دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

في وقت تتصاعد فيه المخاوف حول نهر النيل، من التلوث إلى أزمات سوء الاستخدام، يظهر المصور الفوتوغرافي الصحافي والوثائقي المصري روجيه أنيس محاولًا إعادة النظر إلى النهر، ليس فقط بوصفه مصدرًا للمياه، بل كذاكرة وأساطير وحياة يومية ومجتمع كامل يعيش على ضفافه. ومن هنا يأتي معرضه «النيل خلود نسبي»، المقام في الجيزويت بالإسكندرية بداية من الخامس من مايو ولمدة شهر، حيث يقدم النيل في صور بديعة تجعلنا نتأمل: ماذا يمكن للفن أن يفعل تجاه النيل؟

المعرض لا يكتفي بتقديم صور للنهر، بل يأخذ الزائر في رحلة طويلة تمتد من إثيوبيا إلى السودان ثم مصر، مرورًا بحكايات الصيادين والأساطير القديمة والتلوث والبشر الذين ما زالوا يعيشون مع النهر يوميًا. وقد بدأت الرحلة عام 2017، عندما كُلّف روجيه بالعمل على موضوع في دلتا النيل. وهناك راوده سؤال بدا بسيطًا: “ما الذي حدث للنيل؟”. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث لم تنتهِ حتى الآن، دفعته إلى السفر لمنابع النيل في إثيوبيا، والتنقل بين دول حوض النيل، محاولًا فهم العلاقة المعقدة بين البشر والمياه.

من الأسطورة إلى الواقع

لكن المعرض لا يعتمد على المعلومات وحدها، بل يوظف الفن كوسيلة لإعادة بناء علاقتنا بالنهر. ويظهر ذلك بوضوح في “مهرجان النيل”، الذي أعاد روجيه إحياءه بالتعاون مع مبادرة Very Nile وسكان جزيرة قرصاية. والمهرجان مستوحى من الاحتفالات القديمة المرتبطة بوفاء النيل، التي كانت تُقام طلبًا للفيضان الذي يمنح الأرض الحياة والخصوبة.

ويقول روجيه: “أنا ممتن للتمثال لأنه خلاني أرجع أدور على أسطورة عروسة النيل ونقيم الاحتفال من تاني”. فقد كان تمثال “عروسة النيل” داخل متحف النيل الشرارة التي دفعته للتساؤل: لماذا ما زالت هذه الأسطورة حاضرة في الذاكرة المصرية حتى الآن؟ وما حقيقة هذه الحكاية؟

وتدور أسطورة “عروسة النيل” حول فتاة جميلة يتم التضحية بها للنهر طلبًا للفيضانات والخير. ورغم عدم وجود دليل تاريخي يؤكد حدوث هذه التضحية فعلًا، فإن الأسطورة استمرت في الوجدان المصري عبر الأفلام والأغاني والحكايات الشعبية.

وبالنسبة لروجيه، لم يكن المهم ما إذا كانت الأسطورة حقيقية أم لا، بل لماذا ما زلنا نتذكرها، وكيف يمكن استخدامها اليوم لإعادة التفكير في علاقتنا بالنيل.

اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

 

من “عروسة النيل” إلى البلاستيك

هنا يبدأ الفن في لعب دوره الحقيقي. فبدلًا من إعادة إنتاج الأسطورة كما هي، يحاول روجيه إعادة تفسيرها بشكل معاصر. ويقول: “مافيش عروسة نيل بتترمي، الصيادين هم اللي بيلموا البلاستيك من النهر، أنا بعيد إحياء عروسة النيل من  تاني”.

لكن بدلًا من إلقاء “عروسة النيل” في الماء، أصبحنا نلقي القمامة والبلاستيك. ووفقًا لما ذكره روجيه، أصبح نهر النيل واحدًا من أكثر الأنهار تلوثًا بالبلاستيك وإسهامًا في نقل المخلفات البلاستيكية إلى البحار والمحيطات.

وفي جزيرة قرصاية، التي يصفها روجيه بأنها “نسخة مصغرة من النيل”، يعيش الصيادون وسط التلوث ونقص الأسماك والتغيرات البيئية، وفي الوقت نفسه يحاولون ابتكار طرق للبقاء. ومن خلال مبادرة Very Nile، يعمل عدد من الصيادين على جمع البلاستيك من النهر مقابل دخل مادي، ثم يُعاد تدويره واستخدامه مرة أخرى.

ويتحدث روجيه عن أحد الصيادين قائلًا: “يعني يوم صياد زي عماد مقسوم اتنين، الصبح صياد، وبعدين يلم بلاستيك من النهر. في مرة ركبت معاه من 12 بالليل لـ9 الصبح، وكان بيلم بلاستيك طول الوقت.” ويضيف أن عماد لا يزال يستخدم طريقة تقليدية في الصيد، إذ يغوص داخل المياه ويصطاد السمك بيده.

وهنا يتحول الصياد نفسه إلى جزء من العمل الفني، لا مجرد موضوع للتصوير. فالفن عند روجيه لا يقوم فقط على إنتاج صور جميلة، بل على العمل مع المجتمع نفسه. فقد شارك الصيادون في تنظيم المهرجان، وتزيين المراكب، وصناعة الأغاني، وتحضير الاحتفال. ولم يعودوا مجرد أشخاص داخل الصور، بل صاروا مشاركين في صياغة الرواية نفسها.

