د. أمل نصر تكتب: «عَوْدٌ علىٰ بَدْء» وصناعة الأساطير الجديدة
رحلة الفن، بروعتها وشقائها، لا تمنح جوهرها النبيل إلا لمن يمتلك الجسارة والقدرة على التصدي لموجات الحياة، التي بسطوتها تزيح الكثيرين عن طريق الفن ليذوبوا في متطلبات الحياة العملية العادية وإلزاماتها النمطية التي تُحيد طريق الفن وتعتبره هامشيًا، فالفنان فقط يرى الفن من ضرورات الحياة بل ويعتبره داعمًا لها. وقد امتلك علي سعيد تلك الشخصية الجسورة التي أهلته لاجتياز رحلة الفن متحملًا جميع تبعاتها من شقاء ومتعة.
من هنا يتألق علي سعيد كاسم هام في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، فقد خط لنفسه طريقًا فريدًا في الفن، إذ يقدم فنًا معاصرًا بأدوات كلاسيكية لا تنكر أهمية الرسم والمهارات الأدائية والبناء الرصين للوحة.
إذا تأملنا تجربته الحالية بدت لنا لوهلة وكأنها خارجة من متون عصر النهضة، فالرسم محكم، والشخوص خارج الزمن، والتلوين يعتمد على تراكب طبقات عدة من التحضير والرسم وغلالات اللون والحذف والمحو أيضًا. وإذا أعدنا النظر، نكتشف أننا أمام عدة مناهل حضارية اجتمعت بشكل غير متوقع يبدو متناقضًا وغريبًا، وهذا ما يمنحها سحرها ويدفعنا لمحاولة الاكتشاف والربط وإيجاد مسار لتفسير حمولات رموزها وإنشاء قصتنا الخاصة معها، فقد بدت فضاءات أعماله كمتحف غرائبي يعزلنا عن تجهم الحياة ويثير لدينا فضيلة الدهشة المفقودة.
***
إنه تجوال بين الماضي والحاضر، ورحلة خاطفة غرائبية مثيرة للخيال، ينتقي فيها الفنان ما يهوى، ونحن في النهاية نحب الواقع الجديد الذي اختاره، فتسحبنا تفاصيله ونعيش معه في هذا الفضاء الجديد الغريب. تلك المفارقات العجيبة التي يضعنا فيها علي سعيد تجعلنا لا نمل من اكتشاف أعماله وإعادة النظر فيها مرات ومرات، ومحاولة نسج حكايتنا الخاصة والإمساك بخط درامي تكتمل معه، حيث يُلقي علينا برموزه المتشابكة ويتركنا في حيرة ومتعة التفسير.
ومما يؤكد هذا الحس الغرائبي أنه يصور أبطال أعماله في منطقة وسطى ما بين الكائن البشري الحي والتمثال، وهذا يضفي عليهم هالة من الغموض. كما أنه كثيرًا ما يضع شخوصه في فضاء مذهب يماثل سماوات جداريات الكنائس البيزنطية، فيخرجهم من دائرة الزمن اللحظي المؤقت إلى دائرة الخلود.
في حين تردنا خلفيات أعماله بمشاهد من أعمال عصر النهضة، ما بين خلفية لوحة “عذراء الصخور” لدافنشي بهياكلها الصخرية الحاضنة لشخصيات العمل، والتي تتلاشى حوافها الحادة مندمجة مع ضبابية السحاب، مغلفة بأجوائها الغائمة، وخلفية “مولد فينوس” لبوتيتشيلي حيث ينفث إله الهواء في الجو فتترقرق مياه البحر ويطير عن فينوس رداؤها الساتر، وخلفيات إل جريكو ذات السماوات المضطربة الدراماتيكية المزروعة بالمدن القديمة التي تعتلي التلال والربوات.
تحتشد ذاكرة علي سعيد بالصور، وتتحول لوحته إلى موئل لصور حضارية متعددة المصادر ينسجها معًا على غير توقع منا، فيصنع هذا العالم الغرائبي العجيب الذي يتجاور فيه السحري مع الواقعي، ويعطي نموذجًا قويًا لتلاقي الصور والرموز لصناعة أسطورة خاصة جديدة ننسحب إليها في رحلة أخّاذة.

