ملف| «أشجار الأسمنت»
كان الشعراء يتغنون بأشجار المدن، فهي روح المكان وظلّه الحاني، وكانت المدينة التي بلا قلب -بتعبير أحمد عبد المعطي حجازي- مدينة بلا أشجار، أو أشجارها من الأسمنت.
كانت الأشجار علامة على الحياة والطمأنينة والقدرة على التنفس وسط الزحام. أما اليوم فقد تبدّل المشهد؛ إذ تحوّلت بعض المدن إلى كتل من الأسمنت، حتى بدا وكأن الأشجار نفسها صارت تُستبدل بأعمدة خرسانية وطرقٍ تمتد بلا ظل. وبينما كانت الأغنيات والقصائد تحتفي بخضرة الشوارع، باتت صور الجرافات وهي تقتلع الأشجار تثير جدلًا واسعًا حول معنى التطوير، وحدود ما يمكن أن تخسره المدن في سبيله.
اختفت، باسم التطوير، مساحات خضراء كانت تمثل متنفسًا بصريًا وبيئيًا للمواطنين. ومع كل شجرة تُقتلع، كانت تتصاعد تساؤلات الغضب: هل يمكن بناء مدينة حديثة بلا ظل؟ وهل أصبحت الأشجار عبئًا أمام خطط التطوير؟
وفي خضم هذا الجدل، أعلنت وزارة الثقافة مبادرة لتوثيق الأشجار وإنشاء «الأرشيف الوطني للأشجار المعمرة والنادرة». لكن الإعلان بدا بالنسبة لكثيرين متأخرًا؛ فالمبادرة جاءت بعد اختفاء آلاف الأشجار من شوارع وحدائق عريقة، وبعد أن تحولت القضية من تحذيرات بيئية إلى واقع يلمسه المواطن يوميًا في ارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء.
بينما يتحدث المسؤولون عن «خطة التوثيق»، يتحدث المواطنون عن «خطة الإبادة». فالمبادرة التي تأتي والأسفلت يغطي مكان الجذور تبدو في عيون الكثيرين كمن يكتب «مرثية» لفقيد كان يمكن إنقاذه بقليل من الاكتراث.
في هذا الملف، نرصد الصراع بين التوسع العمراني وبين الحق في المساحة الخضراء، ونسائل مبادرة وزارة الثقافة: هل هي طوق نجاة لما تبقى؟ أم أنها مجرد محاولة لتجميل واقع باتت تسيطر عليه كتل الخرسانة الصماء؟
اقرأ في الملف:
في أسوان.. توثيق الأشجار النادرة والمعمرة داخل الحدائق العامة
د. نبيل الهادي في ندوة «خرائط الأشجار»: الأشجار تصنع حياة كاملة وليست مجرد زينة
قطع أشجار «الميريلاند».. وخبير: «تدخلات عشوائية» تفقد مصر الجديدة ذاكرتها الخضراء
الأشجار العتيقة في البحيرة.. اقتلاع التاريخ من جذوره
د.«نبيل الهادي»: توثيق الأشجار ساعد في فهم الأنواع المناسبة لبيئتنا