تمثال "عروسة النيل" في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
تمثال “عروسة النيل” في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
الفن وسيلة للتذكّر

منذ أول نسخة لمهرجان النيل عام 2024، التي شارك فيها نحو 20 صيادًا و50 زائرًا، بدأ المشروع يكبر تدريجيًا. ففي 2025 وصل العدد إلى نحو 500 مشارك، ثم إلى ألفي زائر في النسخة الثالثة عام 2026. وبالنسبة لروجيه، لم يكن الهدف مجرد إقامة احتفال، بل خلق مساحة تجعل الناس تتذكر النهر مرة أخرى.

ويظهر ذلك أيضًا في طريقة عرض الصور داخل المعرض، إذ أقيم المعرض في مساحة مفتوحة وسط الأشجار والخضرة، بحيث يتحرك الزائر مع الصور كما لو كان يسير مع مجرى النهر نفسه. ويقول روجيه: “أنا شايف إن ده رحلة، وعايز الناس تشوف الرحلة دي. فكرة إنك تمشي مع الـflow  وتمشي مع الطبيعة والخضار، فتشوف وتفكر”.

وهنا يصبح الفن محاولة لجعل الناس تعيش النهر، لا أن تراه فقط، خصوصًا في بعض المدن التي لم يعد معظم سكانها يرون النيل يوميًا، رغم اعتمادهم الكامل عليه. ويقول: “إحنا واخدين النيل كحاجة مضمونة”، مضيفًا: “النيل موجود… بس موجود في المواسير”.

اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

الجمال كطريقة لرؤية الأزمة

رغم أن المعرض يتناول أزمة حقيقية تتعلق بالتلوث والمياه، فإنه لا يقدمها بصورة كئيبة أو مباشرة. فالصور شديدة الجمال، مليئة بالخضرة والضوء والاحتفال. وعندما سُئل روجيه إذا كان يخشى أن ينسى الناس المشكلة بسبب جمال الصور، أجاب: “إنت مش لازم تفكر في المشكلة، فكر في النعمة اللي عندك فتقدرها”.

الفن هنا لا يعمل عبر التخويف، بل عبر إعادة خلق الإحساس بالقيمة. فبدلًا من إغراق المشاهد في الكارثة، يحاول أن يجعله يشعر بأن النهر شيء يستحق الحب والاهتمام.

وفي إحدى الصور التي التقطها في إثيوبيا، يظهر أشخاص يزورون شلالات النيل، وعلق عليها قائلا: “هم بيحجوا للنهر”. وفي صورة أخرى من المنيا، يظهر الناس ذاهبين للاحتفال بشم النسيم قرب المياه والخضرة.

ويعلق روجيه على ذلك بقوله: “الناس زمان كانت بتحج للنيل بيحجوا للخضار”. وهنا يتحول الاحتفال نفسه إلى فعل تذكّر، ومحاولة لاستعادة علاقة روحية وثقافية قديمة بالنهر.

النيل الواحد.. والوجوه المختلفة

لكن المعرض لا يكتفي بالاحتفاء بالنهر، بل يحاول أيضًا الكشف عن التناقضات التي تحيط به، ففي الوقت الذي دمرت فيه الفيضانات أجزاء من السودان عام 2020، يعرض روجيه صورة لمواتير المياه المتراكمة أسفل أحد المباني في القاهرة، في مفارقة تعكس فائض المياه في مكان، ومحاولة التخلص منها في مكان آخر.

كما يوضح المعرض أن النيل واحد، لكنه يبدو مختلفًا من دولة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، بحسب طريقة تعامل الناس معه.

ويعلق روجيه أنيس على إحدى صوره قائلًا أنه رأى في إثيوبيا أشخاصًا يسيرون لساعات حاملين الجراكن لجلب المياه، بينما اعتاد المصريون وجود المياه داخل البيوت دون التفكير في قيمتها.

ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟

رغم أن قضية سد النهضة الإثيوبي تظل حاضرة في النقاش العام حول النيل، يرى روجيه أن الخطر ليس فقط في السد، بل ربما يكون أقرب مما نتخيل. ويقول: “اللي مخوفني أكتر هو التلوث وسوء الاستخدام”. ويضيف أن المصريين اعتادوا وجود النيل لدرجة أنهم لم يعودوا يشعرون بحضوره أصلًا، معتبرين المياه شيئًا مضمونًا ودائمًا، بينما النهر نفسه هش وقابل للفقدان.

في النهاية، لا يدّعي معرض “النيل خلود نسبي” أن الصور يمكنها تنظيف النهر، أو أن الأساطير قادرة وحدها على وقف التلوث. لكن الفن، كما يعكسه روجيه، يستطيع على الأقل أن يجعل الناس تتوقف للحظة، وتنظر إلى المياه بشكل مختلف، أن يعيد للنهر حضوره داخل الوعي، لا باعتباره مجرد مورد مضمون، بل ككائن حي يمكن أن نفقده.

اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.