دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

د.«إسراء عصام»: المجتمعات الحدودية أكثر قدرة على حفظ تراثها

الذاكرة الشفوية هي الخيط المشترك لدى مجتمعات البجا والأمازيغ للحفاظ على التراث

على أطراف الخريطة، حيث تتشكل في المجتمعات الحدودية حكايات أخرى عن مصر وتراثها، وفي وقتٍ تتركز فيه الجهود على التاريخ المادي بوصفه عنوانًا رئيسيًا لهويتها، يأتي هذا الكتاب ليعيد توجيه قراءتنا نحو الإنسان والمجتمعات المهمشة. بين واحة سيوة في أقصى الغرب، ومناطق حلايب وشلاتين في الجنوب الشرقي، تقترب الدكتورة «إسراء عصام»، الباحثة في الچيومورفولوچيا الحضرية، من عالم الأمازيغ والبِجا، لرصد تفاصيل حياتهم اليومية من عادات وتقاليد وطقوس، حتى اللغة والطعام، لتقدم صورة أقرب إلى السيرة الإنسانية لمجتمعات غالبًا ما يتم اختزالها في صورة نمطية أو تهمش في السرد العام.

في هذا الحوار، نتوقف مع الكاتبة لتروي لنا رحلة كتابها «الأمازيغ والبجا في مصر.. حكايات الهوية والفلكلور»، ونفهم كيف رأت التنوع الثقافي في مصر، وما الذي يمكن أن نتعلمه حين نعيد النظر إلى مصر من أطرافها.

  • ما الذي دفعك لتوثيق التنوع الثقافي في مصر من خلال هذا الكتاب، ولماذا اخترت مجتمعي الأمازيغ والبِجا تحديدًا؟

الدافع الأساسي هو شعوري بأن هناك “مصر أخرى” تعيش بجوارنا ولا نعلم عنها شيئا، فهي غير مرئية في السرديات السائدة. ونحن، كمكون مجتمعي كامل، نتحدث كثيرًا عن الهوية المصرية بصيغة واحدة؛ بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتفصيلًا، وقد أشار في ثناياه إلى تكوين مصر التاريخي والإنساني عبر الأزمنة والعقود.

جاء اختيار مجتمعي الأمازيغ والبجا لأنهما نموذجين صحراويين بامتياز، وقد أردت بداية تناول مجتمعات الصحراء كتقسيم وتشريح جغرافي للهويات المصرية المتعددة، بدلًا من بتقسيمها على أساس عرقي أو كثافة سكانية أو حجم التأثير في المجتمع الأكبر.

فالتقسيم الجغرافي، بالنسبة لي، كان أكثر علمية وحيادًا. كما أنهما يمثلان نموذجين لفكرة الهوية العابرة للحدود، ويظهران قدرة العاملين الجغرافي والأنثروبولوجي على صبغ المجتمعات الحدودية بثقافات دول الجوار. ورغم ذلك، طرح تناول هذين المجتمعين سؤالا مهما بداخلي: كيف تحافظ جماعة ما على هويتها الخاصة دون أن تنفصل عن الوطن الأكبر؟

  • كيف أعادت هذه التجربة صياغة رؤيتكِ لفكرة الأقليات داخل المجتمع المصري؟

حقيقة، تغيرت علاقتي مع المصطلح نفسه. وأصبحت أتعامل معه بحذر أكثر لما يحمله من حساسية لدى الآخر الذي أدرسه. فقد لاحظت أن كثيرًا من أبناء هذه المجتمعات لا يرتاحون لمصطلح “أقلية” ويشعرون بقدر من الضيق بسببه، لما يحمله من إيحاءات ضمنية بالتهميش أو التقليل من القيمة.

