دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«مدحت سعودي».. عن لحظات القاهرة التي لا تتكرر والتشوش حين يصبح مألوفًا

بدأت علاقة المصور الفوتوغرافي «مدحت سعودي» بالتصوير عن طريق الصدفة، حين اكتشف موهبته أستاذه شريف المغازي، وهي اللحظة التي دفعته إلى احتراف التصوير. لكن ملامح تجربته الفنية لم تتشكل بصورة كاملة إلا بعد انتقاله إلى العاصمة الفرنسية باريس، التي يقيم فيها منذ عام 2013. وهناك أقام معرضه الأول داخل مستشفى قديم جرى تحويله إلى مساحة فنية مستقلة، وهو المعرض الذي شكّل نقطة انطلاق فعلية بالنسبة إليه، لتتوالى بعده مشاركاته في عدد من الجاليريهات الباريسية، من بينها «لارماتان» و«أوبرا دو ماسي» و«تانجو».

لعبت القاهرة وباريس دورًا مهمًا في تشكيل تجربته الفنية والإنسانية، فبينما أسهمت الثقافة المصرية وخبراته الأولى في تكوين وعيه البصري، منحته باريس مساحة أوسع للاحتكاك والتجريب واختبار أفكاره. ورغم ما يصفه بقسوة المدينة وندرة الفرص فيها، فإنه لا يتردد في اعتبارها مدينة معطاءة لكل من يحاول فهمها.

تنوعت مشروعات سعودي بين توثيق حركات الرقص وحياة الشارع وقضايا اللاجئين. وفي أحد المعارض التي أُقيمت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تعاون مع مؤسسة معنية بشؤون اللاجئين، حيث اختار ثماني نساء، وطلب من كل واحدة منهن اختيار كلمة تعبر عن ذاتها، لينجز في النهاية بورتريهًا بصريًا خاصًا لكل منهن. وفي عام 2023، قدم معرضه «انعكاس»، الذي رصد من خلاله شوارع باريس عبر الانعكاسات البصرية على الماء والأسطح المختلفة، وهو المشروع الذي شكّل محطة مهمة في مسيرته الفنية.

حين تتحول الصورة لصيد ثمين

خلال العامين الماضيين، كثف مدحت سعودي حضوره في القاهرة، فشارك في معرض مشترك بجاليري ضي برفقة الفنانة السورية لينا المالكي، قبل أن يقدم معرضه الفردي الأول في القاهرة بعنوان «تشوش مألوف» بجاليري فلك في جاردن سيتي.

جاءت فكرة المعرض من رغبته في تصوير شوارع القاهرة برؤية مختلفة، مستلهمًا الفكرة الأساسية التي انطلق منها معرضه الباريسي «انعكاس»، لكن بروح قاهرية خالصة. ومع مرور الوقت، ترسخ لديه يقين بأن شوارع العاصمة المصرية تمتلك حركية وديناميكية يصعب العثور عليها في أي مدينة أخرى، وهو ما دفعه إلى إعادة اكتشافها بصريًا من خلال انعكاساتها وتشوهاتها العابرة.

ومع انشغاله بالسؤال عن أسباب ابتعاده الدائم عن التصوير المباشر ولجوئه إلى وسيط بصري، كالماء أو المرايا أو الأسطح العاكسة، توصل إلى مفهوم «التشوش المألوف»، وهو المفهوم الذي منح المعرض اسمه وأصبح أحد مفاتيح فهم تجربته الراهنة.

ويعبّر هذا المفهوم عن حالة شخصية يعيشها الفنان بعد سنوات طويلة من الإقامة في أوروبا، إذ ينظر إلى القاهرة بعين مختلفة. فالتفاصيل القديمة التي عرفها لم تعد كما كانت، بل أصبحت تجمع بين الغرابة والألفة في الوقت نفسه. تلك الحالة حاول التعبير عنها بصريًا عبر صور تبدو مألوفة للوهلة الأولى، لكنها تحمل قدرًا من التشوش يدفع المشاهد إلى إعادة النظر إليها.

جانب من معرض "تشوش مألوف" للمصور مدحت سعودي.. تصوير: شهاب طارق
جانب من معرض “تشوش مألوف” للمصور مدحت سعودي.. تصوير: شهاب طارق
عفوية القاهرة

يرى سعودي أن ما يميز القاهرة هو العفوية التي لا تزال حاضرة في شوارعها. ويقول: «هنا الإيقاع أكثر هدوءًا وتدفقًا بالحياة، وهذا ما حاولت إبرازه في الصور. أذكر أن اليوم الذي غرقت فيه القاهرة بمياه الأمطار كان بمثابة هدية حقيقية منحتني فرصة لإعادة اكتشاف المدينة بطريقة مختلفة».

ولا يترك سعودي تكوين الصورة للصدفة، بل يخرج إلى الشارع حاملًا تصورًا مسبقًا لما يبحث عنه. وأحيانًا يعثر على الكادر المناسب ويقوم ببنائه بصريًا، لكنه ينتظر طويلًا حتى تكتمل عناصر الصورة، فيترقب مرور شخص معين أو حركة ضوء تمنح المشهد توازنه النهائي. ويقول: «لا أستخدم برامج التعديل، ولا أضيف أي رتوش إلى صوري. الصورة بالنسبة لي لقطة واحدة لا يمسها أحد، وكل شيء يتم ضبطه داخل الكاميرا قبل الضغط على زر الالتقاط».

ويضيف أن هذا الأسلوب يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر، لذلك يشبّه تصوير الشارع بالصيد، فالأمر لا يتعلق فقط بالعثور على المكان المناسب، بل بانتظار اللحظة التي يكتمل فيها التكوين الطبيعي للصورة.

