دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ديناميكيات التحول العمراني في القاهرة: جدلية الهدم والبناء والصراع الطبقي

ناقش سيمنار الاثنين الماضي بمركز «سيداج»، بإدارة الباحث أحمد السروجي، مداخلة للباحثة العمرانية الدكتورة أمنية خليل، المحاضرة بـ«سيتي كوليدج نيويورك»، فككت خلالها جدلية «الهدم والبناء» والتحولات الهيكلية المتسارعة في النسيج العمراني للقاهرة خلال العقد الأخير. وانطلقت المداخلة من فرضية مفادها أن التغيير المادي في المدينة يتبعه بالضرورة تغيير اجتماعي واقتصادي قسري، ما يؤدي إلى فقدان السكان القدرة على استدلال فضاءاتهم اليومية.

وتتوزع هذه التحولات بين شقين متوازيين: شق الهدم والإخلاء: طال أحياء الأهالي بذريعة إزالة “المناطق غير الآمنة” أو “استرداد أراضي الدولة”. وشق البناء والتوسع: وتمثّل في طفرة إنشائية للمشروعات الاستثمارية، والقومية، إلى جانب شبكات المحاور والكباري.

واستندت الدكتورة أمنية إلى بحث ميداني إثنوغرافي طويل الأمد ركز على حيي بولاق أبو العلا ومصر القديمة، لرصد آثار السياسات العمرانية على الحركة اليومية للسكان واستراتيجيات بقائهم. ومن خلال دراستها، طرحت أسئلة أنثروبولوجية محورية حول ماهية التغير المادي في المدينة، وانعكاسات سياسات الإزاحة على التجربة الاجتماعية والتنقل اليومي.

التغيرات العمرانية في القاهرة

افتتحت الدكتورة أمنية خليل حديثها بالتأكيد على أن هذه التغيرات العمرانية التي تشهدها القاهرة اليوم تمثل واقعًا ملموسًا نعيشه جميعاً، وعاشه سكان المدينة طوال السنوات الماضية، مشيرة إلى تفاوت قدرة الباحثين والمتخصصين على رصده وتوثيقه باختلاف الفترات الزمنية.

وأضافت أنها تكاد تجزم بأنه لو قيل لنا في عام 2010، أو حتى في 2018، إن القاهرة ستتغير إلى هذه الدرجة وبهذه السرعة الكاسحة، لما صدق أحد ذلك؛ رغم أن المؤشرات آنذاك كانت تشير إلى أن المدينة مقبلة على تحولات كبرى، وهو الجانب الذي تحاول رصده استناداً إلى البحث الميداني والمشاهدات والتحليلات الأنثروبولوجية.

واستعرضت الباحثة الخط الزمني لسياسات الإخلاء والهدم، الممتد بين عامي 2017 و2024، مشيرة إلى أن صيف عام 2017 شهد شرارة تحول بارزة تمثلت في موجات الإخلاء بجزيرة الوراق، والتي صاحبتها اشتباكات واضحة وعنيفة بين قوات الأمن والسكان. ونبهت إلى أن المتخصصين كانوا يعلمون أن الإخلاءات بدأت قبل ذلك، إلا أن علانية المواجهات جعلت من هذا التاريخ محطة مفصلية.

ثم انتقلت إلى عام 2018، واصفة إياه باللحظة الحاسمة لمنطقة مثلث ماسبيرو، حيث بدأت الإخلاءات الفعلية وتفكيك المنطقة تدريجيًا تمهيدًا لخروج السكان بالكامل وتسوية الأرض. وفسرت خطورة حالة مثلث ماسبيرو بأنها مثلت النموذج المحوري الذي صاغ الآليات القانونية والإجرائية المكتوبة والمنفذة، والتي اعتمدتها الحكومة المصرية لاحقًا لتطبيق الإخلاءات في مختلف مناطق القاهرة ومصر عمومًا.

وتابعت خليل تتبعها الزمني وصولاً إلى عام 2019، الذي شهد تفكيك وإزالة أجزاء واسعة من حي مصر القديمة الممتد إداريًا، حيث بدأت الإزالة من منطقة عين الحياة لتشييد مشروعات جديدة وهدم بعض المدارس، ثم امتدت لتشمل أجزاء من عين الصيرة والمنطقة الواقعة خلف سور مجرى العيون، وصولاً إلى عمق الحي.

