ملف| د.«نبيل الهادي»: توثيق الأشجار ساعد في فهم الأنواع المناسبة لبيئتنا
المباني أكثر العناصر تأثيرًا سلبيًا على البيئة وتستهلك حوالي 42% من الطاقة
في ظل التحولات البيئية الراهنة، يبرز دور المعماريين كباحثين وممارسين يعيدون التفكير في علاقة الإنسان بالمكان والطبيعة. ومن ثم يأتي هذا الحوار مع الدكتور نبيل الهادي، أستاذ العمارة بجامعة القاهرة ومؤسس المختبر الافتراضي للبحث والتجريب، حول كتابه «خرائط الأشجار في المدن المصرية»، الذي يقدم قراءة مختلفة للعلاقة بين المدينة والطبيعة من خلال تتبع الأشجار باعتبارها عنصرًا حيًا داخل البيئة العمرانية، وليس مجرد إضافة تجميلية.
ويناقش الحوار كيف يمكن لتوثيق الأشجار وفهم طبيعتها أن يفتح نافذة على تاريخ المدن وبيئتها، ويثير أسئلة أوسع تتعلق بالتخطيط العمراني والتنوع البيولوجي والتغير المناخي، في محاولة لفهم الدوافع وراء هذا المشروع، وما الذي يمكن أن تضيفه “خرائط الأشجار” إلى طريقة تفكيرنا في المدن المصرية وإعادة تصور علاقتها ببيئتها.
-
ما الذي دفعك كمعماري للاهتمام بالأشجار إلى هذا الحد؟
طبيعة عملي على مدار أكثر من عشر سنوات في مجالات التغير المناخي والتنوع البيولوجي، حيث تأتي الأشجار على وجه الخصوص في صميم هذا الاهتمام لما لها من دور بالغ الأهمية. كما أنني كنت قد تناولت هذا الموضوع من قبل في أحد المقالات منذ نحو سبع أو ثماني سنوات، وركزت فيه تحديدًا على الأشجار في مصر الجديدة.
-
ذكرت أن الأشجار هياكل حية وليست مجرد زينة.. كيف يمكن دمجها اليوم كعنصر إنشائي وبيئي وليس مجرد منظر طبيعي أو جمالي (لاند سكيب)؟
الأشجار جزء أساسي من المنظومة الإيكولوجية التي تضم مكونات متعددة من نباتات وأشجار وكائنات حية أخرى. وبالتالي من الضروري التوقف عن التعامل معها باعتبارها مجرد إضافة جمالية، والبدء في النظر إليها كجزء متكامل من البيئة. كما يجب التركيز على مشكلات البيئة لدينا، خاصة أن الأشجار يمكن أن تسهم بفاعلية في معالجة جانب مهم من هذه المشكلات إذا أُدمجت بشكل واعٍ في التصميم.
اقرأ أيضًا: ملف| «أشجار الأسمنت»
-
تحدثت عن تبني الأشجار.. في رأيك كيف تؤثر العلاقة العاطفية بين الساكن وبيئته على استدامة المباني؟
زراعة الأشجار، أو أي علاقة بالطبيعة عمومًا، هي علاقة إيجابية. لذلك من الضروري أن يدمج المعماريون الأشجار داخل أعمالهم وتصميماتهم. فالنظر إلى الأشجار بوعي حقيقي يكشف أن لكل شجرة طبيعتها وشخصيتها ونوعها وخصائصها التي تميزها عن غيرها، وهو ما ينعكس على طريقة البناء وطبيعة العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والأشجار داخل المساحات المعمارية.
-
ما رأيك في فكرة زراعة أنواع محددة من الأشجار بما يتناسب مع كل بيئة، بدلًا من الزراعة العشوائية؟
في الحقيقة، الكتاب بالكامل يقوم على ورشة أطلقناها في يناير 2023، هدفها توثيق الأشجار الموجودة في المنطقة المحيطة بكلية الهندسة، وجامعة القاهرة، وحديقتي الحيوان والأورمان. جاءت الفكرة كنوع من التحرك العملي بدلًا من الاكتفاء بالتساؤل حول ما مستقبل الحدائق وكيفية تطويرها، فبدأنا توثيق الأشجار الموجودة بالفعل.
