حين غنت الجماهير.. كيف وثقت الأغنية تاريخ الكرة المصرية؟
تجاوزت كرة القدم كونها مجرد لعبة رياضية تتنافس فيها الفرق لتحقيق الفوز أو حصد البطولات، لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية وشعبية شديدة التأثير، تستحق أن يطلق عليها لقب «اللعبة الشعبية الأولى». فقد جذبت اهتمام مختلف الأطراف، وفي مقدمتهم صناع الأغنية، فكتب الشعراء، ولحن الموسيقيون، وغنى المطربون على أنغام الساحرة المستديرة، في محاولة لترجمة مشاعر ملايين المشجعين. وهكذا أصبحت الأغنية جزءًا من المنظومة الكروية، يرددها عشاق كرة القدم في المدرجات.
من الفرق الجماهيرية إلى منتخب مصر
تنوعت الأغنيات التي تفاعلت مع كرة القدم بين أعمال تشيد بالأندية الشعبية، وفي مقدمتها الأهلي والزمالك، اللذان يطلق عليهما “قطبا الكرة المصرية”، إلى جانب أغانٍ لأندية جماهيرية أخرى. كما ظهرت أعمال هدفت إلى شحذ همم لاعبي المنتخب الوطني ودعم الروح الوطنية.
وفي هذا السياق، جرى توظيف عدد من الأغنيات الوطنية الشهيرة، من أبرزها رائعة شادية “يا حبيبتي يا مصر”، وأغنية شيرين عبد الوهاب “مشربتش من نيلها”، وهي الأغنية التي أكد الكابتن حسن شحاتة أنه كان شديد التفاؤل بسماعها في كل المعسكرات التي جمعت المنتخب المصري.
اقرأ أيضًا: كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»
الأغنية التي كتبها أهلاوي ولحنها زملكاوي
كانت البداية عام 1962، عندما قدم محمد رشدي واحدة من أقدم الأغنيات التي تفاعلت مع كرة القدم، وهي “يا زمالك يا منصور”، عقب تتويج نادي الزمالك ببطولة الدوري العام. وحققت الأغنية انتشارًا واسعًا، لتصبح إحدى العلامات المبكرة في تاريخ الأغنية الرياضية المصرية.
وفي الفترة نفسها، قدمت الفنانة صباح أغنيتها الشهيرة “عن الأهلي والزمالك”، التي انتشرت بعد تصويرها للتلفزيون المصري في بداياته عقب عام 1960، ومن أبرز ما يميز هذه الأغنية أنها انتشرت بأنها “كلمات أهلاوي ولحن زملكاوي”، إذ كتب كلماتها حسين السيد، المعروف بانتمائه للأهلي، بينما لحنها محمد عبد الوهاب، الذي كان يشجع الزمالك.
وجاء في كلماتها:
“بين الأهلي والزمالك محتارة والله
حب الأهلي والزمالك حيرني والله”.
شعارات الجماهير التي تحولت إلى أغانٍ في المدرجات
في سبعينيات القرن الماضي، تراجعت الأغنيات التي تتناول مهارات اللاعبين ونجوم الكرة والأندية، وبرزت بدلًا منها أناشيد حماسية صاغها جمهور الأندية وعشاق اللعبة.
فردد جمهور الأهلي: “قوم يا أهلي”، بينما تغنى جمهور الزمالك بـ”زمالك يا مدرسة.. لعب وفن وهندسة”، وردد جمهور الإسماعيلي: “دارويش.. دارويش” و”إسماعيلي يا أبطال”، فيما هتف جمهور الاتحاد السكندري: “إسكندرية قالت كلمتها.. الاتحاد سيد البلد”.
وقدمت هذه الأناشيد بصورة جماعية وبألحان مميزة، تناقلتها الأجيال وأضاف إليها كل جيل لمساته الخاصة. ومع ظهور جيل الكاسيت وانتشاره في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ظهرت نماذج جديدة من الأغنية الكروية، خرج بعضها من السينما قبل أن ينتشر عبر أشرطة الكاسيت.
