زمن «الكاسيت» في البحيرة.. كيف صنعت الأشرطة ذاكرة جيل كامل؟
في مدينة دمنهور، ما يزال شارع يحمل بين تفاصيله واحدة من أقدم حكايات بيع أشرطة الكاسيت، حيث ارتبط المكان بمحل شكّل جزءًا من ذاكرة الناس وصوت مرحلة كاملة من الزمن، كان فيها الكاسيت نافذة رئيسية على الموسيقى والقصص العاطفية، وأداة تعبر من خلالها الأغاني إلى قلوب المستمعين، وترسم ملامح علاقات وحكايات حب امتدت من الشارع إلى البيوت، فكانت أشرطة الكاسيت وأغانيها الرومانسية شاهدًا ورسولًا للغرام.
بداية حكاية “صوت الحب الجديد”
بدأت حكاية خالد يونس، صاحب محل “صوت الحب الجديد”، مبكرًا حين قاده شغفه بالموسيقى إلى شراء أشرطة الكاسيت باستمرار، في وقت لم يكن سعر الشريط يتجاوز ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه تقريبًا. ومع الوقت تحولت الهواية إلى ارتباط حقيقي بعالم الكاسيت والغناء. فبعد تخرجه في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية وسفره لفترة خارج مصر، عاد ليقرر دخول مجال تجارة أشرطة الكاسيت مدفوعًا بحبه للمجال، وتعرف تدريجيًا إلى تفاصيل السوق، من الإنتاج والتوزيع وحتى حركة البيع والطلب، ثم افتتح متجره عام 1986 واستمر في العمل لسنوات طويلة.
ومع تطور التكنولوجيا، بدأت صناعة الكاسيت تتراجع تدريجيًا، خاصة بعد انتشار الهواتف المحمولة وتغير عادات الاستماع، كما قلّصت شركات الإنتاج تصنيع الأشرطة واتجهت إلى الأقراص المدمجة (CD)، التي انتشرت بشكل واسع بين عامي 2006 و2007.
ورغم أن الأقراص المدمجة كانت أحدث، فإن ارتفاع أسعارها آنذاك حد من انتشارها، إذ وصل سعر الأسطوانة إلى نحو 30 جنيهًا، مقابل 18 جنيهًا تقريبا لشريط الكاسيت، كما أن أجهزة تشغيل الأقراص المدمجة لم تكن متوافرة في جميع المنازل، وهو ما ساعد الكاسيت على الاستمرار لفترة أطول.
ولفت إلى أن سعر شريط الكاسيت في بداية عمله كان ثلاثة جنيهات ونصف الجنيه، وكانت أسعاره تزيد بمتوسط نصف جنيه تقريبًا سنويًا، حتى بلغت أسعار ألبومات عمرو دياب 12 جنيهًا. ويتذكر أن ألبوم أصالة “لو تعرفوا” أحدث ضجة كبيرة في التوزيع، ووصل سعره في بعض الفترات إلى 18 و20 جنيهًا في الألفية الثانية، في ظل ارتفاع الطلب عليه وندرته النسبية.

التوزيع الفعلي ومؤشرات النجاح
يؤكد خالد يونس أن معايير النجاح التجاري في سوق الكاسيت لم تكن تعتمد فقط على جودة العمل الفني، بل على حجم التوزيع الفعلي خلال الأسابيع الأولى من الإصدار، وهو ما كان يعكس الشعبية الحقيقية للألبوم. وكان للأغنية المنفردة “السينجل” دور أساسي في رفع المبيعات، إذ كانت أغنية واحدة ناجحة كفيلة بدفع الجمهور إلى شراء الشريط بالكامل، حتى لو لم تكن بقية الأغاني بالمستوى نفسه.
لذلك كانت شركات الإنتاج تركز على اختيار الأغنية الرئيسية وتسويقها مبكرًا عبر الإذاعات والبرامج التلفزيونية. كما ساهمت طبيعة السوق في خلق حالة من الندرة المؤقتة لبعض الإصدارات الناجحة نتيجة عدم قدرة خطوط الإنتاج على تلبية الطلب المتزايد، وهو ما كان يزيد من قيمة الألبوم ويضاعف الإقبال عليه.