وقد وثقنا أكثر من 400 شجرة تنتمي إلى نحو 160 نوعًا مختلفًا، لكن المفاجأة أن نوعًا واحدًا فقط منها يُعد نوعًا مصريًا محليًا، وهي ملاحظة شديدة الأهمية بالنسبة لنا.
ويجب أن نتذكر أن مصر بطبيعتها بلد صحراوي، أي أن مياه الغطاء الخضري محدودة. لذلك ليس من الطبيعي أن تصبح مصر خضراء بشكل أكبر من اللازم، حتى وإن بدت حدائق مثل الحيوان والأورمان جميلة ومبهرة، إلا أن كون أكثر من 95٪ من أشجارها من أنواع غير مصرية يطرح مشكلة حقيقية تتعلق بعلاقة هذه النباتات بالبيئة المحلية.
ومن هنا يؤكد الكتاب على فكرة أساسية، وهي أن إصلاح المنظومة البيئية في مصر يبدأ بإعادة الاعتبار للأشجار المحلية الأصلية. صحيح أن هذا النوع من الأشجار يواجه تحديات، إذ إن بعضه قل أو اختفى مع الوقت، لكنه يظل الأكثر قدرة على التكيف مع بيئتنا ودعم الحياة الطبيعية فيها. ليست كل شجرة خضراء مناسبة بالضرورة للزراعة في مصر، حتى وإن بدت جميلة من الناحية الشكلية.

-
خلال مرحلة التوثيق، هل رصدتم أشجارًا محلية تم اقتلاعها أو اختفت جذورها؟
ركزت الورشة على توثيق الأشجار الموجودة بالفعل في أجزاء من حديقة الأورمان، ومنطقة الجيزة، وكلية الهندسة بالكامل، وجزء من جامعة القاهرة. لذلك، اقتصر العمل على الأشجار المزروعة والقائمة حاليًا، ولم يشمل توثيق الأشجار التي تم اقتلاعها أو إزالتها سابقًا. أما الشجرة المصرية المحلية الوحيدة التي وجدناها ووثقناها فكانت شجرة السنط، وهي مرتبطة بالحضارة المصرية القديمة.
في الوقت نفسه، وجدنا نباتات مصرية أخرى موجودة داخل الحديقة، مثل نبات البردي الذي كان ينمو حول البركة الموجودة داخل الأورمان، لكن البركة حينها كانت جافة، كما أن البردي لا يُصنف كشجرة، لذلك لم يكن ضمن نطاق التوثيق. ومع ذلك، يظل من النباتات المصرية الأصيلة، وما زال ينمو على ضفاف النيل، ويوجد في دمياط، وجزيرة الدهب. كذلك هناك نبات اللوتس داخل البركة. بالتالي الحديقة تضم أربعة أنواع نباتية مصرية محلية: شجرتين، ونوعين من النباتات المائية.
للأسف، نواجه مشكلة ثقافية تتمثل في النظر إلى الأشجار المستوردة باعتبارها أجمل من المحلية، وكأن الشجر المصري أقل قيمة جمالية. وهذه الفكرة مرتبطة تاريخيًا ببدايات إنشاء حديقتي الحيوان والأورمان، إذ جرى تصميمهما وزراعتهما خلال فترة حكم أسرة محمد علي، حين كان الاهتمام الأكبر موجهًا إلى استقدام أنواع نباتية أجنبية وإبرازها.
اقرأ أيضًا: في أسوان.. توثيق الأشجار النادرة والمعمرة داخل الحدائق العامة
-
في العمارة يتم تصميم منشآت ثابتة، بينما النبات في حالة نمو مستمر.. هل أثرت دراستك للأشجار على رؤيتك لعمر المبنى؟
بالتأكيد، أفكارنا عن العمارة تتغير بشكل كبير، وعلى المستوى الشخصي تغيّرت رؤيتي كثيرًا، خاصة بعد الدراسات حول التغير المناخي والتنوع البيولوجي. فنحن نعلم اليوم أن المباني تُعد من أكثر العناصر تأثيرًا سلبيًا على البيئة والطبيعة؛ إذ تستهلك مواد البناء نسبة ضخمة من الطاقة، تصل إلى نحو 42% من إجمالي الاستهلاك، كما أن مواد البناء المستخدمة، مثل الأسمنت، تُعد من الأكثر إضرارًا بالبيئة.
