتحدثت عن التراث كمنتج سياحي، مُشيرةً إلى أنه ليس مجرد إرثٍ مادي من الماضي، بل أهم وأبرز أنواع السياحة الثقافية التي تجذب ملايين السياح حول العالم.
وفي نفس السياق، استعرضت حسين أبرز عناصر الجذب السياحي في التراث، التي تتوافر في 4 معايير لتحويل أي موقع تراثي إلى وجهة سياحية ناجحة، وهم الأصالة، لضمان تقديم تراث حقيقي يعكس جوهر التاريخ. التفرد، الذي يتمثل في الخصائص التي تميز الموقع عن غيره على مستوى العالم. إلى جانب القيمة التاريخية، التي تمنح المكان أهميته في الذاكرة الإنسانية. وفي النهاية تأتي القصة، لتكون العنصر الذي يبعث الروح في المعالم الجامدة.
تجدد التراث
كما أشارت الدكتورة رشا حسين إلى أن كل حجر وضع في معبدٍ أو متحف أو أي أثر قديم يمثل حكاية إنسانية معينة، وأيضًا كل شارع يعد في الأصل فكرة التراث ذاتها، إذ أن العادات التي نمارسها اليوم ليست سوى امتدادًا طبيعيًا لحضارتنا السابقة. وهو ما جعل الحضارة المصرية مستمرة على مر العصور.
أما عن تجدد التراث، فيأتي نتيجة تبني منهجية إعادة التوظيف كأداة لبعث الحياة في الأبنية القديمة أو المناطق الأثرية، مستشهدة بمنطقة الأهرامات حاليًا وقديمًا، كيف تم تطويرها، وأيضًا طرق العرض في المتاحف، وتحديث طرق العرض بها، بالإضافة إلى تحويل المباني التراثية إلى مراكز للأنشطة الثقافية، بما يضمن دمجها في النسيج المعاصر.
اقرأ أيضا: «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام
التسويق الحديث ودور الشباب
من ناحية أخرى، عرضت الدكتورة رشا حسين أهمية وخطورة التسويق الحديث للتراث والآثار، وسبلها، والتي أصبحت تتمثل الآن في وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى والبلوجرز، مشيرة إلى خطورة ذلك، إذ أنهم يمكن الترويج بصورة سلبية إلى مصر.
وأوضحت دور الشباب حول هذا الموضوع، وأن لهم أدوار رئيسة في التصدي لذلك، تكمن في التوعية بنشر معلومات صحيحة بشكل مبسط، الحفاظ على النظافة وبث الغير على ذلك، رفض السلوكيات السلبية، وابتكار أفكار جديدة تعمل على تقديم التراث بشكل جديد، واستخدام التكنولوجيا بصورة صحيحة. مشيرة إلى أن مستقبل التراث المصري يكمن بصورة رئيسية في أيدي الشباب وليس في الكتب فقط.
التحديات
في النهاية، اختتمت الدكتورة رشا حسين حديثها بعرض التحديات التي تعوق التراث كوجهة سياحية، وتتمثل في ضعف الوعي الثقافي، وعدم اتخاذ قرار رادع ضد السلوكيات الخاطئة مثل الكتابة على الآثار، بالإضافة إلى ضعف التسويق لبعض الأماكن والتركيز على مناطق بعينها وإهمال أخرى.
وأشارت إلى أن أكبر خطر على التراث ليس هو الزمن بل الإنسان. ثم عرضت عدد من مقاطع الفيديو المعبرة عن المباني والشوارع التراثية، منها: بيت السناري، قصر الزعفران، عمارات شارع عماد الدين، وابور الجاز، جروبي، بريموس، واحة سيوة، عمارة يعقوبيان.
اقرأ أيضا: «العيش في التراث».. حوار مفتوح حول الإنسان والمكان في قلب المدن التاريخية