اقرأ أيضا:مأساة الأزبكية والإمام الشافعي.. كيف تعيد العمارة قراءة تاريخنا؟

ذاكرة معلقة فوق الماء

توزعت لقطات المعرض بين حارات القاهرة القديمة وشوارعها الضيقة ومناطق مصر الجديدة. وجاء اختيار هذه الأماكن لأنها تعكس جانبًا أصيلًا من الهوية المحلية، وفيها يتحرك الناس بعفوية تجعل الشارع أشبه بشريط سينمائي حي لا يحتاج إلى أي تدخل أو افتعال.

ومن هنا بدأت مهمة الفنان في حفظ الذاكرة العابرة المنعكسة فوق سطح الماء. تلك التفاصيل اليومية التي قد يمر عليها كثيرون دون انتباه، أراد أن يمنحها فرصة للبقاء، وأن يحولها إلى صور تحفظ لحظات قد لا تتكرر.

ويرى أن لكل مشروع منطقه الخاص وشروطه المختلفة، لكنه يعتبر «تشوش مألوف» من أقرب مشروعاته إليه، بحكم ارتباطه المباشر بحياته الموزعة بين القاهرة وباريس. ويقول: «ربما أكون أنا شخصيًا المشوش الحقيقي الذي يحاول مشاركة تشوشه مع الجمهور».

جانب من معرض تشوش مألوف.. تصوير: شهاب طارق
جانب من معرض تشوش مألوف.. تصوير: شهاب طارق
بين مدينتين

يعتبر مدحت سعودي أن باريس مدينة «عنيفة فنيًا»، ومليئة بالمبدعين إلى درجة تجعل المنافسة شديدة والفرص أكثر صعوبة، لكنه يرى في الوقت نفسه أنها تمتلك آلية عادلة تسمح للمواهب الحقيقية بالظهور.

ويقول: «إذا كان المبدع يمتلك موهبة حقيقية فسيفرض نفسه في النهاية. كما أن مساحة المشهد المستقل هناك كبيرة جدًا، فكل حي تقريبًا يضم جاليريهات ومسارح ومبادرات ثقافية تستقبل تجارب متنوعة».

ورغم نجاحه في باريس، يؤكد أن تجربته الأخيرة مع الجمهور المصري تركت أثرًا خاصًا لديه، خاصة من خلال التفاعل الذي حظي به معرض «تشوش مألوف». ويضيف: «كل ما نحتاجه هو تقديم المزيد من المبدعين، لأن هناك جمهورًا حقيقيًا مستعدًا لاستقبال الأعمال الفنية والتفاعل معها».

وعن آليات الدعم الثقافي، يشير إلى أن فرنسا تعتمد على الدعم الحكومي إلى جانب المؤسسات والمبادرات المستقلة. وهنا يستعيد إحدى تجاربه الشخصية حين حصل على تمويل لمشروع فني بعد تقديمه عبر مؤسسة ثقافية داعمة. ويقول: «الدعم موجود بالفعل، لكنه يتطلب جهدًا وبحثًا ومعرفة بالجهات المناسبة وآليات التقدم إليها».

أما في مصر، ورغم أنه ما يزال جديدًا نسبيًا على المشهد الفني المحلي، فإنه يرى مؤشرات إيجابية وحركة متنامية خلال السنوات الأخيرة، مؤكدًا أن قوة المشهد تعود إلى غزارة وتنوع مبدعيه، فضلًا عن استيعابه لفنانين من مختلف البلدان العربية.

التلاعب بجماليات الصورة

عند الحديث عن علاقته الطويلة بالتصوير بالأبيض والأسود، يؤكد سعودي أن الأمر لم يكن مصادفة، بل خيارًا واعيًا شكّل جزءًا أساسيًا من مشروعه البصري. ويقول: «تتمثل رغبتي الأساسية في إبراز الضوء والتلاعب بجمالياته داخل الصورة. فالألوان في كثير من الأحيان، تشتت العين وتسحب جزءًا من الانتباه بعيدًا عن الضوء».

ويضيف أن الأبيض والأسود يمنحان الضوء فرصة أكبر للظهور وإبراز تفاصيله الدقيقة، بينما قد تتحول الألوان أحيانًا إلى عنصر منافس يقلل من تأثيره البصري.

اقرأ أيضًا: بين درب اللبانة وشارع النبي دانيال.. تجارب معاصرة في ترميم المدن التاريخية

جانب من معرض تشوش مألوف.. تصوير: شهاب طارق
جانب من معرض تشوش مألوف.. تصوير: شهاب طارق
مشروعات مفتوحة

عن مشروعاته المقبلة، يرى سعودي أن التخطيط ليس ضمانة للنجاح دائمًا، كما أن بعض المشروعات الارتجالية قد تحقق نتائج غير متوقعة. ويقول: «هناك أفكار نضع لها خططًا دقيقة للغاية، ثم لا يتحقق منها شيء في النهاية، وفي المقابل قد تنجح بعض المشروعات التي تبدأ بصورة غير متوقعة. لا توجد قاعدة ثابتة».

ويؤكد أن تركيزه الحالي ينصب على معرض «تشوش مألوف»، إذ يسعى إلى نقله وعرضه في باريس خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع مواصلة العمل على مشروعات جديدة ترتبط بمصر والقاهرة وتفاصيلهما الإنسانية والبصرية.

اقرأ أيضًا: رغم اعتراض سكان الزمالك.. بدء أعمال تطوير حديقة الزهرية التراثية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.