لذلك، إذا نظرنا إلى مفهوم العمارة بالشكل التقليدي الذي اعتدنا عليه، سنجد أنه يحمل مشكلات بيئية كبيرة يجب أولًا الاعتراف بها وفهمها، قبل التفكير في كيفية التعامل معها. وحتى الآن، ما زلنا نحاول فهم تأثير المباني بشكل أكبر، لكن بدأنا نتعلم تدريجيًا من خلال النقاشات المرتبطة بالتغير المناخي، باعتباره أزمة عالمية تمس الجميع. بالتالي تبرز الأشجار كأحد أهم الوسائل التي يمكن أن تساعد في مواجهة هذه التحديات والتخفيف من آثارها.
لهذا، نحن اليوم في محاولة لإعادة التفكير في معنى العمارة نفسها، وعلاقتها بالمناخ والطبيعة، وكيف يمكن أن تصبح أكثر انسجامًا مع البيئة.
-
هل توجد اقتراحات لحلول رسمية لاستبدال الأسمنت والمواد ذات التأثير السلبي على البيئة بمواد أخرى؟
من الأفكار المطروحة اليوم في عدد من دول العالم، خاصة أوروبا، الاتجاه إلى استخدام أخشاب الأشجار كمادة أساسية في البناء. لأن هذه الدول تمتلك غابات واسعة تسمح لها بالاعتماد على الخشب بصورة أكبر. أما مصر، فمن الممكن مستقبلاً، إذا نجحنا في إعادة زراعة الأشجار والنباتات المحلية مثل السنط، أن نستفيد من أخشابها، خاصة أنه يعد من الأنواع الجيدة. لذا يمكننا الاعتماد عليها كمصدر مستدام للخشب.
في الوقت نفسه، هناك مشاكل أخرى، إذ لا يمكن الاعتماد على الخشب وحده بشكل كامل في البناء، لكن يجب تقليل استخدام الأسمنت ومواد البناء الأخرى الضارة. كما نحتاج إلى تحسين عزل المباني بشكل جيد لتقليل استهلاك الطاقة، لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة مرتبط بطريقة تصميم وتشغيل المباني نفسها. لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في الممارسات المرتبطة بالعمارة، سواء في المباني الجديدة أو حتى القائمة بالفعل.
-
في رأيك، لماذا يبدو أن مخططي القرن التاسع عشر مثل ديلشيفاليري نجحوا في تحقيق توازن بين فيضان النيل والعمران، بينما نواجه اليوم أزمات متزايدة؟
لا أعتقد أنهم نجحوا بالضرورة، لكن أحيانًا يُخيّل لنا أن الماضي نموذجًا مثاليًا، بينما الواقع مختلف. مثلًا، واحدة من الأشياء التي تعلمناها عن جنينة الحيوان والأورمان أنها جزء كبير جدًا من الجنينة التي كانت في الأصل قصر الجيزة الخاص بالخديوي إسماعيل، جزء كبير من مساحة الجنينة أنشئ على ردم النيل، وهذه واحدة من كوارث التدخلات البيئية خلال حكم أسرة محمد علي مصر.
نحن لا نرى التأثيرات الكاملة لهذه التدخلات، تمامًا كما لا ينتبه كثيرون إلى أزمة ورد النيل، إذ إنه ليس مصريًا، بل جرى إدخاله في البداية كنبات زينة خلال حكم أسرة محمد علي، ولأنه نبات لا يملك أعداء طبيعيين تحول إلى نبات غازي تسبب في أضرار بيئية كبيرة. وهذا دليل على أن التدخل في البيئة دون فهم كافٍ، حتى لو بدافع التجميل أو التطوير، قد يؤدي إلى كوارث طويلة المدى.
بالتالي، ليس كل ما نُفذ في تلك الفترة كان ناجحًا أو مثاليًا كما نتخيل. بالنظر إلى حديقة الأزبكية، سنجد أن تاريخها يكشف الكثير عن طريقة التفكير العمراني وقتها. وفقًا لما كتبه جاك أرنو عن القاهرة، كانت بركة الأزبكية في الأصل مساحة مائية موسمية مرتبطة بفيضان النيل، ثم جرى ردم أجزاء منها تدريجيًا، قبل أن تتحول إلى حديقة محاطة بالمباني، مرتبطة بالاستثمار العقاري؛ إذ جرى استغلال الأراضي المحيطة بالحديقة اقتصاديًا، بينما أُسند تصميمها إلى مهندس فرنسي لتبدو أقرب إلى النموذج الأوروبي.