اقرأ أيضا:«أدب الاشتباك».. الكلمة التي لا تستطيع المستعمر احتلالها

تغييرات القاهرة العمرانية.. ناس المدينة بين الهدم والبناء
تغييرات القاهرة العمرانية.. ناس المدينة بين الهدم والبناء
المناطق غير الآمنة

فككت الباحثة إشكالية “الخطوط الحمراء” وتصنيفات المناطق غير الآمنة بربطها بالخلفية المؤسسية، إذ ذكّرت بقرار الرئيس الأسبق مبارك عام 2008 بإنشاء “صندوق تطوير المناطق العشوائية” عقب كارثة انهيار صخرة الدويقة.

وأوضحت أن الصندوق قام بجهد لتصنيف المناطق العشوائية بناءً على معايير دولية تقسم المناطق غير الآمنة إلى أربعة تصنيفات، وبناءً على ذلك وضعت “الخطوط الحمراء” التي تحدد الحدود الجغرافية للمناطق غير الآمنة داخل مخططات التطوير، كما حدث في مثلث ماسبيرو.

وأشارت خليل إلى وجود تصور عفوي، وربما ساذج، لدى كثيرين بأن عمليات الإخلاء ستقتصر على المناطق الواقعة داخل هذه الحدود المصنفة رسميًا كمناطق غير آمنة، غير أن الملاحظة الميدانية أثبتت أنه بحلول عام 2018 امتدت الإزالات إلى مساحات شاسعة تقع خارج الخطوط الحمراء، وهي مناطق لم تكن مصنفة كغير آمنة في أجزاء من حي مصر القديمة.

وضربت مثالاً آخر بجزيرة الوراق، التي لم تكن تحتوي على أي خطوط حمراء أو تصنيفات رسمية باعتبارها منطقة سكنية غير آمنة، ومع ذلك شهدت تراجعًا حادًا في الرقعة الخضراء وإخلاءً ممنهجًا للسكان، وهو ما فسرته الباحثة بتبدل السردية القانونية؛ إذ لم تعد الحجة هي تطوير المناطق غير الآمنة.

واستطردت الدكتورة أمنية خليل في فحص معضلة الأرقام ومنهجية الحصر الإحصائي، مقرة بأنها، بصفتها باحثة أنثروبولوجية، ركزت لسنوات على الجوانب الكيفية والاجتماعية دون الاهتمام المباشر بلغة الأرقام، لا سيما في ظل غياب آليات رسمية دقيقة تحدد النسبة المئوية للمهجرين أو أعدادهم الإجمالية.

وأوضحت أنها حاولت، في شهر مارس 2024، البدء في عملية حصر منهجية انطلاقًا من البيانات الرسمية الصادرة عن صندوق تطوير المناطق العشوائية، المتعلقة بعدد الوحدات السكنية الواقعة داخل الحدود الحمراء في كل منطقة.

وتوصلت، عبر حساباتها، إلى أن عدد السكان المقيمين داخل هذه النطاقات في محافظتي القاهرة والجيزة فقط يصل إلى نحو 2.8 مليون نسمة، مؤكدة ضخامة هذا الرقم الذي يمثل نسبة مئوية معتبرة من سكان الإقليم، مع تنبيهها إلى أن هذا الإحصاء لا يشمل السكان المقيمين في المناطق التي أزيلت خارج الخطوط الحمراء، لغياب آلية دقيقة لحصرهم.

الوعود الرسمية ونقل السكان

ناقشت الباحثة فجوة التعويض وآليات إعادة التسكين، من خلال مقارنة الوعود الرسمية التي روجت لنقل جميع السكان إلى مشروعات سكنية بديلة، مثل الأسمرات ومعًا وأرض الخيالة، بالواقع الرقمي. وأوضحت أن حصر الشقق السكنية المبنية في هذه المشروعات، وفقاً للبيانات الحكومية المعلنة، يُظهر أن إجمالي الوحدات المنفذة يبلغ حوالي 30.800 شقة سكنية فقط.

وأضافت أنه، بافتراض منهجية بحثية تحدد متوسط حجم الأسرة بين أربعة وخمسة أفراد في الشقة الواحدة، فإن هذه المشروعات لا تستوعب، في أقصى تقدير، سوى 200 ألف نسمة، ما يكشف عن فجوة شاسعة بين حجم السكان المتأثرين بالإخلاء، البالغ 2.8 مليون نسمة، وحجم الاستيعاب في السكن البديل، البالغ 200 ألف نسمة فقط، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول الوجهة الجغرافية التي انتقل إليها باقي السكان.

ودعمت الباحثة أطروحتها بنتائج عملها الميداني ومتابعتها لثلاثين أسرة من حي مصر القديمة خلال الفترة التي سبقت جائحة كورونا، وقبل مارس 2020، حيث تبين لها أن 10 أسر فقط نجحت في الحصول على شقق في حي الأسمرات.

