دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة

عندما قرأت خبر وفاة المخرج داوود عبد السيد، كنت في غفوة بين الظهر والعصر من فرط الإرهاق، ظننت أنه كابوس. قرأت منشور النعي عند إحدى الصديقات، فأعدت إرساله لها في حالة من عدم التصديق، وعندما استيقظت وجدت ردها مستعجبا: “خير؟”، فبدأتُ وقتها فقط أستوعب الفاجعة وأشاركها حزني الشديد.

الحكيم الذي أعطاني حكمته بحكاياته السينمائية

داوود هو مخرجي المفضل، برغم أنني لم ألتقيه شخصيًا في حياتي، أجد بيني وبينه روابط ساهمت في تشكيل وجداني. كنت أرى نفسي “يحيى” في أفلامه، وجدته يطرح الأسئلة الفلسفية التي تشغلني، وربما دفعتني شاعرية تلك الأفلام أن أصير شاعرًا فيما بعد، وأكتب له إهداء في ديواني الأول “بطل من مجاز”.

هو من أحيا لدي حلم أن أصير صانع أفلام، قلت لنفسي: أريد أن أصنع أفلاما تترك في الناس نفس تلك المشاعر وتطرح تلك التساؤلات، ولكن يحيى بشاعريته؛ لم يستطيع العمل في هذا الوسط القاسي، عملت في الصحافة، وسعدت عندما سمعته يقول؛ أنه كان يتصور أنه سيعمل صحفي قبل أن يكون شغوف بالسينما، بينما كان حاضرًا عندما فزت بأول جائزة مقال نقدي بمقالي عن فيلمه “قدرات غير عادية”.

مخرج يبحث عن نفسه في الوجود

بدأ داوود عبد السيد رحلته كمخرج، بعد تخرجه من المعهد العالي للسينما سنة 1967 بالأفلام التسجيلية، حتى يكتشف نفسه وإمكانياته كمخرج، صنع ثلاثة أفلام هي: “وصية رجل حكيم في شئون القرية” و”العمل في الحقل” و”عن الناس والأنبياء والفنانين”.

يجمع الثلاثة أفلام علاقتهم بالريف، ويجمع الفيلمان الأخيران تحديدًا إضافة إلى التقاطع مع الريف، التوثيق لسيرة وفلسفة اثنين من الفنانين التشكيليين اللذين تأثر بهما داوود: “حسن سليمان” و”راتب صديق”.  وبطريقة أو بأخرى ربما تبحث هذه الأفلام في العلاقة بين الإنسان والإبداع والواقع، وهو البحث المستمر والممتد في كل أفلام داوود الروائية بعد ذلك، على نحو أو آخر، ومعنى وجود الإنسان، وهل هو مجرد كائن يتحرك في الدنيا أم مبدع بطريقته الخاصة.

يقدم داود  الفيلمين من خلال رؤية “ذاتية” له كمخرج يسعى لاكتشاف عالم الفنان المفكر، فيصبح هو الراوي الذي يروي لنا، ويتوقف أمام بعض المحطات والمناطق خلال الفيلم بصوته، لا لكي يشرح بل لكي يعلق ويقدم فهمه الخاص أو يطرح تساؤلاته الخاصة.

كان ما يشغل عبد السيد في عالم الفنانين الكبار، ليس الكشف عن أعمالهم بحد ذاتها، بل اكتشاف عالمه الشخصي في علاقته بالعالم، أي رؤيته الإنسانية والفلسفية، والتحليق معه في أجواء عالمه، لكي يتعلم ويطلع ويعرف كيف يمكن أن ينقل ذاته في السينما، في أفلامه، وخصوصا أن داود من المخرجين السينمائيين الذين ينطبق عليهم وصف “المخرج- المؤلف” أي صاحب الرؤية الذي يكتب أفلامه بنفسه ويعبر فيها عن رؤيته للدنيا من حوله، ولا يكتفي فقط بالتعبير عن موقف سياسي يرتدي ثياب الموضوعية الزائفة.