***
حتى اليوم ما زلنا نرى آثار هذه التدخلات؛ بعد إنشاء المترو وتدخلات مبنى سنترال رمسيس، فقدت الأزبكية أجزاء كبيرة من تاريخها البيئي والعمراني، وما يحدث الآن من محاولات إعادة تطويرها لا يزال غير واضح الملامح.
إذ كان الهدف فرض نموذج أوروبي على مصر، وهذا لا يعني بالضرورة أن التجربة نجحت. الخديوي إسماعيل، بعد حضوره معرض باريس عام 1867 وقبل افتتاح قناة السويس، انبهر بالنموذج الأوروبي، وأراد أن تصبح مصر مثل أوروبا والقاهرة تشبه باريس. لكن الفكرة كانت أقرب إلى محاولة تقليد الشكل الخارجي فقط، دون نقل السياق الحقيقي لهذه المدن.
جاك أرنو تحدث عن مقولة “القاهرة باريس الشرق” بوضوح معتبرًا أنها فكرة وهمية. فباريس، رغم كل التحولات والتدمير العمراني الذي شهدته امتلكت إدارة حضرية متكاملة ورؤية لتنظيم المدينة، بينما تم التعامل مع القاهرة كمشروع استثماري هدفه كسب المال من الأراضي والمباني. وهذه المشكلة، لأن التشابه الشكلي وحده لا يعني أنها أصبحت تشبه باريس، وأعتقد أننا ما زلنا نعاني من سوء فهم هذه النقطة حتى اليوم.
اقرأ أيضًا: قطع أشجار «الميريلاند».. وخبير: «تدخلات عشوائية» تفقد مصر الجديدة ذاكرتها الخضراء
-
ما رأيك في تغيير اسم حديقة الحيوان إلى “جنينة الحيوان” ضمن أعمال التطوير؟
في البداية، كان هناك اتجاه لتسميتها “الجنينة” فقط، لكن يبدو أن البعض رأى أن الاسم وحده غير كافٍ، فاستقروا في النهاية على جنينة الحيوان. وحتى الآن، ما زلت أنتظر رؤية ما الذي سيحدث فعليًا، لأن كثيرًا مما يجري داخل المشروع الآن، وما يُخطط له لاحقًا، يثير تساؤلات ومخاوف عديدة.
غير ذلك، مفهوم جنينة الحيوان لم يعد مناسبًا بالشكل التقليدي. فالحيوانات من حقها العيش في بيئتها الطبيعية بشكل أفضل، ونحن أيضًا من حقنا الحصول على حديقة عامة جيدة ومتكاملة بيئيًا. ومن الممكن، لو أُعيدت الحيوانات إلى بيئاتها، أن تتحول الحديقة إلى مساحة بيئية حقيقية تهتم بالنباتات والحياة البرية المصرية، خاصة إذا جرى ربطها بحديقة الأورمان بشكل مختلف. في النهاية، لا يمكن إصدار حكم نهائي، والأفضل انتظار اكتمال المشروع لنرى إلى أين ستتجه الأمور بالفعل.
-
كيف يمكن توثيق إسهامات المعماريين المصريين بعيدًا عن النظرة الاستشراقية؟
في الأساس، نحن نفتقد إلى النقاش النقدي حول أعمال المعماريين وتجاربهم. مثلًا لا يمكن إنكار دور حسن فتحي في تحقيق إنجازات معمارية وفكرية مهمة جدًا، لكن هذا لا يعني أن تجربته لم ينتج عنها مشاكل أو أن كل ما قدمه يجب التعامل معه باعتباره نموذجًا مثاليًا غير قابل للنقاش.