أما من الناحية الأكاديمية، وبحكم تخصصي في الجغرافيا، فأنا أنظر إلى “الأقلية” بوصفها توصيفًا عدديًا وكثافيًا فقط، مرتبطًا بعدد السكان وتوزيعهم الجغرافي، لا حكمًا قيميًا أو نظرة دونية. وأرى أن من مسؤولية الباحث أو الكاتب، خاصة في العلوم الاجتماعية، أن يراعي هذا البعد الإنساني، وأن يقدر أسباب هذا الرفض، بدلًا من تجاهله.

اقرأ أيضا: «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

  • وصفتِ الهوية بأنها نسيج مركب.. كيف رأيتِ هذا المفهوم متجسدًا في الحياة اليومية داخل واحة سيوة والمناطق الحدودية؟

حين وصفت الهوية بأنها نسيج مركب، قصدت أنها لا تُبنى من خيط واحد ولا من عرق واحد أو ثقافة واحدة. بل من طبقات متداخلة من اللغة والعادات والجغرافيا والتاريخ، وهو ما يظهر بوضوح في المجتمع السيوي. فاللغة الأمازيغية حاضرة في البيوت والتعاملات اليومية، بينما تستخدم العربية في التعليم والتعاملات الرسمية. وكذلك في التواصل مع الغرباء، وعلى منصات التواصل الاجتماعي لنقل ثقافتهم، خاصة أن اللهجة السيوية منطوقة أكثر من كونها مكتوبة.

ويتحرك الفرد السيوي بسلاسة بين هاتين الدائرتين دون أن يشعر بتناقض أو غربة، لا سيما في الوقت الحالي. ورغم ذلك، لا أنكر أن كبار المجتمع يتخوفون أيضًا من اندثار لغتهم المحلية بسبب الحداثة والانفتاح وحركة السياحة. هذا التركيب المعقد، لا يُعاش كصراع، بل كحالة من التوازن المرن، حيث يعيش الفرد هويته بشكل طبيعي ومتداخل.

  • هل وجدتِ فرقًا بين مفهوم الهوية كما يُطرح في الخطاب العام وبين ما عايشتِه على أرض الواقع؟

نعم، بالتأكيد. في الخطاب العام تُطرح الهوية بصيغة مبسطة ومغلقة، كأنها قالب جاهز وانتماء واحد يختزل كل شيء. وكأن الإنسان يمكن أن يختصر في هوية واحدة صافية، وهو تصور سطحي.

أما على أرض الواقع، فالهوية أقل ميلا للتصنيف الحاد، ولم أجد هذا القلق حول “من نحن؟”، بل وجدت هوية متعددة الطبقات. شخص قد يكون أمازيغيا أو بجاويا، وفي الوقت نفسه مصريا. ومن مساوئ الخطاب العام أنه يضخم الاختلاف أو يقبله بشروط، أو يضعه في إطار صدامي.

  • لماذا يثير الحديث عن التنوع العرقي أحيانًا جدلًا أو سوء فهم؟

لأن البعض ينظر إلى الحديث  عن التنوع العرقي باعتباره دعوة للتقسيم أو التشكيك في وحدة المجتمع، بينما هو في جوهره محاولة للفهم وإبراز ثراء المجتمع وتعدديته. ويرتبط ذلك أيضا بالاعتياد على تصور واحد للهوية، ورفض الحياد عنه.

كما يخلط البعض بين التنوع الثقافي والانفصال السياسي، بينما الحقيقة أن معظم المجتمعات، بما فيها مصر، تشكلت من طبقات هوية متعددة دون أن يتعارض ذلك مع الانتماء الوطني.

  • هل ترين أن الاعتراف بالتعدد الثقافي يعزز الهوية الوطنية أم يثير مخاوف؟ ولماذا؟

أراه في جوهره عامل تعزيز لا تهديد، والشرط هو طريقة الفهم والتقديم. وما لمسته من خلال تجربتي في الكتاب والتعامل المباشر مع الجماعات المذكورة، أن المجتمعات التي يُعترف بتنوعها تكون أكثر توازنًا وانتماءً وطنيًا. لأن الاعتراف والتقدير يمنح الأفراد شعورًا بالانتماء الكامل دون الحاجة إلى إنكار جزء من هويتهم.