وعزت هذا التعثر إلى احتواء آليات إعادة التسكين على شروط إقصائية حادة، تستبعد الأرامل والمطلقين، رجالاً ونساءً، وتُجبر الأسر الممتدة أو كبار السن الذين لا يملكون معيلًا مستقلًا على العيش مع أبنائهم في الوحدة السكنية نفسها. كما أشارت إلى صغر مساحة شقق الإسكان الاجتماعي، بما يجعلها غير قادرة جغرافيًا واجتماعيًا على استيعاب الأسر الممتدة والأصهار، ويدفع كثيرًا من الأسر التي أخرجت من مصر القديمة عام 2019 إلى تفضيل البقاء في الحي والبحث عن بدائل سكنية غير رسمية قبل حلول الشتاء.

وتوسعت خليل في رصد الواقع المعيشي في السكن البديل والنزوح العكسي، من خلال تتبعها الجغرافي لمسارات انتقال السكان، وعملها معهم في ثلاثة مواقع رئيسية بحي بولاق أبو العلا، منها منطقة رملة بولاق، وزيارتها للأسر التي انتقلت إلى حي الأسمرات سواء من مثلث ماسبيرو أو مصر القديمة.

وفرقت الباحثة بين تجربة سكان مثلث ماسبيرو، الذين حظيت عقودهم بميزات استثنائية منحتهم حقوق البيع والشراء والتصرف في الوحدات السكنية، ما دفع كثيرين منهم إلى بيع الشقق ومغادرة الأسمرات لعدم رغبتهم في الاستقرار بها، وبين سكان مصر القديمة الذين واجهوا ضغوطاً إدارية وتضييقًا رقابيًا صارمًا من الأجهزة التنفيذية للحي.

وذكرت واقعة قيام موظفي الحي بتحرير إنذارات ومخالفات مالية بقيمة خمسين جنيهًا عام 2020 لأسر لا تجيد القراءة والكتابة، بحجة إلقاء القمامة بشكل خاطئ، مع إخبارهم شفاهة بأنه مجرد تنبيه.

التعويض السكني والمبالغ التأمينية

أثارت الباحثة مسألة الأعباء الاقتصادية وإثبات الدخل، مشيرة إلى أن الحصول على التعويض السكني يتطلب سداد مبالغ تأمينية تصل إلى عدة آلاف من الجنيهات، يعقبها التزام بسداد إيجارات شهرية، مع اشتراط تقديم ما يثبت وجود دخل شهري يضمن القدرة على السداد.

واعتبرت أن هذا الشرط يحمل طابعًا إقصائيًا، إذ يصعب تحقيقه بالنسبة للفئات التي تعتمد على المعاشات أو العمالة اليومية المؤقتة وغير الرسمية.

كما تطرقت خليل إلى البعد النفسي والاجتماعي للسكن البديل، كاشفة عن شروط قاسية تُفرض على السكان وتؤثر في شعورهم بالمواطنة والكرامة، حيث يُمنعون من نقل أثاثهم القديم إلى الشقق الجديدة بحجة صغر مساحتها وتجهيزها المسبق، ويُطلب منهم الانتقال بملابسهم فقط.

وأضافت أن السكان يواجهون آليات ضبط سلوكي وعمراني صارمة داخل عمارات الأسمرات المكونة من عشرة طوابق؛ فعلى الرغم من أن كودات البناء المصرية تنص على إلزامية وجود مصاعد في المباني التي تتجاوز سبعة طوابق، فإن استخدام المصاعد يخضع لقيود مشددة، مع تعيين حارس تابع للحي للتحكم فيها، ومنع نقل بعض مستلزمات المعيشة الأساسية، مثل أنابيب البوتاجاز، عبرها، وهو ما يعمق شعور السكان بالإقصاء والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين غير مرغوب فيهم.

وأوضحت خليل أن الشرائح السكانية التي لم تستوف شروط التعويض، ومن بينها قطاع واسع من سكان رملة بولاق، اتجهت إلى مناطق مثل وراق الحضر، على الضفة المقابلة لجزيرة الوراق، لشراء أو استئجار مساكن تتناسب مع إمكانياتهم المادية.

ومع تزايد موجات الإخلاء منذ عام 2020، نشأت تجمعات سكنية وعشوائية جديدة على أطراف المدينة، تعكس عملية إزاحة ممنهجة للسكان نحو الأطراف، وتنشأ بالتالي شبكات نقل وخطوط ميكروباص تربط بين الأحياء الأصلية والمناطق الجديدة بفعل الروابط الاجتماعية والعمرانية التي يحافظ عليها السكان المهجرون.