ومن أبرز هذه الأعمال أغنية أحمد عدوية “قولوا للأهلي والزمالك”، التي قدمها لأول مرة ضمن أحداث فيلم “4-2-4” عام 1981، وعكست الشعبية الجارفة التي كان يتمتع بها الناديان بين الجماهير المصرية.
وجاء في كلماتها:
“قولوا للزمالك والأهلي
وضب لي الملعب واندهلي”.
وفي عام 2008، شهد فيلم “الزمهلوية” تقديم أغنية “أهلي وزمالك”، التي حملت رسالة تدعو إلى نبذ التعصب الرياضي، والتأكيد أن المنافسة الكروية لا ينبغي أن تؤثر على الروابط الاجتماعية بين المشجعين.
اقرأ أيضًا: أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري
أول مدير فني تهتف الجماهير باسمه في الأغاني
مع بداية التسعينيات، كان المنتخب الوطني على موعد مع حدث تاريخي، بعدما تأهل إلى نهائيات كأس العالم 1990 في إيطاليا. وهنا انتقلت الهتافات من تشجيع الأندية إلى تشجيع المنتخب، ولعلها كانت المرة الأولى التي تهتف فيها الجماهير باسم المدير الفني، وليس باسم نجم من نجوم الكرة مثل محمود الخطيب أو حسن شحاتة.
فقد تحول اسم محمود الجوهري إلى هتاف يردده الجميع: “جوهري.. جوهري”. وارتبطت إنجازات المنتخب المصري بالأغنيات الوطنية التي استخدمت لدعم المنتخبات، خاصة منتخب كرة القدم. وتجسد ذلك بوضوح عام 1998، عندما توج المنتخب بكأس الأمم الإفريقية في بوركينا فاسو بقيادة المدرب الوطني محمود الجوهري، وقدم خلالها المطرب محمد زياد أغنيته الشهيرة “واد لعيب”.
وبمناسبة تتويج المنتخب المصري بكأس الأمم الإفريقية عام 2006، ثم الاحتفاظ باللقب في عامي 2008 و2010، ظهرت عشرات الأغنيات التي احتفت بالجيل الذهبي للكرة المصرية، وشارك فيها عدد كبير من المطربين، لتصبح جزءًا من ذاكرة تلك الفترة التي شهدت الهيمنة المصرية على الكرة الإفريقية.
ومن أشهر هذه الأعمال أغنية حمادة هلال “والله وعملوها الرجالة”، كما تكررت الظاهرة مع كل مشاركة للمنتخب في تصفيات كأس العالم أو البطولات القارية، حيث تحولت الأغنية إلى وسيلة لتحفيز الجماهير ودعم اللاعبين. وفي عام 2010، قدم حمادة هلال أغنية “حلم عشناه”، التي عبرت عن حلم التأهل إلى كأس العالم، وهو الحلم الذي لم يتحقق.
مرحلة جديدة في الأغنية الرياضية
في عام 2018 قدم الفنان أمير عيد أغنية “أنا الأهلي”، لتصبح واحدة من أشهر الأغنيات الرياضية في السنوات الأخيرة. وتميزت الأغنية بإنتاجها الاحترافي، وكلماتها التي ركزت على تاريخ النادي الأهلي وجماهيريته، وهو ما أسهم في انتشارها الواسع بين المشجعين.
ويرى متابعون أن “أنا الأهلي” تمثل مرحلة جديدة من الأغنية الرياضية المصرية، بعدما أصبحت الأندية تتعامل مع الموسيقى باعتبارها جزءًا من هويتها التسويقية والثقافية.
ومن كلماتها:
“أنا الأهلي اللي كان والحاضر
أنا الاسم اللي هز جبال
من الأول لحد الآخر
هيفضل مصنع الأبطال”.
وفي المقابل، قدم الملحن عزيز الشافعي، وهو أحد الداعمين لنادي الزمالك، واحدة من أشهر الأغنيات التي ارتبطت بالنادي، وهي “زملكاوي أنا”، وجاء في كلماتها:
“الفانلة البيضا بخطين حمر
أنا هفضل أحبها طول العمر
زملكاوي.. زملكاوي.. زملكاوي أنا
من يوم ميلادي وأنا زملكاوي العهد
مهما تفوت سنين حبه ما توصفهوش حكاوي”.