“عَوْدٌ علىٰ بَدْء” وصناعة الأساطير الجديدة
في عام 2013، يبدأ الفنان علي سعيد في خطه الفني الأعمق والمرتبط بالتراث الإنساني، فتتسع رؤيته وتتعمق ويتفرغ لتجربته الإبداعية. يستذكر تاريخ الفن جيدًا، فجميع الأعمال الفنية على مدى التاريخ تُعد بدورها مصدرًا خصبًا للإبداع وإعادة التشكيل، ومن أهم انشغالات الفنان أن يفهم الأشكال الفنية في المراحل التاريخية المختلفة التي تمثل العالم الفني الذي ينتمي إليه، والذي يود أن يكون فنه جملة جديدة في سياقه. والتاريخ كما يُحملنا فكره، يُحملنا أيضًا صوره البصرية ورموزه وأشكاله.
ينتصر الفنان لفكرة التراكب والتراكم في تاريخ الفن، ويحقق تلاقيًا مثمرًا مع إبداعات هذا التاريخ، وتتقاطع تجربته مع صور حضارية قديمة أصبحنا نملكها، فيحقق مستوى جديدًا من التركيب، هو ثمرة حواره مع هذه الإبداعات.
ولا شك أن وضع اللمحات الحضارية الفنية في صورة بعض الرموز والأشكال التي تنتمي إليها يخلق نوعًا من التوتر بين الأزمنة المختلفة التي ينتمي إليها كل منها، بحيث تكتسب العناصر دلالات متغيرة وتحتمل قراءات مختلفة من المتلقين. يتسع أفق التلقي، وتتحرك ملكة الخيال لتخلق الروابط الجديدة مع مفردات الفنان في عوالمها الجديدة.
فعندما يستطيع عمل فني أن يجذبنا إلى فضائه فننفصل، ولو بشكل مؤقت، عن عالمنا لنصبح جزءًا من هذا الفضاء، ونحلق مع كائناته ونعيش في سكونه لحظات من العزلة المحببة، وقتها يكون الفن قد حقق غايته ومنحنا لحظات من الدهشة ومتعة الكشف. وهذا ما نمر به عند تأملنا لتلك السرديات البصرية التي يقدمها الفنان على سعيد في أعماله، فهي تحمل طابعًا ملحميًا أسطوريًا يعيدنا إلى بكارة الحياة ومحاولات الإنسان الأول لتفسير ظواهرها ومعطياتها.
وعي جديد بالتراث
امتلك علي سعيد وعيًا هرمنيوطيقيًا بالفن قاده للتعامل الواعي مع الفن بتاريخه الطويل، فالهرمنيوطيقا، كاتجاه فلسفي تعني «فن إيضاح وتفسير وتدبر ما يقال بواسطة آخرين نلقاهم في التراث». وتحتل خبرة الفن مكانة خاصة داخل هذه الفلسفة التي تقر بأن العمل الفني لا يدوم ويبقى معتمدًا على طابعه الوثائقي، وإنما على صداه الذي يتردد في وعي الأجيال التالية.
وعلى جانب آخر، فإن جميع المصورين ينتسبون إلى ذلك العالم الواحد، عالم التصوير، لذلك فأكثرهم يمتلكون الشغف للاطلاع على إبداعات عالمهم الواحد على مر العصور لتعميق رؤاهم وإثرائها، وكأنهم وجدوا في الماضي حياة خصبة تحقق لهم نوعًا من التبادل المستمر. أو كأن من شأن كل مصور يشرع في القيام بعمل فني جديد أن يأخذ على عاتقه إعادة النظر إلى فن التصوير كله، ابتداءً من ذلك التراث الذي خلفته له الأجيال السابقة.
ويقرر «ميرلوبونتى» أن مشكلة المصورين هي مشكلة واحدة، فهناك وحدة ضمنية تجمع بين سائر جهودهم، فأي فنان لن يخرج عن كونه جملة في مقال الفن الطويل، لكنها جملة لها أصداؤها سواء في الماضي أم في المستقبل. وتبقى دائمًا مادة حية لإعادة الطرح والتمثيل.
***
كما أن لكل فنان تصوره الأصل عن الفن، الذي يستمده من مجموع مشاهداته وخبراته السابقة، ومن كيان من الأعمال الفنية التي نالت إعجابه وتفضيله طيلة سنوات علاقته بالفن، بدايةً من مراحل التكوين الأولى، واستنادًا لما احتفظت به ذاكرته البصرية على امتداد حياته من صور لأعمال فنية تراكمت عبر السنوات.
والممارسة الفنية لدى كل فنان، مهما كان تفردها وخصوصياتها، تسترجع في طياتها الخبرات التقنية والبصرية السابقة، حتى ولو لم يكن فيها أي إشارة مباشرة إلى عمل فني بعينه، أو إلى مجموعة من الأعمال، لأن الفنان لا يستطيع أن ينفصل انفصالًا تامًا عن تراثه المعرفي السابق بالفن، بل ربما يمكن القول أيضًا إنه لا يملك إلا أن ينطلق من هذا التراث الذي يشكل «تصوره الأصلي» عن الفن، أو مرجعيته الخاصة التي تمكنه من تكوين رؤيته الفنية.