اقرأ أيضا: الراب المصري: حكاية جيل بنى مجده «بدون واسطة»

الفضاء الرقمي وسرديات المقاومة

رصدت الباحثة كذلك الفضاء الرقمي وسرديات المقاومة من خلال التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها التعليقات المصاحبة لإزالات منطقة منيل الروضة مؤخرًا، ملقية الضوء على وجود نقاشات وسجالات حادة بين السكان حول جدوى البناء أو الرحيل وقيمة التعويضات.

ولفتت، من منظور أنثروبولوجي ولغوي، إلى بروز تشبيهات ومجازات قوية يستخدمها السكان للتعبير عن الإخلاء، حيث يشبهون وضعهم بوضع الفلسطينيين الذين يُطردون من أراضيهم بواسطة قوى احتلال.

ونبهت خليل إلى أن هذه التشبيهات بدأت في التشكل داخل الفضاء العام منذ إخلاءات جزيرة الوراق، أي قبل أحداث أكتوبر 2023 والإبادة المستمرة في غزة بسنوات، معتبرة أن استخدام هذا الخطاب يعكس عمق الأثر النفسي للإخلاء، ويوضح أن السردية الرسمية التي تصنف الإخلاءات كعمليات تطوير مرحب بها ومُعوض عنها بشكل عادل هي سردية تحتاج إلى مراجعة نقدية وتفكيك بناءً على الواقع الفعلي.

البناء والدلالات السياسية

انتقلت الباحثة إلى الشق الآخر من الجدلية، وهو شق البناء والدلالات السياسية والبصرية المتجلي في المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة.

وحللت التحول الرمزي والبصري مستشهدة بمسجد العاصمة الإدارية الجديدة، موضحة أنه في عام 2019 تزامن بناء الصروح الدينية الكبرى في العاصمة الإدارية مع تحول بصري وإعلامي ملحوظ في بث الأذان عبر القنوات التلفزيونية الرسمية الأولى والثالثة. فبعد عقود من ارتباط الذاكرة البصرية لمواليد الثمانينات والتسعينات بمشاهد الحرمين الشريفين في مكة والمدينة أثناء الأذان تم تحويل الصورة بصرياً لتستعرض المسجد الجديد في العاصمة الإدارية، في محاولة لترسيخ دلالات دينية وسياسية جديدة ترتبط بمفهوم “الجمهورية الجديدة”.

وأشارت إلى أن هذا التحول جاء بالتوازي مع حملات إعلانية مكثفة، مثل إعلان “حلاوة البدايات” في رمضان، بمشاركة شخصيات عامة ومثقفين وفنانين، بهدف تسويق العاصمة الإدارية كرمز للحياة الأفضل والتقدم التكنولوجي، بما تضمنه من مونوريل ومكتبات كبرى، وهي جماليات عمرانية وبصرية ترى خليل أنها تحتاج إلى نقاش نقدي حول الفئات المستهدفة منها.

ووضعت الباحثة معضلة التوسع في شبكات الطرق والكباري تحت مجهر النقد الاقتصادي والاجتماعي. فبناءً على البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي تفيد بأن إجمالي المركبات المرخصة في مصر يبلغ نحو 11 مليون مركبة، تستحوذ القاهرة على 25.7% منها، والجيزة على 14.4%، والإسكندرية على 7%، أوضحت أن هذه الأرقام تشمل كافة أنواع المركبات، وليست مقصورة على السيارات الخاصة.

وفسرت أن أكثر من نصف المركبات في العاصمة هو وسائل نقل عام وجماعي ونقل ثقيل، وهو ما يثير تساؤلًا بحثيًا واقتصاديًا حول المستفيد الفعلي من هذه الكباري والمحاور الخرسانية. فحظر استخدام هذه المحاور على الميكروباصات وحافلات النقل العام والدراجات النارية يعني، من وجهة نظرها، أنها لا تخدم النقل الجماعي أو الشرائح الأوسع من الشعب، بل تخدم شريحة محدودة من مالكي السيارات الخاصة، وهو ما يفرض إخضاع هذه المشروعات وميزانياتها للدراسة الأكاديمية لمعرفة الجدوى الاجتماعية والبيئية لها.

وأسقطت خليل هذا التساؤل على التصورات المعمارية لمشروع تطوير مثلث ماسبيرو والمشروعات الفاخرة المطلة على كورنيش النيل، من أبراج سكنية ومقاهٍ ومولات. يظل السؤال اللحوح حول من تُبنى له هذه المساحات ومن يستطيع تحمل تكلفة السكن أو التواجد فيها.

