الفنان علي سعيد يكتب عن تجربته الفنية: «أساطير الأولين»
يفتتح في السابعة مساء اليوم معرض الفنان علي سعيد «عود على بدء»، المقام في جاليري «آرت توك» بالزمالك، ويستمر حتى 17 يونيو المقبل. هنا يكتب سعيد عن معرضه.
منذ بداية الطريق، كانت هناك دائمًا محاولات للبحث عن لغة بصرية خاصة. ربما لم تسِر الرحلة في خطٍ مستقيم بقدر ما كانت مسارًا متقطعًا ينتقل بين أساليب متعددة وتجارب ربما ظهرت للوهلة الأولى متباينة، من الأكاديمي إلى التجريد، ومن التشخيص إلى مساحات أكثر رحابة وحرية، ثم مرحلة أكثر نضجًا مزجت بين العالمين.
وعلى الرغم من التنقل بين محطات مختلفة، ظل هناك خيط خفي يربط كل هذه المراحل معًا؛ هذا الخيط لا يكمُن في الأسلوب، بل في الرؤية، وفي محاولات مستمرة لفهم الإنسان والواقع والتاريخ وإعادة صياغتها بصريًا. ما تغير هو اللغة، أما الفكرة فظلّت تتطور داخل نفس الإطار.
كنت طوال الوقت منشغلًا برصد الواقع من جهة، وبالبحث في ثنايا التاريخ من جهة أخرى، بين إنسان العصر الحديث وبين هؤلاء الذين جاءوا من بعيد؛ أولئك الذين بَحثوا عن الخلود في أزمانٍ أتاحت لهم ذلك، فَحَمَل كلٌ مِنهم حكايته التي أعانَته على عبور الزمن. وبِرغم استحالة هذه الفَرضية في قانون البَشر، إلّا أن الإيمانَ الذي دُوِّنت به أساطير الأوّلين جعله يصبو إلى أن يكونَ عَين الحقيقة. عاشُوا معنا في فضاءاتٍ رُبما وَجدوا أنفسهم فيها مرةً أخرى، رغم تباينها مع فضاءاتهم الأولى.
***
جلجامش وَجد عُشبته المفقودة التي منحه إيّاها «أوتنابِشتِم»، بعدما سلبتها منه الحيّة وغاصت في أعماق النّهر آنذاك، بينما احتفظ جَسد أوزوريس ببقايا شجرة الطَرفاء لتدُب الحياة في أرضِ طِيبة من جديد، لتسطر لنا إيزيس، بمهابتها المعتادة، بطولاتٍ في زمنٍ غير زمانها، متسلحة بنبتتها السحرية التي تشق عنان السماء. وتخبرنا بلقيس، بعد كل هذه السنين وبعد أن توشحت برداء الخُلود، أن شجيرتها المقدّسة، بقَداسة شمس آمون، كانت أغلى هداياها لسُليمان، رغم كل ما حملته مراكب الشمس من كنوز. ثم تتخذ سَيدة المعبد قَرارها بترك محرابها عالقًا في السماء، لتجلس على عرشٍ صنعناه لها مواكبًا لفضائها الجديد، كما احتضنت ملكة السماء شُجيرتها المُقدسة لتواجه جموح الخيول الهاربة من انهيار سد مأرِب، وتقف حارسة الوادي شامخةً تحرس وادي الملوك بنظرتها الهادئة، مرتديةً قلادة السماء الزرقاء، لتُزيح كاشفة الأسرار الستار عن عالمها الغريب الذي لم يكن يعرف أحد خباياه، وها هي قد أفصحت عنه الآن.
وهب إلينا هؤلاء الأوَّلون أسرارهم بنفسٍ راضية، بعد أن خبأها الزمن لآلاف السنين، مثلما وهبَهم القَدَر صفةَ البقاء كمنحة إلهية توَّجت رحلاتهم الشاقة للبحث عن الأبديّة.
اقرأ أيضا: الإيد الشقيانة.. «وصلة» معرض فني عن العمال لـ«عمرو زناتي»