وربما يشبه ذلك فكرة التقبل غير المشروط التي يلمسها الإنسان في علاقاته مع شريكه أو أصدقائه. كلما تقبلنا الآخر دون شرط أو مصلحة أو مقارنة بالاختلاف، أصبحنا أكثر حميمية وانسجامًا معه. ويمكن تشبيه ذلك بتناغم العلاقات الإنسانية الذي يمكن تطبيقه أيضا على المجتمعات.

غلاف كتاب الأمازيغ والبجا في مصر.. الصورة من الباحثة
غلاف كتاب الأمازيغ والبجا في مصر.. الصورة من الباحثة
  • كيف يمكن التمييز بين الانتماء القومي للمجتمع وبين الأصول الإثنية المتنوعة داخله؟

التمييز هنا لا يعني الفصل أو التعارض؛ وإنما فهم مستويات مختلفة من الهوية ومكوناتها. والفرق بينهما كالفرق بين العام والخاص، فالهوية القومية هي الإطار العام والشامل. بينما الهوية الإثنية هي الجزء الخاص الذي يقبع تحت مظلة الانتماء للوطن.

فالانتماء القومي يرتبط بالدولة والتاريخ المشترك والمؤسسات التي تجمع الناس داخل كيان سياسي واحد. أما الهوية الإثنية فتتعلق بالجذور الثقافية، واللغة، والعادات والتقاليد، والذاكرة الجمعية، وملامح الفلكلور وأنماط الحياة داخل اليوم الواحد التي تميز جماعة عن أخرى بداخل نفس الوطن أي أنها صندوق بداخل صندوق أكبر وأوسع وأشمل.

  • لماذا ترين أن الفلكلور الشعبي يمثل وعاءً للذاكرة الجمعية لهذه المجتمعات؟

لأن الفلكلور هو القالب الذي تحتفظ فيه المجتمعات بهويتها، وهو لا يؤدي وظيفة ترفيهية فقط، إنما هو وسيلة لفهم العالم والوطن والحياة من جيل إلى آخر. فالحكاية الشعبية مثلا قد تجمل تاريخًا غير مكتوب، وأغاني العمل في واحة سيوة مثلا تعكس ارتباطًا بالأرض وعادات وتقاليد المزارعين. أكثر عمقا وتفصيلًا مما يكتبه كاتبًا أو باحثًا من خارج الواحة. تحمل أغانيهم فلسفة الارتباط بالمكان والعلاقة بينه وبين الإنسان أكثر مما هو موصوف أو لا يظهر في أشكال السرد الرسمي والمراجع الأكاديمية الجافة.

وقد تتغير أنماط الحياة في ظل تحولات الحداثة، ولكن يظل الفلكلور محتفظا بقدرته على الصمود والتوارث. بوصفه وعاءً حيًا يتجدد ويتطور، ويعكس كيف ترى تلك المجتمعات الصغيرة نفسها وكيف تعبر عن هذه الرؤية.

  • إلى أي مدى يمكن للطعام المحلي والعادات المرتبطة به أن تكشف عن هوية المجتمع؟

بالنسبة لي، يمثل الطعام أكثر المفاتيح صدقا وإنسانية لقراءة هوية أي مجتمع. وعند اهتمامي بدراسة مجتمع جديد، أنظر أول ما أنظر إلى طريقة إعدادهم للخبز الخاص بهم. فمثلا، يقوم رعاة الإبل من البجا بإعداد خبزهم باستخدام المياه والدقيق ويعدونه على الرمال، وهو ما يعكس طبيعة ترحالهم واعتمادهم على أقل الموارد المتاحة وسرعة التحضير.