حوار معاصر مع جماليات المنمنمة الإسلامية
تتماس أعمال علي سعيد الأحدث مع المنمنمة الإسلامية، فهو يجري حوارًا معاصرًا واعيًا مع جمالياتها الفريدة. وقد كانت المنمنمة هي ذلك المعبر الذي افتتحه الفنان المسلم لتصوير الحياة وما وراءها، وهي أكثر أشكاله الفنية تحررًا وخيالًا، وقد أبدع من خلالها عوالم غرائبية فسيحة ضَمّنها صور الحياة كافة في أوج امتلائها وبهجتها.
وهي الشكل الفني الوحيد في التصوير الإسلامي الذي اتسع ليشمل مظاهر الحياة الدنيا بحكايات عشاقها ومحبيها، وحروب فرسانها، وأدبيات فنانيها، واختراعات علمائها، وأدوية أطبائها، وأعمال بنائيها، وحتى صور شياطينها وحكاياتها الخرافية. كما اتسع أيضًا ليحلم بمظاهر الحياة الآخرة التي يأملها ويتمناها من جنات ونخيل وأعناب وحدائق غناء. كل ذلك جعل بين المنمنمة الإسلامية وبين أعمال علي سعيد براحًا جماليًا وبصريًا مشتركًا.
وقد سبقت الإشارة إلى تجربة الفنان علي سعيد في إحياء تصاوير “كليلة ودمنة”، خاصةً موقف الصراع بين الثور والأسد، الذي أصبح علامة رمزية في أعماله لفكرة الصراع بشكل عام في العديد من أعماله السابقة، إلا أن تجربته الأحدث ترسخ العديد من جماليات المنمنمة الإسلامية، وخاصة فكرة الإطار، الإطار الذي يحوط الأشكال، سواء كان مربعًا أو مستطيلًا أو حتى دائريًا في بعض أعمال الفنان.
***
وأحيانا ما يكون مرصعًا بالزخارف أو الرسوم أو بتكرار حيوان ما، وبنفس التقنية الثرية التي تعتمد على تراكب الطبقات الشفافة التي تعطي عمقًا وبعدًا أثريًا تاريخيًا. ويستلهم الفنان علي سعيد نظم تصوير الإطار في المخطوطات الإسلامية، وكذلك خلفياتها المورقة والمذهبة والمزخرفة في بعض الأعمال؛ فالخلفيات المزخرفة مثلت مسرحًا للحدث المصور وللنص المكتوب في المخطوط.
ومن ناحية التقنية، فإن الورق المستخدم في المنمنمات كانت تتم صناعته في مشاغل خاصة، وهو يشبه في ذلك صناعة المنسوجات، وكان يلوّن بأنواع عديدة من الأصباغ النباتية غالبًا بدرجات مختلفة تعطي ألوانً متنوعة.
وفي القرن السادس عشر ظهر أسلوب الترخيم، ويتم ذلك بتحضير مادة سائلة وتمديدها، وعلى سطحها يُشكل تصميم بنقاط ذات درجات مختلفة اللزوجة. ثم يمدد فوق السطح ورق خاص فتنتقل الصورة إليه، وتكون النتيجة صفحة من الأشكال المتعارضة. وهي لا تصلح للرسم، إنما تستخدم كأرضية للخط وإطار للمنمنمات.
***
وهناك أشكال أخرى من الورق تُنقط بالذهب وتستخدم كهوامش أو أطر. وقد كانت هذه الأرضيات أو الخلفيات أو الأطر المزخرفة تؤدي دورًا وسيطًا بين الكتابة والصورة، إذ تحمل الإيقاع المشترك بينهما. وقد استفاد الفنان علي سعيد من هذه التقنية بصور مختلفة في أعماله الحديثة، فمنحها تأثيرًا يمزج بين الماضي والحاضر بصورة ساحرة وموحية.
والإطار عند علي سعيد يعزل عالمًا ما، وقد تقتحمه بعض المفردات أو تخرج منه، فتكسر انتظامه واستقراره لوهلة، لتخلق حركة مفاجئة تشكل جزءًا من جمال الموضوع وطرافته. فكل حركة في إطار موضوعات الفنان ذات التكوينات الراسخة تحمل جمالية خاصة، وكأنها وعد بالحياة والتغيير. وقد ظهر هذا جليًا في خروج الأشكال وتمردها على إطار العمل في المنمنمة الإسلامية، لتبدأ اختراقًا مثيرًا للإطار الداخلي المقرر لمساحة الصورة داخل الصفحة، فيبدأ الشكل في اقتحام حواف الفراغ المحيط، وكأن العالم المصور ينسكب مندفعًا خارج حدوده، فتمتزج الصورة الخيالية بالصورة الواقعية.