بينما المطلوب هو النظر إلى التجارب المختلفة بوعي نقدي يرى الجوانب الإيجابية والسلبية معًا، لأن أي تجربة إنسانية بالضرورة غير كاملة. وهذا ما فعله تيموثي ميتشل في كتابه حكم الخبراء، حيث تناول من بين موضوعاته المشكلات المرتبطة بتجربة قرية القرنة المرتبطة بحسن فتحي. وهذا نوع مهم من القراءة، لأنه لا يكتفي بالتمجيد أو التقليل من شخص أو مشروع، بل يحاول فهم السياق والنتائج والتأثيرات الفعلية للتجربة.
لذلك، يجب أن ننظر إلى المعماريين وأعمالهم داخل إطار عملهم، كما أننا بحاجة إلى مساحة أوسع للنقد والحوار، لأنه جزء أساسي من تطوير العمارة نفسها.
-
تحويل ملكية الأشجار هل يمكن أن يؤثر على هويتها؟
هدف الكتاب في الأساس هو التعرف على الشجر في المقام الأول. حيث ينتهي بمقترح حول كيف نوثق الأشجار في المدن المصرية. ولهذا نحتاج أولًا معرفة أماكن الشجر، سواء في المساحات العامة أو الخاصة، لأن ذلك ينتج عنه معرفة الشجر الغريب من المحلي، ويساعد مستقبلًا عند زراعة الأشجار في تحديد أنواع الأشجار المناسبة لبيئتنا. ومعرفة أي الأنواع غازية، مثل شجرة المسكيت التي تمثل مشكلة كبيرة في مصر، بالتالي يجب تحديد أماكن انتشارها والتعامل معها بشكل علمي، من خلال خبراء يحددون كيفية الحد منها وما يمكن زراعته بدلًا منها.
وحول ذلك أصدرت وزارة البيئة العام الماضي ما يعرف بـ”الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي”، والتي تضم 21 بندًا، من بينها بنود تتعلق بالتعامل مع النباتات الغازية. بالتالي عملية التوثيق لها فوائد عديدة، لأنه من دون معرفة الموجود فعليًا، لا يمكن اتخاذ قرارات صحيحة حول الإدارة أو التطوير. وإن كنا نرغب في استعادة التوازن البيئي، فإن البداية من الأشجار، لأنها تمثل الأساس في المنظومة البيئية، أو ما يُعرف بالمنتج الرئيسي للكتلة الحيوية.
-
عندما تتعارض شجرة معمرة مع مشروع إنشائي.. كيف يوازن المعماري بين عمله ومسؤوليته البيئية؟
ضمت الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي هذا البند بشكل واضح، كما ورد بصورة أكثر تفصيلًا في إطار كونمينغ- مونتريال للتنوع البيولوجي الصادر عام 2022، والذي ينص على أن أي تدخل أو مشروع يُنفذ في أي موقع يجب ألا يؤدي إلى تدهور التنوع البيولوجي، بل يحقق ما يُعرف بصافي مكسب للتنوع البيولوجي. بالتالي لا يجوز تنفيذ مشروع ويُترك الموقع في حالة بيئية أسوأ مما كان عليه.
فإذا وجدت شجرة عمرها سنوات وتؤدي وظيفة بيئية معينة، وتمت إزالتها لسبب ما، يجب تعويضها بعدد مناسب من الأشجار أو النباتات التي تحقق قيمة بيئية مكافئة أو أفضل. وفي إنجلترا، تم تطبيق هذا المفهوم بالفعل. من خلال برامج تقييم تقيس أثر المشروعات على التنوع البيولوجي، بحيث يُشترط على أي مشروع تحقيق زيادة في التنوع البيولوجي بنسبة تصل إلى 10%. وفي مصر ما زلنا في بدايات طرحه، لكن لم يتم تفعيله بشكل فعلي حتى الآن.
-
خلال مرحلة التوثيق هل صادفتكم أي مشاكل أو عوائق؟
خلال الورشة أطلقنا دعوة مفتوحة للمشاركة، استمرت 10 أيام، تم قبول 30 فردًا. لكن أول يوم من التوثيق وبدء العمل الفعلي ونظرًا لكثرة عدد الأشجار المطلوب رصدها، انسحب 20 مشاركًا، واستمر 10 فقط.
وهنا ظهرت مشكلة الالتزام، التي أراها من أبرز التحديات في هذا النوع من الأعمال. لأن إن استمر 30 فرد كنا سنتمكن من توثيق ضعف ما تم إنجازه. زيادة عدد المشاركين في أعمال التوثيق ينعكس بالإيجاب على جودة البيانات ودقتها أيضًا. لكن في النهاية، الالتزام لا يمكن فرضه بل يعتمد على قناعة الشخص بأهمية العمل.