ويضيف أن صناعة شرائط الكاسيت في مصر شهدت حالة من الازدهار لسنوات طويلة، حيث ضمت منظومة متكاملة من المصانع والورش المتخصصة، بداية من تصنيع الشرائط الفارغة، مرورًا بطباعة الأشرطة والأغلفة، وصولًا إلى شركات التوزيع والمكتبات التجارية، الأمر الذي وفر فرص عمل لعدد كبير من العاملين في هذا المجال.
ومع تراجع سوق الكاسيت وتوقف النشاط تدريجيًا، تأثرت تلك المنظومة بالكامل، واضطر كثير من العاملين في توزيع الشرائط إلى تغيير نشاطهم التجاري والاتجاه إلى مجالات أخرى.
اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان
ظهور الأزمة مع ظهور الهواتف المحمولة
بدأت أزمة صناعة الكاسيت مع ظهور وانتشار الهواتف المحمولة، حيث تراجعت تجارة الأشرطة بشكل شبه كامل، خاصة بعد اختفاء الخامات المستخدمة في تسجيل الشرائط الفارغة، لتتحول المهنة تدريجيًا من نشاط تجاري إلى جزء من التراث والذاكرة الفنية.
ويوضح خالد يونس أن هناك فئة من الهواة ما زالت تبحث عن أشرطة الكاسيت القديمة، ليس بغرض الاستماع إليها فقط، وإنما للاحتفاظ بها ضمن مجموعات خاصة لفنانين بعينهم، مشيرًا إلى أن بعض الزبائن يحرصون على جمع أعمال مطربين محددين، مثل ميادة الحناوي ووردة وغيرهم.
ورغم ذلك، لا يزال الطلب قائمًا على بعض الأشرطة النادرة، لافتًا إلى أن أشرطة محمد منير أصبحت شبه منتهية لديه بسبب كثرة الطلب عليها، كما أن الأشرطة التراثية لفنانين كبار مثل فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ما زالت تحظى بإقبال كبير من محبي التراث الفني.
وأشار إلى أن بعض الفنانين لا تزال أعمالهم مطلوبة حتى اليوم، ومن بينهم الراحل فريد الأطرش، لافتًا إلى أن أحد الزبائن اشترى جميع الأشرطة لديه بهدف تكوين مجموعة خاصة.
شرائط الكوكتيل الأعلى سعرًا والأكثر انتشارًا
حول ما يُعرف بشرائط الكوكتيل، يروي خالد أنه بدأ هذا النشاط في تسعينيات القرن الماضي، وأن شريط الكوكتيل كانت من أكثر المنتجات طلبًا، حيث كانت الأغاني تُرتب بعناية داخل الشريط لتبدو وكأنها حوار موسيقي متصل. كما كانت بعض الشرائط تُخصص للمناسبات العاطفية والخطوبة، مع استخدام خامات فاخرة وصل سعر بعضها إلى 50 جنيهًا آنذاك.
وأوضح أن تجهيز الشرائط كان يتم داخل الاستوديوهات للحصول على أفضل جودة صوت، بينما اشتهر محله بسرعة تنفيذ الطلبات، وهو ما ساهم في زيادة الإقبال عليه حتى أصبح الشارع معروفًا بين الأهالي باسم “شارع صوت الحب”، نسبة إلى اسم المحل.
وأشار إلى أنه كان يتعامل مع الوكلاء الرسميين لشركات الإنتاج لضمان جودة الشرائط ومنع تداول النسخ المقلدة، كما تعاون مع شركات للموسيقى العربية والأجنبية، إضافة إلى موزعي المصاحف والمواد الدينية.
ولم يقتصر نشاطه على الأغاني العربية بل امتد إلى الموسيقى الأجنبية التي كانت تتطلب معرفة بأنواعها المختلفة، مثل الروك والديسكو والميتال والموسيقى الكلاسيكية. كما أن بعض الأشرطة الأجنبية كانت تحتوي على كتيبات مترجمة للأغاني، وهو ما منحها شعبية كبيرة بين الشباب.
وأكد أن قيمة بعض الشرائط اليوم أصبحت ترتبط بندرتها، خاصة الإصدارات القديمة التي اختفت من السوق، مثل بعض ألبومات محمد منير وحميد الشاعري، والتي تحولت إلى قطع نادرة يبحث عنها الهواة.