كما أن مكونات الطعام، تُخبر كثيرا عن الناس، فهي تعكس مواردهم المحلية، وأنماط الزراعة، والوظائف السائدة في المجتمع، سواء كان مجتمعا رحالا أو مستقرا زراعيا. وكما يخبرنا الطعام عن الأرض والزراعة، فإنه يعكس أيضا البيئة والجغرافيا المحيطة، بما تحمله من خصائص مناخية وطبيعية.

***

ويمتد دور الطعان إلى السياق الاجتماعي، من عادات الضيافة، وطقوس الإعداد والتقديم، إلى الأطباق المرتبطة بالأعياد والاحتفالات في مناطق مثل سيوة وحلايب وشلاتين أبو رماد.

وكل هذه العناصر تكشف عن منظومة متكاملة من العلاقات بين الإنسان ومحيطه، فقد تحكي وجبة واحدة ما لا تحكيه كتب كاملة عن طبيعة التفاعلات الاجتماعية. كما يرتبط الطعام بالتاريخ والذاكرة، فبعض الأطباق في مجتمع البجا لها امتدادات سودانية، بينما تحضر بعض أكلات واحة سيوة بالمكونات والطرق نفسها التي يستخدمها الأمازيغ في ليبيا والجزائر.

  • أشرتِ إلى أهمية الزيتون والبلح في الثقافة السيوية.. هل يحملان دلالات رمزية أو اجتماعية تتجاوز كونهما مجرد طعام؟

الزيتون والبلح والنخلة عناصر مقدسة  عند السيوي، وحضورهم يتجاوز أطباق الطعام إلى مستوى رمزي واجتماعي عميق ومهم للغاية. الزيتون مثلًا عندهم يرتبط بفكرة الاستمرارية والبقاء والاستقرار. فشجرة الزيتون شجرة معمرة تعيش لسنوات طويلة، وفي بقاءها واستمراريتها تلك عكست الجذر المتأصل بين الإنسان السيوي وواحته. فهو مستمر في أرضه رغم الصراعات القديمة بينه وبين البدو، ودائم فيها رغم ما شهدته الواحة من نزاع بين قبائل الشرقيين والغربيين، ومستقر رغم تهميش الواحة لعقود طوال ماضية.

أما البلح، فقد كان رمز الطاقة في بيئة تنتج أكثر ما تنتج هذين العنصرين، وإلى اليوم ورغم الحداثة وتبادلات التجارة بين سيوة وبين الإسكندرية ومرسى مطروح والقاهرة، لا يزال طبق “التجلانتيني” هو الطبق الرئيسي في فطور البيت هناك، وطاقته هي ما تعين الإنسان على الزراعة والعمل والإبداع الذي نراه في المشغولات السيوية المتعددة من ملابس وسجاد وأباجورات الملح وغيرها.

التقديس لثمرة البلح ظاهر أيضا في تعاملهم مع النخلة التي تنتجه، فهناك عادة سيوية مرتبطة بالأعراس يقوم فيها العريس بتقديم “الجمار” (قلب النخلة) لأم العروس. يمنح الأم عنصر مقدس وغالي عنده مثلما منحته هي جزء من رحمها وخصوبتها. وتقديسًا واحترامًا لرحم الأرض كذلك، لا يختار إلا النخلة التي توقفت عن إعطاء الثمر. كل الأطباق هناك والعادات المرتبطة بها لغة ثقافية في حد ذاتها، معظمها تقريبًا يدخل في إعدادها عنصر الزيتون والبلح.

  • كيف ساهمت البيئة الطبيعية في تشكيل العادات والتقاليد وأنماط الحياة داخل هذه المجتمعات؟

الجغرافيا دائمًا هي الفاعل الأساسي في صياغة تفاصيل الحياة اليومية. وهي العنصر المُشكل للعادات والتقاليد. ففي واحة سيوة، فرضت جغرافيا الواحة نمطًا خاصًا من الحياة قائم على إدارة الموارد المحدودة خصوصًا المياه والأراضي الزراعية والبحيرات الملحية. وبسبب انتشار بحيرات الملح والعيون والآبار داخل الواحة؛ فإن أول ما يعلمه الرجل لطفله هو السباحة. حتى لا يصيبه غرق في إحدى تلك العيون.