كما عبر أبناء كل نادٍ عن مشاعرهم الجارفة تجاه فرقهم، وهو ما يتجلى في الأغنيات التي قدمها أحمد طارق يحيى لدعم نادي الزمالك، ومن بينها “الثالثة يمين”، التي تخلت عن الوزن التقليدي للأغنية، واقتربت من صيغة الهتاف الجماهيري المباشر، وجاء في كلماتها:
“هاهتف بكلمة من سبع حروف بيهزوا كياني
زملكاوي لآخر يوم في عمري
ما اللي رباني كان زملكاوي
وأسمع كلامي أنا جنب النادي ده وعمري ما همني أسامي
ناس تمشي وناس تفضل بروحها كاسبة احترامي
أنا مش بريء لو كان حبي هو اتهامي.. أيوه اتهامي”.
كما حضرت الأغنية بقوة في دعم وتشجيع الأندية الشعبية الكبرى، ومنها النادي الإسماعيلي، إذ صاغ جمهوره المبدع عددًا من الأناشيد والأغنيات الجماعية، من أبرزها “إسماعيلي يا غالي”، التي تقول كلماتها:
“إسماعيلي يا غالي
مهما الزمان يقسى عليّا
أصفر وبحبك دايمًا
يا أحلى فرحة في حياتي
يا إسماعيلي نادي الأمجاد
في كل مكان ليك أمجاد
جمهورك دايمًا وراك
في الفوز وفي كل ميعاد”.
روابط المشجعين.. صانعة الأغنية في المدرجات
في العقدين الأخيرين ظهرت بقوة روابط المشجعين “الأولتراس”، وانتقل التشجيع الكروي إلى مرحلة جديدة، من الاستوديو إلى المدرجات، وأصبحت الجماهير نفسها منتجة للأغنيات والأهازيج التي تعبر عن انتمائها لأنديتها.
وتميزت هذه المرحلة بظهور أناشيد جماهيرية انتشرت عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت جزءًا من هوية المشجعين، بعيدًا عن الأغنية التقليدية التي يقدمها مطرب محترف.
وصاغت كل رابطة “أولتراس” نشيدها الخاص، الذي يردده أعضاؤها في المدرجات وفي المناسبات المرتبطة بالنادي. وغالبًا ما تكون هذه الأناشيد نتاجًا جماعيًا، دون مؤلف معروف أو ملحن محترف، وفي بعض الأحيان يمتلك النادي أكثر من نشيد.
ومن أشهر أناشيد “وايت نايتس”، رابطة مشجعي نادي الزمالك:
“أحلى حياة عايشنها معاك في التالتة يمين
حكايتنا معاك وإخوات فالدم ليوم الدين
قصة فرسان عايشنها معاك جيل ورا جيل
حافظنا عليها من الحساد والكارهين
ياللي بتسمعنا قصتنا طويلة وليها معنى
حُب الزمالك هو اللي عليه مجمعنا”.
ولا يختلف الأمر لدى رابطة مشجعي الأهلي، التي تردد عددًا من الأناشيد الحماسية، من بينها “أعظم نادي في الكون”، التي تقول كلماتها
“أعظم نادي في الكون
لو كل الدنيا ضده
ها أفضل أحبه بجنون
يوم نصره ليا عيد
عمري ما ها أكون بعيد
يوم ما أبطل أشجع
ها أكون ميت أكيد”.
وتكشف هذه الكلمات عن حجم الحماس والانتماء الذي تجاوز مجرد تشجيع فريق أو لاعب، ليصبح جزءًا من هوية المشجع، يعبر عن ارتباط وجداني عميق بالنادي، يصل أحيانًا إلى درجة التعصب والانتماء المطلق.
اقرأ أيضًا:رحلة البحث عن «الحريف» في ملاعبنا.. من الكرة الشراب إلى النجيل الصناعي