البحث عن نفسي في سيرة داوود

أما أنا كنت أريد لنفس هذه الأسباب أن أصنع فيلم عنه، أكتشف نفسي كمخرج بينما أكتشف عالمه، أكتشف يحيى كبطل في مراحل مختلفة في أفلامه، وأكتشف يحيى الذي هو أنا، والذي ربما يكون بطل فيلمه الذي خرج من الخيال إلى الواقع، تمرد على أن يكون مفعول به ليكون فاعل، أن يكون مخرج بدلا من أن يكون شخصية بداخل فيلم، قبل أن تنشأ تلك الفكرة، تمنيت لو استطعت العمل كمساعد في فيلم داود التالي، لكن جاء خبر اعتزاله في 2022 كصدمة بالنسبة لي، كأن العالم يقول أن زمن يحيى راح.. زمن المتعة اختفى.

ما يجذبني في الأفلام بالأساس، هي الحكاية والتي هي أصل أغلب الأعمال الأدبية والفنية الأخرى، وعظمة جمال الحكايات وخاصة السينمائية منها، أن نجد فيها آراء وتفسيرات مختلفة وتأويلات فلسفية، للدراما والشخصيات والرموز، قد يستمتع البعض بالفيلم كحدوتة مسلية أو مثيرة فقط، وقد ينظر الجمهور المتأمل الذي كان يفضل أن يخاطبه داوود، ليشاركه همومه وأسئلته المفتوحة، التي يترك لنا حرية الاشتباك معها والإجابة عنها.

***

كان داوود يعتقد أن أهم علاقة للمخرج ليست مع الممثل أو المونتير أو المصور، أهم علاقة مع الجمهور. هذه العلاقة التي شغلته طوال مسيرته المهنية، فهو ينتمي لجيل كان خريجي معهد السينما فيه يعانون من مراهقة؛ تتلخص في الرغبة في عمل أفلام مختلفة عن الأفلام التجارية، وهو ما جعل فكرة الفيلم الجديد والمختلف والمثقف ترتبط بكونه فيلم غير ممتع أو جذاب للجمهور.

أما هو فكل ما حاول فعله طوال سنوات عمله في السينما، هو صناعة أفلام تصل للناس، وفي نفس الوقت تعبر عنّه، بمعنى أن بها جانب ذاتي، دون أن تكون منفّرة للناس. فكان يسعى للجمهور، ولكن ليس بمعنى أن يقدم لهم ما تعودوا عليه، بل ما يريد تقديمه. وقد تعرض خلال مشواره لنجاحات واخفاقات، لكن بشكل عام نجح في هدفه ككل، حتى لو كان النجاح هو دفع عدد من الناس للاهتمام بهذه النوعية من الأفلام والذهاب لمشاهدتها والبحث عن جديدها”.

يحيى في عوالم مختلفة

الارتباط الذاتي هو منبع سينما داوود، فهو يقول دائمًا أنه ليس مخرج أو سيناريست محترف، هو فقط يصنع أفلامه ليُشفَى من الحُمَى التي تنتابه حين تستولي عليه الفكرة، ويراهن على جمهوره الذي انتمى لهم، من الشبان متوسطي العمر، المتعلمين جيدا، المثقفين، المتحررين!

ربما ازددت حبًا وتعلقًا بشكل شخصي بأفلامه، وخاصة ثلاثية “أرض الخوف” و”رسائل البحر” و”قدرات غير عادية” لكون بطلهم واحد هو يحيى في عوالم مختلفة.

تشترك أفلام داوود؛ في طرح الأسئلة الوجودية، التي تتعدد إجاباتها أو لا إجابة لها، ويرى أن هذه الأسئلة هي المادة الأساسية للفلسفة والفن، وحتى الدين الذي يُقدِّم مجموعة من التفسيرات حول سبب الخلق والحياة والموت، يأثرني هذا الجموح للأسئلة الفلسفية، التي تكسر التابوهات الثلاثة الدين والجنس والسلطة، فهو يؤمن بحرية الفرد وأن يكون سلطة نفسه.

