دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

60 عاما على إنشاء وزارة الثقافة المصرية

في عام 2018، احتفلت وزارة الثقافة المصرية بـ60 عاما على إنشائها، واعتبرت بهذا الاحتفال الجليل أنها قد أُنشِئَت في عام 1958، حين تحوّلت وزارة الإرشاد القومي التي أسسها فتحي رضوان بموجب القانون رقم 270 لعام 1952 إلى وزارة للثقافة والإرشاد القومي. واعتمدت الوزارة والوسط الثقافي بشكل أوسع تاريخاً تأسيسياً واحداً وموحداً للمؤسسة الثقافية، ويعود الفضل الكبير لهذا التأريخ إلى وزير الثقافة والإرشاد القومي الأول ثروت عكاشة.

***

في كتاب “مذكراتي في السياسة والثقافة“، يروي عكاشة لحظة تعيينه في وزارته الأولى ببراعة الرجل السياسي المخضرم، الذي رفض مبدئياً تولي أعباءها، ثم اقتنع بعد إصرار الزعيم جمال عبد الناصر، مما أدى إلى ترسيخ أسس الثقافة في دولة يوليو خلال فترتيه الوزاريتين – بين عامي 1958 و1962، ثم بين عامي 1966 و1970.

يؤكد عكاشة على أنه أراد أن تكون وزارته وزارة للثقافة منذ 1958، واستمرت المؤسسة الثقافية في ترسيخ هذا التاريخ التأسيسي، رغم أن رغبة عكاشة لم تتحقق قانوناً إلا في عام 1966. فإذا تتبعنا مسيرة القوانين والقرارات الرسمية، القرار الجمهوري الذي اعتبره عكاشة لحظة إنشاء وزارة الثقافة هو القرار رقم 671 لعام 1958، وعنوانه “بشأن إعادة تنظيم وزارة الإرشاد القومي”، ويليه قرار جمهوري صغير للغاية (القرار رقم 692 لعام 1958) يعيد تسمية تلك الوزارة: “وزارة الثقافة والإرشاد القومي”.

***

عند قراءة القرارين، لا ينص أي منهما على تغيير في أغراض وأهداف المؤسسة، التي ظلت محكومة بالأغراض المنصوص عليها في قانون 1952، وهي أغراض تثقيفية وتعليمية وإعلامية في آن واحد. تحتوي قرارات 1958 في جوهرها على إعادة هيكلة لوزارة الإرشاد القومي بمعناها الواسع، وأشاع عكاشة لاحقاً بأن تلك اللحظة هي البداية الأولى لوزارة الثقافة دون عداها، وقلل بذلك من شأن الأهمية العضوية للمؤسسات التعليمية والإعلامية في حاضنة الإدارة التي تولاها باسم جديد، رغم أن تأثيرهما ظل قوياً طوال وزارته الأولى – وكذلك طوال وزارة خليفته ومنافسه عبد القادر حاتم، الذي تولى زمام الثقافة والإرشاد القومي بين عامي 1962 و1965.

لم تستقل الثقافة عن الإرشاد القومي قانوناً إلا بفعل القرار الجمهوري رقم 3818 لعام 1965، عندما تزعّم عبد القادر حاتم قطاعاً شاملاً للثقافة والإرشاد القومي والسياحة والآثار، وأصبح وزيراً على عدة وزراء بفعل هذا القرار، الذي فصل بين ثلاث وزارات لكل منها وزيراً مستقلاً تحت إشراف حاتم، وتلى هذا القرار ثلاث قرارات جمهورية في عام 1966 لتحديد تخصصات كل من الإرشاد القومي (القرار رقم 76) والثقافة (القرار رقم 449) والسياحة والآثار (القرار رقم 1441).

***

تنص المادة الأولى للقرار الجمهوري رقم 449 لسنة 1966، ولأول مرة في تاريخ الدولة، على أغراض وزارة الثقافة تحديداً، وهي تشمل تيسير سبل الثقافة للشعب المصري والعربي، وتنمية المواهب في شتى المجالات، ونشر الثقافة العامة بين الجماهير، والنهوض بالمستوى الأدبي والفني والسينمائي، وتزويد المكتبة العربية بالكتب والأبحاث الجديدة، وتوطيد العلاقات بين مصر والدول العربية الشقيقة، وإحياء التراث، والرقابة على الإنتاج الثقافي، ورعاية الجمعيات العلمية والثقافية. رغم التعديلات الهيكلية العديدة التي مرت بها الوزارة بعد سنة 1966، لا تزال تلك المادة المتن القانوني الرئيسي للغرض التي تعمل به الوزارة إلى اليوم.

في هذا السياق، أصبح سليمان حزين أول وزير للثقافة المصرية (وليس للثقافة والإرشاد القومي)، وهو كان أستاذ جغرافية عتيداً بجامعة القاهرة، وأول عميد لجامعة أسيوط، وصاحب كتاب “مستقبل الثقافة في مصر العربية“. عين عبد القادر حاتم حزين وزيراً للثقافة في أواخر عام 1965، وظل في هذا المنصب حتى تولى ثروت عكاشة وزارته الثانية في سبتمبر 1966، حين أصبح ثاني وزير للثقافة. إذا اقتنعنا بنقد لويس عوض اللاذع في “الثورة والأدب“، لم يكن حزين وزيراً ناجحاً، ومحيت ذكراه بفعل التغييرات الهيكلية اللاحقة، مما أدى إلى تغييره السريع، رغم أنه قد تولى الوزارة في نقطة محورية من تحولها.