أما فكرة الأرض الزراعية واعتماد الناس على وظيفة الواحة الزراعية كدخل أساسي، هي ما صنعت هناك مبدأ التعاون الجماعي في العمل وبصورة لا نراها حتى في ريف مصر. حتى في أيام النزاعات والحروب بينهم، كان على النزاع أن ينتظر لأجل خاطر موسم زراعي.

***

وبسبب الترحال في مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد والصحراء الممتدة المفتوحة، امتلك الفرد البجاوي علاقة أكثر انفتاحًا ومرونة مع المكان، وبسبب الصحراء والمورفولوجيا ومشاهد الأرض. تكون ما يشبه الصلاة الروحية بين الإنسان والمكان. تواصل روحاني عميق للغاية بين الفرد والصحراء أعرفه جيدًا لأني دارسة للصحاري.

كل السمات الجغرافيا تلك هي ما كونت أنماط السكن والبنى الاجتماعية والعادات وأطباق الطعام وشكل الملبس وحتى القماش والمادة المستخدمة في صناعته، لتتواءم مع الظروف الحرارية للمكان.

  • ما الفروق التي لمستِها بين تأثير الصحراء والواحة على شخصية الإنسان وثقافته؟

في الواحة، هناك قدر من الاستقرار النسبي بحكم توفر الماء والزراعة. وهذا الاستقرار انعكس بالطبع على نمط حياة أكثر انتظامًا ظهر على سبيل المثال في العمران وفي قلعة شالي الأم التاريخية التي تتمركز الواحة ومن حولها تقبع الأراضي ونخيل البلح الوافر. فكرة المكان هنا مركزية والحياة تدور في معظمها حول دورات زراعية ومواسم معروفة.

أما في الصحراء، حيث الرعي والترحال، فالبيئة هنا تفرض على الإنسان قدرًا من حتمية الحركة والمرونة وخاصة في ظل ما يشهده العالم حاليا من تغيرات مناخية، أثرت على شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وبالتالي أثرت على مهنة الرعي.

هناك لابد على الفرد أن ينتقل ويبحث ويتفاعل باستمرار مع مساحة مفتوحة. فهم يمشون الصحراء مثلا بحثًا عن الغصون وفروع الأشجار الجافة المستخدمة في صناعة الفحم النباتي. هذا الترحال والتنقل انعكس كذلك على نمط المعمار وأشكال الخيمة البجاوية المتنقلة التي ذكرت تفاصيلها بداخل الكتاب. الصحراء هنا تظهر أكثر ما تُظهر ضرورة الاعتماد على الذات.

  • هل ترين أن المجتمعات الحدودية أكثر قدرة على الحفاظ على تراثها مقارنة بالمجتمعات الحضرية؟

نعم، فهم يملكون ظروفًا ونمط حياة يساعدهم على الاحتفاظ بقدر أكبر من التراث، و ساعدتهم كذلك العزلة والخصوصية الجغرافية خاصة في حالة مجتمع البجا الأقل انفتاحًا مقارنة بمجتمع سيوة. الفلكلور في كل المجتمعين يمارس بشكل طبيعي جدًا دون الحاجة إلى إعادة إحياء أو تقديم مثلما يحدث في المدن والمناطق الحضرية التي تُعيد تشكيل تراثها بما يتناسب مع متطلبات العقد والعصر. وهو ما قد يؤدي إلى نوع من التهجين الثقافي الذي يضعف في النهاية أصول هذا التراث وجذوره.