نجوم التسعينيات.. محمد فؤاد ومنير والحجار
يذكر خالد يونس أن الذوق الموسيقي لزبائن الكاسيت كان متنوعًا، فبينما فضّل الشباب نجوم التسعينيات مثل محمد فؤاد ومحمد منير وعلي الحجار، ظل هناك جمهور متمسك بعمالقة الطرب مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة وسيد مكاوي.
كما شهدت الأشرطة الشعبية رواجًا واسعًا، خاصة أعمال مثل الراحل رمضان البرنس، والأغنية البدوية التي لاقت رواجًا بين أبناء محافظة البحيرة، خاصة مراكز حوش عيسى وأبو المطامير والدلنجات ووادي النطرون. وأشار إلى أنه لم يكن يعمل في مجال الأغاني البدوية نظرًا لوجود تجار وشركات متخصصة في هذا اللون الغنائي، من بينها شركات أخرى كانت تتولى إنتاج وتوزيع أعمال مطربي الأغنية البدوية لمطربين مثل عوض المالكي وأبو خشيم وغيرهما.
اقرأ أيضًا: بحيرة «نبع الحمرا»… حكايات النشأة وأسرار الاستشفاء وصرخات من الإهمال الرسمي
المطربون المحليون.. محب والعمدة وشفيقة
كما كان للمطربين المحليين سوق خاص من خلال بعض شركات الإنتاج المحلية التي اهتمت بهذا اللون الغنائي. ويتذكر “خالد” أيضًا بعض الأسماء التي حققت حضورًا جماهيريًا في المدينة، مثل محمد محب وأسامة العمدة، والمطربة شفيقة التي كانت أشرطتها تطبع في طنطا ودمنهور وتحقق مبيعات كبيرة في مختلف أنحاء مصر.
واستعاد ذكريات قصص الحب المرتبطة بشرائط الكوكتيل، موضحًا أن بعض الشباب كانوا يطلبون إعداد شريط رومانسي كامل، ثم تعود الخطيبة بعد أيام لتطلب شريطًا آخر ترد فيه بالأغاني نفسها بطريقة عاطفية.
وعن أبرز الألبومات التي صنعت حالة جماهيرية كبيرة، يتذكر ألبوم “لو تعرفوا” للفنانة أصالة، وألبوم “لولاكي” لعلي حميدة، الذي وصفه بأنه ظاهرة غيرت شكل السوق وقتها. ويختتم خالد يونس حديثه بالتأكيد على أن عمرو دياب كان حالة استثنائية، إذ كانت ألبوماته تتحول فور صدورها إلى حدث جماهيري يحرك الشارع المصري كله.
لماذا ما زالوا يبحثون عن شرائط الكاسيت القديمة؟
شدد خالد يونس على أنه رغم انهيار سوق الكاسيت بداية من عام 2008، فإن الطلب عاد للارتفاع خلال السنوات الخمس الأخيرة، خاصة من هواة الاقتناء في مصر ودول الخليج وأوروبا، حيث تصله طلبات من السعودية والكويت وسلطنة عمان وإنجلترا وبلجيكا للحصول على شرائط أصلية نادرة.
ورغم اختفاء الكاسيت من الاستخدام اليومي، لا تزال هناك فئة من الجمهور تبحث عن الأشرطة القديمة، سواء للاستماع أو للاحتفاظ بها ضمن مجموعات خاصة، باعتبارها مقتنيات تحمل قيمة معنوية وذكريات مرتبطة بزمن مختلف.
وأكد أن أكثر الفنانين الذين لا يزال الجمهور يبحث عن أشرطتهم هم جورج وسوف، وعمرو دياب، ومحمد فؤاد، وراغب علامة، ومحمد منير، إلى جانب نجوم الطرب الكلاسيكي مثل فريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ونجاة، وفايزة أحمد، وفيروز.
ولا يزال «خالد يونس» حتى اليوم يحتفظ ببعض الأشرطة النادرة التي يرفض بيعها، ومنها تسجيلات قديمة لشفيقة، وجورج وسوف، والمغني الدمنهوري أسامة العمدة، وغيرهم، معتبرًا أنها تمثل جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
اقرأ أيضًا: هنا وادي النطرون.. من رحلة العائلة المقدسة إلى مشروع قومي لإحياء التراث