***

صدر القرار الجمهوري رقم 449 لسنة 1966 منذ 60 عام بالضبط، في يوم 17 فبراير 1966، ثم صدرت فور هذا القرار سلسلة من القرارات التي أسست نواة القطاعات الرئيسية داخل وزارة الثقافة الحالية، ومنها دار الكتب والوثائق القومية (القرار رقم 450)، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر (القرار رقم 451)، ومؤسسة فنون المسرح والموسيقى (القرار رقم 452)، والمؤسسة العامة للسينما (القرار رقم 453).

يقع هذا التاريخ البديل للوزارة في موضع التجاهل والنسيان، وسيمر عابراً دون احتفال ولا اعتراف كما مر عبر العقود. ولكنه يظل تاريخاً هاماً على الصعيد المؤسسي، بوصفه التاريخ الرسمي لإنشاء وزارة للثقافة المصرية قانوناً. ورغم ما أشاعه ثروت عكاشة عن دوره في إنشاء هذه الوزارة، ودون الطعن في إسهاماته الفعلية في هذا الاتجاه، إلا أن السردية الذي أنتجها عن التاريخ الثقافي المؤسسي لا تتطابق بشكل كامل مع الواقع الإداري.

***

بعيداً عن التواريخ والأشخاص، 1958 أم 1966، حزين أم عكاشة، تثير الوقائع القانونية التي عرضتها سابقاً سؤالين أساسيين حول تاريخ الثقافة، وأولهما هو: كيف نحدد لحظة نشأة المؤسسة الثقافية الرسمية المصرية؟ إذا اعتمدنا على الاسم فقط، فيمكننا أن نعتبر عام 1958 أول ظهور للقب “الثقافة” في اسم الوزارة. وإذا اعتمدنا على القوانين والقرارات الجمهورية، يمكننا أن نعتبر عام 1966 لحظة النشأة المؤسسية القانونية.

ولكننا في الحالتين نتغاضى عن الدور المحوري الذي لعبته الإدارات الثقافية السابقة، مثل “مصلحة الفنون” التي أشِئت في عام 1956 تحت قيادة يحيى حقي وبرعاية وزير الإرشاد القومي فتحي رضوان، أو “الإدارة العامة للثقافة العامة” التي أنشِئت في عام 1939 داخل وزارة المعارف العمومية تحت قيادة طه حسين، ويمكننا الرجوع إلى مجمل المؤسسات الثقافية الحديثة التي أنشِئت في القرن التاسع عشر، والذي يرصد مسيرتها وائل الدسوقي في كتاب “التاريخ الثقافي لمصر الحديثة“.

***

أشار عدة من المفكرين مثل نيتشه وفوكو وإدوارد سعيد إلى أنه لا توجد نشأة واحدة للظواهر التاريخية، فأي ظاهرة متعددة النشأة، ولا تستثنى وزارة الثقافة من هذه القاعدة. تتطور كذلك المفاهيم الإدارية المعنية بالشأن الثقافي عبر الزمن، فما كان يُسمى بـ”الثقافة” قبل ثورة يوليو تحول إلى مفهوم الإرشاد بعد الثورة، ثم تفكك إلى عناصره من بين الإعلام والتعليم والثقافة في السبعينيات.

بعيداً عن هذا التعدد التاريخي والمفاهيمي، هناك سؤال آخر حول العلاقة بين التاريخ والذاكرة. تعتبر الذاكرة المعتمدة في الأوساط الثقافية والوزارة الحالية أن عام 1958 بمثابة اللحظة الفارقة في تطور وزارة الثقافة، بينما تهمِّش العديد من التواريخ الأخرى (مثل لحظة تقنين الوزارة في عام 1966).

عندما نتتبع مسيرة إنشاء ودمج وإحلال عشرات المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي منذ القرن التاسع عشر، علينا أن نتعجب أمام اختيار عام 1958 كتاريخ رسمي وحيد، فبخلاف تأثير ثروت عكاشة البالغ في تحديد مسار الحياة الثقافية الرسمية، وبالأحرى تحديد تاريخها وذاكرتها، لا يوجد برهان واضح لاعتبار أياً من هذه التواريخ اللحظة الفارقة الوحيدة في تاريخ المؤسسات الثقافية الرسمية في مصر.

***

ليس الغرض من مقالي المطالبة بالاحتفال أو الاحتفاء بتاريخ اليوم، ولا أتوقع أن تحل سنة 1966 محل سنة 1958 في ذاكرة المثقفين المصريين، ولكنني أردت أن أشير إلى بعض التناقضات بين المرويات المختلفة والذاكرة الرسمية حول تاريخ وزارة الثقافة من ناحية، والتواريخ الإدارية الروتينية من ناحية أخرى، عبر تتبع المسار القانوني لإنشاء المؤسسات الثقافية في عهد دولة يوليو، وهو أحد المسارات المنهجية التي تسمح لنا بكشف التفاوت بين الذكرى والحدث. ويتولى كتابي القادم بعض تلك التناقضات، تحت عنوان “دولة الإنجازات: الإدارة الثقافية في مصر بعد ثورة يوليو”.

اقرأ أيضا:

«أرشيف بيكيا»: «مازوفشا».. فرقة شعبية بولندية لإحياء ليالي رمضان في «دمنهور»

«أرشيف بيكيا»: «قافلة الثقافة».. سلم واستلم

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.