في المقابل، لا يمكن القول إن المجتمعات الحدودية بمنأى عن التغير،  خاصة مع تسارع وسائل الاتصال والهجرات التي تشهدها مصر من دول أخرى. وأرى أن الفارق هنا بين بيئة جغرافية خصوصية وبين بيئة حضرية هو أسلوب التعامل مع التراث نفسه. وليس من يحافظ أو يفقد.

  • رغم البعد الجغرافي بين مجتمعي البِجا والأمازيغ، هل لمستِ وجود خيط مشترك في طريقة تشكيل الهوية أو الحفاظ على التراث؟

رغم اختلاف الجغرافيا والسياق فيما بينهما، كان أكثر ما لفت نظري هو اعتمادهما على الذاكرة الشفوية كوسيلة أساسية للحفاظ على التراث وفلكلور مجتمعهم. هناك عندهما إدراك غير مباشر مباراة بضرورة نقل الخبرة واللغة الشفهية الخاصة بهما من جيل إلى جيل.

فالطفل السيوي لابد أن يتعلم ويتقن اللهجة السيوية الأمازيغية، والطفل البجاوي مثله يتعلم بنفس الحيثية لغة البداويت. وكلاهما يتعلم اللغة العربية في المدرسة وفي الخلوة (دار تحفيظ القرآن)، وأول ما يخرجون من ساحات التعليم النظامي المعروفة، عادوا للهجتهم المحلية من جديد.

كذلك فإن كل من الفردين السيوي أو البجاوي يملكان ارتباطًا عميقًا بالأرض وبجغرافيا المكان. وهو ما انعكس نهاية في الثقافة وفي تصور الذات. وتلك هي لمسة الصحراء على الإنسان في العموم، وسيوة رغم أنها واحة، ولكن مناخها صحراوي ومشهدها الطبيعي صحراوي وتحيطها الصحراء من كل جانب.

  • خلال توثيقكِ لحياة البِجا والأمازيغ، أيّ المجتمعين كان أكثر تمسكًا بعاداته وتقاليده في مواجهة التغيرات الحديثة؟ ولماذا؟

بدا مجتمع البجا أكثر تحفظًا وانعزالًا وخصوصية مقارنة بالمجتمع السيوي، وهو تحفظ مرتبط بطبيعة السياق الذي يعيش فيه كل مجتمع. ففي حالة البجا، فإن البيئة الصحراوية وطبيعة الحياة المرتبطة بها وشح الموارد، إلى جانب درجة أقل من الانفتاح على أنماط الاقتصاد الحديثة؛ ساهمت في صنع مجتمع منغلق نوعًا على ذاته.

وبسبب وجود نمط من الامتداد الحدودي والتداخل بين الانتماءات الوطنية؛ فقد أفرز ما سبق قدرًا من التشتت في المرجعية الرسمية للهوية، وبين ما هو سوداني وما هو مصري، ولا سيما في الفترة الأخيرة ونزوح العديد من الأسر السودانية إلى المثلث.. كل هذا جعل الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية أكثر ارتباطًا بالبنية الداخلية للمجتمع نفسه.

أما في سيوة، فكل سنة تشهد الواحة انفتاحًا أكثر من ذي قبل على مستوى التجارة والسياحة، وهو ما أدى إلى خلق أنماط ثقافية واقتصادية مختلفة. صحيح أنه انفتاحًا لم يلغِ الخصوصية الثقافية ولكنه أخضعها لإعادة التشكل فصارت أقل محافظة من ذي قبل، وخصوصًا مع سلفنة أفراد المجتمع هناك وانتشار جماعات الإسلام السياسي.

  • ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال العمل الميداني مع مجتمعات تميل إلى العزلة أو التحفظ؟

واجهت مشكلة الوصول إلى المجتمع نفسه قبل الوصول إلى المعلومة، مجتمع البجا كان شديد التحفظ والانغلاق في البداية. وكان كثير من الأشخاص متخوفين من الحديث أو مشاركة تفاصيل حياتهم. وهو ما جعل عملية جمع المادة الميدانية تحتاج وقتًا أطول وصبرًا أكثر.