***

يقول عبد السيد عن فيلمه “أرض الخوف” أنها تجربته وتجربة جيله، ليس في العمل كضابط بوليس أو تاجر مخدرات بالطبع، ولكن هي تجربة الجيل الذي كُلِف بمهمة ثم نُسي تماما، ويعتقد أن لنكسة 67 تأثير كبير على هذه التجربة التي قصدها.

تشترك الأفلام الثلاثة في تيمة رحلة البطل/ آدم الذي يتغرب عن عالمه ليبحث عن معنى مفقود فيما يشبه رحلة آدم أو الرسول؛ قبل أن يهبط عليه الوحي، أو الفيلسوف ولكنه لا يسكن برجه العاجي بل يجوب الأرض، يعتمد داوود في سرد الأحداث على الراوي، وهي الطريقة الأنسب للذاتية وتوضيح الصراع الداخلي.

غواية تفاحة آدم

في بداية الرحلات في أرض الخوف، نجد الإشارة الرمزية لقصة آدم بداية من مشهد عرض المهمة على يحيى، فنجده  يأخذ تفاحة من طبق التفاح الموضوع بجانبه، وفي إشارة لقبوله بهذا الإغواء ودخوله في عالم جديد باسم حركي هو آدم في مهمة بعنوان أرض الخوف.

أما في رسائل البحر، نرى المشهد، حين يقابل مالك العقار الجديد، الذي فيه شقة أسرة يحيى القديمة، يريد المالك هدم العمارة، ليبني مكانها مول تجاري كبير، يعرض عليه تفاحة، لكن يحيى يرفض هذه المرة، لأن البيت يرتبط معه بذكريات ومشاعر حنين أكبر من المال، فيطارده حتى يقتحم حتى يجبروه على ترك الشقة، في دلالة على تفشي الرأسمالية والأعراف الرجعية في مواجهة الإنسانية والجمال، فحتى عالم يحيى القديم البريء الذي هرب له، لم يعد آمن.

وفي قدرات غير عادية، تغوي يحيى الطفلة فريدة بقدراتها الغريبة، حيث يأكل التفاحة التي تساعده في إغواء الطفلة، للكشف عن قدراتها غير العادية، حيث يضع تفاحة فوق الدولاب، وتأخذها فريدة باستخدام قدرتها في تحريك الأشياء، فتبدأ رحلة يحيى إلى الإسكندرية، أن يكون لها معنى بالصدفة.

المخرج الراحل داوود عبد السيد.. أرشيف مفتوح
المخرج الراحل داوود عبد السيد.. أرشيف مفتوح
رحلة الفيلسوف للبحث عن الحقيقة والحرية

يطرح فيلم “أرض الخوف” من وجهة نظري، أسئلة فلسفية وهمومًا وجودية عميقة حول حرية الإرادة ومعنى الاختيار، موظفة داخل حبكة وصراع درامي محكم. منذ اللحظة الأولى يبدأ يحيى في التساؤل عن صحة قراره، رغم وعيه المسبق بصعوبة الطريق الذي اختاره.

تبلغ هذه الأسئلة ذروتها حين يكتشف عدم جدوى رسائله بعد لقائه موظف البريد، الذي يجسّد رمزية «الرسول»، ويخبره أن ما حدث ليس مصادفة بل قدرًا. هنا ندرك أن يحيى كان مدفوعًا إلى اختياره منذ البداية، وأن تساؤله عن جدوى الرسائل يحيل إلى فكرة نيتشه عن «موت الإله»: آدم الذي أُنزِل إلى أرض الخوف في مهمة بلا إجابات أو معنى جاهز للحياة.

