وليد قانوش في «ألعاب العقل»: قانون اللعب والاتزان

«إذا رأيت حبلا يشد من الطرفين لشخصين متساويين في القوة، فسوف ترى الحبل ثابتا في مكانه، لكنه سوف يكون في نفس اللحظة مشحونا ومحملا بالطاقة»

رودولف إرنهايم – الفن والإدراك البصري.

إذا افترضنا أن لغة الشكل إذا اتبعت نظاما دقيقا أو لنقل، نزعة رياضية المنحى. فهل سيمكنها ذلك من أن تصل إلى ما يصفي القانون الجمالي المعتاد دون التخلي عن إرثه ليجعلها تنفذ إلى شكل من أشكال التفكير المعادلي تصيغ من خلاله توازنا لمنطق جمالي خاص؟ أو ربما إعادة صياغة الحركة داخل مغامرة لها منطقها الرياضي. بحيث لا يكون هذا من قبيل الثقة الكاملة بحقيقة هذا المنطق أو طريقة التناو.، بقدر ما يكون الزَجُ بالشكل في احتمالات متعددة، يمكن أن نصفها بإحدى “ألعاب العقل” مع الواقع، وربما مع عبثية الحياة من باب آخر.

عندما قامت النزعة الفلسفية المعنية بالمنطق وفلسفة الرياضيات والمناخ الأخلاقي المختلف في العالم الغربي في بدايات القرن العشرين. كان من أهم توجهاتها التعرض لمنطَقةِ اللغة باعتبار وجوب دقتها لتحقق المعنى فيها. ويعتبر ذلك التوجه الفلسفي مؤسسا لفلسفة اللغة التي أرهص بها راسل وتحققها فتجنشتاين، (دون الدخول في تفاصيل تلك الأفكار). فإن ما يعنينا هو الإشارة فقط لتلك الدقة التي يتحقق فيها المعنى/ وليس من خلالها. بمعنى أن اللغة هي حضور الفكرة، وليست فقط وسيطا لصياغتها، اللغة والمعنى كيان واحد. ولا يعني هذا أيضا أن اللغة هي كائن مجرد بقدر ما تكون هي الحركة التي تنبئ عن ذاتها من خلال الحياة والتجربة والمغامرة.

***

إذا هل يمكن أن تكون المغامرة هي لعبة العقل نحو التآلف والموازنة داخل لغة الشكل؟ وهل يقوم العقل ببناء جملة العلاقات ما بين الممكن والعصي والمستحيل لجعل الحياة محتملة؟ إن كلا الشقين (انضباط اللغة وتوافقات العقل مع الواقع) هما اللذان يحققان ذلك التوازن ما بين ظواهر الحياة والوعي العميق بها. ويبدو أن ذلك هو الحراك الأساسي الذي نفذ خلاله الفنان وليد قانوش في مجموعة أعماله المعنونة بألعاب العقل.

ويتبدى من اللحظة الأولى للرؤية أنه يحاول بجهد صياغة ذلك الميزان من خلال حبكة البناء وتنوع الكتلية التي تحفظ ميزان الحركة وعلاقته بمركز الثقل. ذلك الثقل الذي يبدأ من الزوايا متوجها إلى مركز العمل والذي يخضع لقانون بصري حاول الفنان إحكامة وترسيخة في بنائية صارمة أحيانا. تلك البنائية التي تتخلل وتتماهى مع منطق الشكل المجرد فتتوالد الحركة على المسطح من خلال بنية التقاطعات التي تحكم دائرة الإبصار في رحلتها عبر المسطح لتقودها إلى الارتكاز على النغمة الرئيسية التي صعد منها مقام الحركة.

أفق الموسيقى ورحلة الشكل

يظهر لدينا بوضوح تلك الصلة بين الإيقاع والشكل، أو لنقل الشكل في إيقاعيته. ونلحظ ذلك في مجموعة رسوم الألوان المائية المؤطرة بالزجاج، والتي يبدو فيها التشكيل وقد أخذ نغمات تتراوح بين التصاعد والهبوط. والتكرارية التي تنحو بنا لما يشبه سماع المقطوعة البصرية التي تتنوع ما بين الزخم والتهادي ومن ثمة التبسيط. إن هذا التشبيه يقربنا من روح الحالة البصرية التي يخاطبنا بها وليد قانوش في حبكتها. وذلك لارتباط الموسيقى بعلوم الرياضيات من حيث الانضباط والحدة ومن ثم الاتزان الذي تحكمه قوانين. إضافة لكونها (أي الموسيقى) في جانب مهم منها هي اتساق الحس الإيقاعي للحركة والوجود.

كما تذكرنا جملة هيرمان هيسه في لعبة الكريات الزجاجية حيث يقول: “أما قواعد اللعبة ورموزها وأصولها فعبارة عن شيء قريب الشبه بلغة سرية بلغت درجة فائقة من التطور. أسهمت في تكوينها علوم كثيرة وفنون عديدة، وخاصة الموسيقى (أو بالأحرى علم الموسيقى). كل هذه المادة الهائلة من القيم الفكرية يلعب بها لاعبو الكريات الزجاجية. كأنها… أرغن بلغ كمالا لا يكاد العقل يتصوره، لوامسه ودواساته تلمس الكون الفكري كله”.

الخط ومسار التكوين، وفاعلية التجريد

تكمل مسارات الخطوط حالة اللعبة، لتزيد ربما من تلك السخرية التي تبدو وكأنها موقف من العالم المعاش. فالشخوص لا تظهر منها غير رؤوس شبه تائهة ومغماه بما يشبه نظارة الثلاث أبعاد. أو بما يشبه غطاء رأس سيقبع مستقبلا فوق الرؤوس ويجعلها على هيئة واحدة. ينتفي هنا حضور قطع اللعبة ورقعتها (الشطرنج) بمعنى أنها لا تعطي تلك الفرضية بأنها هي الإشارة الأساسية المقصودة لفكرة ألعاب العقل.