-
وماذا عن عوائق البيانات؟
هذه مشكلة عامة لا تقتصر على مصر فقط، العديد من الدول من نقص أو فقر في البيانات، سواء عدم توفرها أو ضعف جودتها. لذلك حاولنا إنتاجها بأنفسنا من خلال أدوات بسيطة، مثل استخدام تطبيقات تحديد الموقع والتعرف على النباتات، وقياسات بسيطة مثل قطر الغطاء النباتي بخطوات بسيطة، وتقدير الارتفاع بالاعتماد على مقارنة مع طول الإنسان.
لم يكن هدفنا الوصول إلى الدقة بنسبة 100%، لأن الإمكانات لم تسمح بذلك، ولكن هدفنا الحصول على بيانات كافية تساعدنا على التعامل مع البيئة الموجودة وفهمها بشكل عملي. ومن الأمور التي ساعدتنا أن جنينة الحيوان والأورمان لم تكونا مغلقتين بالكامل أثناء العمل، ما أتاح لنا إمكانية الدخول والحصول على التصاريح اللازمة للمشاركين، وبالتالي لم نواجه عوائق تنظيمية كبيرة.
كما استفدنا من البيئة الأكاديمية التي نعمل بها، حيث قمنا بتعليم المشاركين أساسيات نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، من خلال تنظيم محاضرات ودعوة خبراء أجانب عبر الإنترنت. وبهذا استطعنا التغلب على تحديات التمويل والموارد، بشكل ما، والتعامل بإمكانيات بسيطة وفعالة قدر الإمكان.
اقرأ أيضًا: الأشجار العتيقة في البحيرة.. اقتلاع التاريخ من جذوره
-
كيف ترى مستقبل العمارة الذكية في مصر إذا ارتبطت ببيانات حقيقية عن التنوع البيولوجي؟
لست متأكدًا من وجود ما يسمى بـ”العمارة الذكية”، فأذكى ما في الكوكب هي الطبيعة. ما نحتاج تعلمه هو كيف نقرب من هذه الطبيعة، وهذا جزء من أهدافنا، اعتقد سيصبح عندنا مستقبل جيد إن كففنا عن الحديث حول الموارد الذكية وتحدثنا عن المياه والطعام والطبيعة.
-
بعد تطوير حديقة الحيوان والأورمان هل تعتقد أن ممارستهم ستظل كما هي؟
لدي شكوك عميقة تجاه ذلك، وفكرة إبقاء الحيوانات أول مشكلة كبيرة، لأنهم في حاجة للعيش في بيئتهم الطبيعية لمصلحتهم ومصلحتنا، نحن نحتاج تغيير جزء من تصوراتنا عن ما يجب أن يبقى مستقبلًا.
-
ما الذي يجب أن يتعلمه طلاب العمارة حاليًا من دمج المواد الطبيعية في البناء؟
أشياء عديدة، إن العمارة ليست مباني فقط، لأن في النهاية جوهرها تصميم والتصميم هو استخدام الموارد بصورة ذكية، لذا نحتاج التعرف على الموارد خاصة الماء والشجر، والتفكير في كيفية استخدامها والتصرف معها في إطار بيئتنا.
أما المواد الدراسية، فنحن بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة التفكير أكثر من تعديل المحتوى. فلا يمكن تصميم مبنى افتراضي، رغم أن بعض الممارسات التعليمية تعتمد على ذلك. فكل مشروع مرتبط ببيئة حقيقية لها طبيعة وظروف محددة. وكل موقع يختلف سواء كان على النيل أو في الصحراء وغيرهم، وهذه الظروف يجب أن تشمل الطبيعة والناس معًا.
هناك إشكالية أخرى مشابهة في الإسكان والتخطيط، حيث يتم التعامل مع المكان باعتباره قابل للتغيير دون أخذ سياقه في الاعتبار. لذلك، المشكلة في طريقة فهمنا للبيئة المحيطة.
اقرأ أيضا: تدمير الحدائق العامة وإهدار التراث.. لماذا يدفع المصريون ثمن التطوير العشوائي؟