وأنا في الكتابة صبورة على كل حال. لم يوافق على التعاون سوى عدد محدود من الأفراد، وأنا متفهمة أنه تحفظ غير مرتبط يرفض الآخر المختلف، قدر ما هو نابع من خوف وحذر من الغرباء. في سيوة، واجهت تحديًا مختلفًا، واجهت مواقف تم فيها التعامل معي باعتباري امرأة قبل أن أكون باحثة أو كاتبة.

وهو ما انعكس في شكل مضايقات أو تقليل من جدية الدور البحثي الذي يحاول الكتاب رصده. هذا النمط من التفاعل، عكس لي حضورًا لتصورات اجتماعية قائمة على أساس النوع الاجتماعي. حيث ينظر إلى المرأة في المجال العام من زاوية غير مهنية في بعض الحالات وخصوصًا مع الغلق الذي تواجهه المرأة السيوية من قبل المجتمع الذكوري هناك. المرأة في سيوة لا تتعرض حتى للشمس وهو ما يفسر نوعًا سبب اصفرار لون البشرة! هذه التجارب التي خضعت لها كانت كاشفة بقدر ما كانت مرهقة أيضًا.

  • كيف وازنتِ بين نقل مشاعر الناس والحفاظ على دقة التوثيق؟

اعتمدت أولًا على الفصل بين المستويين؛ مستوى البيان الوصفي الذي يلتزم بما قيل كما هو ومجاله التوثيق الدقيق، ومستوى الفهم التحليلي الذي يحاول تفسير السياق دون أن يفرض تأويلًا شخصيًا يُشوّه المعنى الأصلي. هذا الفصل ساعدني على ألا أذيب صوت الناس داخل رؤيتي الشخصية، بل أحاول أن أترك له مساحة واضحة ليأول ويفسر نفسه بنفسه.

وفي نفس الوقت، كنت حريصة على عدم تحويل المشاعر إلى زخرفة نصية. فمشاعر الإنسان عندي وما يعانيه، جزء من الحقيقة نفسها. ولذلك كان هدفي نقلها كما هي، ولكن داخل إطار يحترم السياق ويمنع الانزلاق إلى التعميم أو الدراما الزائدة.

اقرأ أيضا: الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

  • هل شعرتِ أن هناك بعض الحقائق لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الحكي الشفهي؟

نعم، هناك طبقات من المعرفة والفهم لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الحكي الشفهي، لأن المشاعر والإنسانيات تكون أبلغ ما تكون من حديث الناس المباشر عن ما يمرون به وما يعايشونه، ومن خلالها يستطيع الدارس نقل طريقة فهم المجتمع لنفسه وكيف ينظر إلى ذاته؟ وكيف يفسر الأحداث أو يتذكر تاريخه؟ وكيف يعيد علاقته بالمكان والهوية جيل من بعد جيل؟

وقد وجدت أن كثيرًا من تفاصيل الأنساب والهجرات والعلاقات الاجتماعية وإحساس الطعام لا يمكن فهمها إلا من خلال الاستماع المباشر للناس ولسردهم الخاص. بالنسبة لي هذا نمط جديد أمارسه في المعرفة والنقل والكتابة، وهو نمط يتشكل عبر التكرار والرواية ويختلف من شخص لآخر ومن كاتب لآخر.

  • في ظل اعتمادكِ على الروايات الشفهية، كيف تعاملتِ مع مسألة الدقة والموثوقية؟

الحكي الشفهي عندي ليس بديلًا عن التوثيق، بل هو طبقة من طبقات المعرفة التي تحتاج إلى التحقق والمقارنة.. لذلك تعمدت التعامل معه كمدخل للفهم، لكي أبدأ مرحلة تالية من المراجعة والتقصي. فكنت أعود إلى أكثر من مصدر داخل المجتمع نفسه، وأحاول طرح نفس الأسئلة على أكثر من شخص،  وألاحظ نقاط التشابه والاختلاف بين الروايات والأحداث.