وكما أن مظاهر الكون تتحول في المنمنمة الإسلامية إلى أيقونة يمكن التأمل فيها بعناصرها وأشكالها العديدة المندمجة في وحدة واحدة، كذلك اتخذت أعمال الفنان طابعًا أيقونيًا متكاملًا وباعثًا للتأمل.
***
وقد استحضر الفنان الحالة الغنائية للمنمنمة من خلال الوشي الدقيق لكل تفاصيل الطبيعة: الأشجار الوارفة، والأزهار، والنباتات، والحيوانات، والأنهار، والجبال. وقد التصق فيها الإنسان بالطبيعة بطلًا أساسيًا يتناغم معها في نسق متكامل يربط بين أجزاء العمل، وهي تحمل حركة داخلية وإيقاعًا بالامتداد اللانهائي للوجود، على الرغم من مظهرها السكوني الذي يخرج عن مبدأ التعيين الزماني والمكاني.
وحتى عندما تشكِّل مظاهر المكان طرفًا في موضوع الفنان، فإنه يستعين بخاصية التراكب المكاني، فيصور عدة أماكن متداخلة أو منفتحة على بعضها البعض دون الالتزام بنقطة رؤية واحدة. إنه لا يتعلق بالمظاهر الواقعية المكانية، بل يأخذ من المكان قوانينه ونظمه كما تتجلى في القريب والبعيد، والعالي والمنخفض، والمسطح والنافر، لكنه يعيد صياغة تلك القوانين بمنطق الخيال لا بمنطق الواقع المحدود، حيث يستلهم القوانين والنظم الكونية والطبيعية التي تحكم الفضاء والطبيعة والإنسان.

***
وهو يجمعها ويوحدها جمعًا وتوحيدًا منظمين مستقلين بقوانينه ونظمه الخاصة في مساحة العمل الفني. وقد نجح الفنان علي سعيد في أن يستخدم الوحدة الزخرفية النباتية أو المفردة الحيوانية المتكررة في إيقاع شبه ثابت في أعماله، باعتبارها قيمة تعبيرية. والتكرار في هذه الوحدة يثير فينا بهجة مبعثها التأمل ومحاولة تتبع ما هو قادم وما قد انتهى. كذلك فإن هذه الوحدات المتشابهة، التي ليس فيها تناظر، تعطي نوعًا من التكثيف للتكوين، فيصبح ذا نظام متداخل بدقة، يكاد يماثل الفسيفساء ذات الإيقاعات العالية.
ونجد للون عند الفنان حلولًا ثرية حتى في الأشكال المتناهية الصغر، وكذلك في تكوين أبطال العمل الرئيسيين. من هنا أجرى الفنان حواره المعاصر مع المنمنمة التي أضافت لأعماله بعدًا تاريخيًا وفلسفيًا عميقًا.
الخاتمة
لقد امتلك علي سعيد الرؤية الفنية التي أتاحت له القدرة على التعامل مع العالم بوصفه كيانًا قابلًا للتشكل، وامتلك جرأة العبور المتواصل من حالة الوجود المستقرة إلى التكوينات والأبنية الخيالية بأطر جديدة وروابط جديدة وعلاقات جديدة، وشجاعة تفكيك المرئيات وإعادة بنائها في أسطورة جديدة.
فالفنان ينظر إلى الأشكال والعناصر والأشياء جميعها بوصفها ممكنات، أي إنها يمكن أن تكون على نحوٍ آخر، وهو قادر، مزودًا بخياله، على خلق صور تختلف عن المصدر الذي استمد منه أشكاله، سواء كان هذا المصدر هو الطبيعة بعناصرها أو الفن بإنتاجه على مر العصور. كما أنه قادر على إعادة تشكيلها وإدخالها في صور متخيلة جديدة عن طريق إقامته لعلاقات جديدة بين هذه العناصر، بما يمنحها وجودًا جديدًا.
كانت هذه رحلتنا في بعض أروقة المتحف الغرائبي الذي شيّده الفنان علي سعيد، والذي يضيف إليه في كل لوحة رواقًا جديدًا، يأخذنا من ضيق العالم لرحابة الفن.
اقرأ أيضا: الفنان علي سعيد يكتب عن تجربته الفنية: «أساطير الأولين»