وألمحت إلى أن هذا التساؤل يمتد حتى إلى الطبقات الاقتصادية العليا، موضحة أن المخطط الأصلي لإزالات ماسبيرو شمل الست عمارات السكنية الواقعة بين فندق هيلتون رمسيس ومبنى الإذاعة والتلفزيون وهي عمارات تقطنها طبقة اجتماعية واقتصادية رفيعة المستوى حظيت بصلات قوية مع أجهزة الدولة قبل عام 2011.

وأضافت أنه رغم ذلك، عجز هؤلاء السكان عام 2019 عن فتح قنوات تفاوض مع متخذي القرار لمنع إزالة مبانيهم مما أشعرهم بالصدمة من شمولية القرارات العمرانية وتجاوزها للمكانة الاجتماعية.

مفاهيم العمران في القاهرة اليوم

اختتمت الدكتورة أمنية خليل مداخلتها باستخلاص ثلاثة مفاهيم أساسية لفهم ما يمر به العمران في القاهرة اليوم. بدأت بالمفهوم الأول، وهو الإرادة والمشاركة المجتمعية، متسائلة عن مدى امتلاك المجموعات السكانية إرادة واختياراً في صياغة مشروعات التطوير التي قد تحمل أحياناً أبعاداً تدميرية للنسيج القائم.

وأرجعت غياب المشاركة المجتمعية بانعدام المجالس الشعبية المحلية ومحدودية قدرة النواب على تقديم طلبات إحاطة فعالة تتناغم مع الجداول الزمنية المتسارعة للإخلاء، مؤكدة أن هذا الإقصاء يمتد من الفئات المهمشة إلى الطبقتين الوسطى والعليا كما ظهر في محاولات سكان حي مصر الجديدة أو سكان عمارات كورنيش ماسبيرو للتفاوض مع المحافظة دون جدوى، ويمتد ليشمل القرارات الخاصة بإزالة الأشجار وهدم المقابر التاريخية وتفكيك المناطق التراثية.

وتناولت المفهوم الثاني، المتمثل في فقدان الذاكرة المكانية والتوهان العمراني بفعل التغير السريع للعمران الذي يُفقد المدينة علاماتها الاستدلالية الأساسية.

وسردت تجربة شخصية وميدانية عن اتصال والدتها بها لتخبرها بالتوهان وفقدان القدرة على التعرف على الشوارع المعتادة بسبب الكباري والمحاور الجديدة، معقبة بأن هذا التوهان ليس هو التوهان الإيجابي الاستكشافي الذي تحدث عنه الفيلسوف والتر بنيامين بل هو توهان ناتج عن فقدان الذاكرة المكانية والمجتمعية يضطر معه الكثير منا اليوم، حتى المتخصصين في الجغرافيا، إلى فتح تطبيقات الخرائط الرقمية أثناء السير فوق الكباري ليتعرف على الموقع الجغرافي الذي يمر فوقه، مما يمثل خسارة فادحة للذاكرة الجمعية وتطبيعاً مع محو تاريخ المدينة.

وحددت الباحثة المفهوم الثالث والأبرز والأكثر كفاءة لاستقراء الوضع الراهن في الصراع والعداء الطبقي الذي تعيد المنظومة العمرانية إنتاجه وتعميقه من خلال طرد وتهجير ملايين السكان من مجالاتهم الحيوية مقابل تشييد بنيان فخم وجديد لا يستطيع سوى 4% فقط من المجتمع تحمل تكاليف العيش فيه وفقاً لمعدلات الدخل في مصر.

الفئات الناجية من الإزالة

أشارت الدكتورة أمينة إلى أن هذا التجذير الطبقي يمتد ليشمل الفئات الناجية من الإزالة بفعل التغيرات التشريعية والاقتصادية المتزامنة كقانون الإيجار القديم وقانون التصالح على مخالفات البناء وتراجع القوة الشرائية للأجور وتفاقم الديون السيادية وتوالي موجات تعويم العملة المحلية، مما يعمق الشعور العام بالخسارة والاغتراب داخل المدينة.

تضعنا أطروحة الدكتورة أمنية خليل في مواجهة سؤال أخير مستقبلي واستنكاري: إذا كانت المدينة تُجتث من جذورها التاريخية لتخاطب طموح أقلية معزولة، وتطرد أغلبية صناعها وسكانها، فمن عساه أن يمنح هذه الجدران الباردة روح الحياة غداً، ولأي قاهرة ينتمي هؤلاء الملايين الضائعون فوق كباري الاغتراب؟

اقرأ أيضًا: «لينا أسامة»: لا أرسم بورتريها بل وجوها أبدية.. ورحلتي بدأت من وجوه الفيوم

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.