ونهاية، أوازن ما سبق بالعودة إلى مصادر تاريخية وأكاديمية كلما أمكن وتوفر. وخصوصًا في حالة واحة سيوة. فقد ظهر لي فجوة بين ما هو تاريخي ومرجعي وبين الروايات الشفهية على لسان أصحابها. على سبيل المثال، لاحظت أكثر من مرة إنكارًا وتحفظًا من بعض الروايات الشفهية تجاه وجود خلافات تاريخية قديمة بين القبائل السيوية.

بينما تشير المراجع التاريخية إلى وجود هذه التوترات الدموية في فترات سابقة بعيدة. وبسبب كل هذه الصراعات ظهر عيد الصلح اليوم في الواحة كعادة وتقليد جميل موجود في الواحة إلى اليوم، ويتم الاحتفال به في كل عام.

  • ذكرت من قبل أنك تنحازين إلى البشر قبل الموروث كيف انعكس ذلك على طريقة السرد في الكتاب؟

هذا الانحياز غير طريقة الكتابة عندي وفي الكتاب مقارنة بكتب أخرى تتناول العادات والتقاليد، فأنا أتعامل مع التراث والفلكلور بوصفه روحًا صغرى بداخل روحًا كبرى تعيش بداخل الناس. حاولت قدر الإمكان أن يكون الصوت الإنساني حاضًرا. فهو نهاية كتاب للناس وعن الناس. لذلك تعمدت ترك مساحات للحكايات الشخصية والتفاصيل الصغيرة على أفواه أصحابها، والتي قد تبدو هامشية أو غير مهمة في كتب أخرى.

هو انحياز جعلني كذلك أكثر حذرًا من الوقوع في فخ تجميل الموروث أو تقديمه بصورة منافقة. والقراء يقولون عني أنني مفكرة وإن كنت لا أحسب نفسي بعد منهم، ولكن دور الكاتب أو المفكر على كل حال هو قول الحقائق عارية بدون تجميل أو تزييف.

فليس كل ما هو تراثي بالضرورة إيجابيًا أو صالحًا لكل زمان. لذا كان مهمًا عندي أن أظهره كما هو بقيمه، وتعقيداته، ومحاسنه وعيوبه.. وكان علي أن احترمه كذلك، لأن دوري ليس في وصم المجتمع أو الاستعلاء عليه.

  • هل هناك فكرة أو قناعة تغيرت لديكِ بعد الاحتكاك المباشر بهذه المجتمعات؟

اكتشفت أن شغفي الشخصي بالمختلف لا يعني بالضرورة أنه شعور مشترك بين الجميع. كنت أظن أن الاقتراب من الآخر كفيل بزلزلة المسافات الجغرافية وبإثارة الفضول والتعاطف لدى أي إنسان.

أدركت أن النظرة الإنسانية التي كنت أسعى لترسيخها في الكتاب ليست بديهية كما تصورت. وهي تحتاج إلى مراحل من الوعي والانفتاح والتقبل لكي تُرى بعين إنسانية رحيمة.. بأن هناك بالفعل من يرى الاختلاف مصدر للريبة والرفض والعنصرية الكامنة حتى وإن لم تُمارس بشكل صريح.. بسبب طبيعة المجتمع المصري نفسه الذي لا يتيح أبدا مساحات لممارسة العنصرية.

أنا ممتنة لهذا الكتاب، بسبب كل الرؤى والحيوات التي رأيتها وعيشتها من خلاله.. ولكل تعقيدات الإنسان التي استمر في اكتشافها، أنا ممتنة لكل جمال واختلافات العالم والإنسان فيه.

اقرأ أيضا: «المرأة والذاكرة» تطلق ندوة عن أصوات النساء في تاريخ الجنون والطب النفسي

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.