***

يتحوّل الصراع في “أرض الخوف” إلى سؤال أخلاقي مركزي عن الخير والشر: هل تبرّر الغاية أفعالًا غير أخلاقية؟ لا يمثل يحيى الفساد شكليًا، بل يغوص في جوهره، منقسمًا بين هويته كضابط شرطة ويحيى أبو دبورة. يعترف أحيانًا بلذة الشر، لكن وازعه الأخلاقي يمنعه من قتل العميد عمر الأسيوطي، في مواجهة رمزية تشبه صراع آدم وإبليس داخل جنة متخيَّلة.

في “رسائل البحر”، يخوض يحيى رحلة موازية عبر شبكة من الرسائل والعلاقات، أهمها رسالة البحر الغامضة التي لا يفهم لغتها، في إحالة رمزية إلى علاقة الإنسان بالمطلق. وتتجاور هذه الرسالة مع علاقته بقابيل، رمز القوة والخطيئة، الذي يبدو قويًا ظاهريًا لكنه هش من الداخل، لتتبدى فكرة أن للقوة أشكالًا أخرى غير العنف.

أما في “قدرات غير عادية”، فيستكمل يحيى رحلته كفيلسوف يبحث عن الحكمة. يسافر بلا هدف بعد يأسه من البحث العلمي، لتصبح الطفلة فريدة رمزًا لـ«الطفل الفيلسوف»، القادر على الدهشة وطرح الأسئلة، في مقابل عالم الكبار المكبوت. تنتهي الرحلة في المولد، حيث يذوب يحيى في تجربة صوفية، مدركًا أنه جاء ليعرف لا ليستريح، وأن البحث نفسه هو جوهر الرحلة.

الخلاص في الحب

في نهاية أرض الخوف، يعود ليحيى لفريدة، كما لم يعرفها من قبل، فريدة التي عندما ظهرت في حياته عاش أكثر أيامه حيوية، وأشعت حرارتها فيه، كان بابها المفتوح هو المحراب والحب الذي يكفر الخطايا.

في رسائل البحر، جاءت نورا، لتضيء عالم يحيى، انتشلته من ظلامه، صار معها طبيعي لا يتلعثم، أحبها أكثر من الموسيقى، أكثر شيء يحبه في حياته، بينما يكتشف أنها كانت عازفة الموسيقى المجهولة التي كانت تعزف له عندما يمر من أمام فيلتها.

ينتهي الفيلم بمشهد يحيى ونورا بعد أن تعود له وتقرر العيش معه، يجلسان في المركب وتقول له أنه لا يهم ماهية رسالة البحر أو من أين أتت، لكن المؤكد أنها رسالة من البحر له. حب يحيى ونورا عاش برغم محاولات قتله كالأسماك، ونجا بمركب صغيرة تأويه، لم يفهم الرسالة لكنه أدرك معنى وجودي أكبر.

***

في قدرات غير عادية، اكتشفت حياة أن قدراتها التي كانت تخبأها مازالت نارها تحت الرماد عندما أحبت يحيى واستدعته، ويحيى لم يكتشف قدراته، إلا بعد أن رأى حياة وفريدة. قد تكون قدراتهم غير العادية هنا، ليس قدرة فردية، لكن قدرة الحب المشتركة.

فعندما استخدموها في الحب صارت فعالة، بينما عندما حاولوا استخدامها؛ في أغراض الجهة الأمنية فشلت، كذلك فريدة عندما استخدمت قدراتها في اللعب والمرح؛ كانت تؤدي لسعادتها، أما عندما إنتزعت من عالمها الطفولي، وتم استخدامها كوسيط في قضايا سياسية أصيبت بالإكتئاب، كأن هذه القدرات لا تعرف إلا العالم البريء.

يعود يحيى مرة أخرى للبنسيون على البحر، ولكن هذه المرة يعود لحياة وفريدة، كأنه عاد ليستريح ويتقرب ممن حوله، ويدرك أن “مش جايز كل دول عندهم قدرات غير عادية” هي القدرة على الحب وفهم وتقبل الآخر المختلف.

اقرأ أيضا:

علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزينة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.