فالعمل هنا يتعدى فكرة واحدة عن لعبة تتصف بالصنوية والتحدي والمواجهة. حيث تأتي الرؤوس هنا مراقبة أو متفرجة وبالأحرى متورطة في عبث ما يشير إلى فكرة التناطح التي تنبعث من الإشارة إلى لعبة الشطرنج. ليتبدى لنا أن اللعبة ليست لعبتنا، نحن فقط متوازيين مع تلك القطع التي تحركها قوة غير محددة بالضبط. توضح هشاشة الخط هنا الجانب العبثي بين الكتلة والكيان الذي لم يكتمل لصياغة اللعبة. وربما لصياغة الجزء الباقي من الحياة. ويذكرنا هذا بالرسوم المصرية القديمة على أسطح المعابد وفي جداريات المقابر عندما نجد الجانب المخطط من الرسم الحائطي. والذي لم يكتمل بنهاية حياة صاحب المقبرة أو الملك. وبالتالي تغلق دائرة الحركة الغير مكتملة لتجعل من ذلك النقصان مفهوما دالا على النهايات الغير متوقعة. أو على ذلك النقصان الهزلي الذي نسميه الحياة من جهة أخرى.

***

يتبدى البشر وكأنهم فقط مساحات داخل القانون الهندسي للشكل، باعتباره موقف فكري  لصياغة الرؤية. حيث يتحول كل شيء لصالح الاندماج في حالة التسطيح التي تصفي الشكل ربما إلى بعض عناصر أساسية يفرضها مكون العمل وقانونه. ولا أفضل تسميته بالتجريد كتسمية مطلقة في الحقيقة. ولكن أفضل أن أقول أن العناصر هي التي تتبع قانون الشكل. أو سيرورة التجربة التي يضطلع بها الفنان. لأن ذلك ربما يفتح أفقا أرحب للتفكير من المصطلح النقدي الذي تأسس عبر أحقاب ماضية لا يحتوي في اعتقادي على مفهوم مكتمل واضح.

تأتي صناعة المنظور في مجموعة الأعمال المعروضة وكأنها تكشف عن عبثية البعد الثالث الذي تأسس سابقا في تاريخ التشكيل عبر معادلة الضوء والظل. حيث يبدوا هنا المنظور مكشوفا، أي أنه يبدو مسطحا أيضا وليس منظورا مجسدا للكتلية عبر الضوء والظل. وكأنه يكشف عن عبثية الإيهام بذاته، الأمر الذي يذكرني بحالة السينوجرافيا المسرحية حين يتم فيها إدماج عناصر الديكور التشكيلية مع حركة الشخوص. لكشف الوهم الذي تقوم عليه فكرة بناء الديكور، بل وتحويل ذلك الوهم إلى حالة هزلية ساخرة.

الإيهام باللعبة

كما أسلفنا بإيجاز أن حضور مكونات اللعبة (الشطرنج) الذي كان هاجسا للفنان يستقبل عناصرها ورقعتها على المسطح. ولكن يبدو أن حركة الفنان مع المسطح تجاوزت حدود اللعبة أو مفهوم اللعبة. بقدر ما كان شقي الوجود المتعارضين هما الأوفر حضوراً في طاقة التعبير البصري لدى الفنان. بما هو مشابه لشقي الحياة اليين واليانج في عقيدة التاو الصينية. فما بين ذلك التكسر للأفق وشبكة الخطوط المتقاطعة وعلاقتها بثبات رقعة الشطرنج، ينطرح ذلك التعارض. بل ينطرح أكثر من صراع طرفين، حيث الحياة تتكون من نقيضيها الأزليين.

وإذا عدنا إلى مقولة إرنهايم حاول وليد قانوش الحفاظ على حبل اللعبة متوترا بشد أطراف اللعبة على مستوى الشكل. فقد وضعنا طوال الوقت أمام ذلك التكسر والتعارض للخطوط القائمة والمائلة. بينما يصنع الإيحاء بوجود القارب في أحيان كثيرة حالة من التيه في علاقته مع فضاء اللوحة. فهو ليس في حالة رسوٍ ولا حالة طفو، إنه فقط إيحاء تائه. بينما تتناغم أشكال المراكب في حالة طفولية فنتازية ليكون المقعد الفارغ كزوال للوضعية السلطوية عنصر يساهم في هزلية المشهد.

إن تلك السخرية في رأيي ليست هي فقط موقف من العالم. حيث يبدو أنها تصنع واقعا موازيا يخص البحث عن انسجامية للروح في هزلية العالم، أو أنها طوال الوقت محاولة للتعادل. فتصبح هنا اللعبة مطابقة للحياة، وربما تكون هي الحياة نفسها فليس هناك فاصل في الحقيقة حيث إنه ليس هناك حقيقة بالفعل.

يبقى هنا أن نقول أننا نتعرض لمفهومية العمل من خلال التفاعلات المؤسسة داخل العملية الإبداعية أو المتخللة العمل نفسه. فليس هناك أصدق من التعامل مع الظاهرة إلا في حالة حضورها النشط وتحولاتها مع الواقع والوجود. وهذا هو جوهر الظاهراتية فهي تتمحور بين التحقيب في الظاهرة وحضورها النشط في ذات الوقت.. ليكون هذا هو المحور الأساس في عرض وتقصي أعمال الفنان وليد قانوش.

معرض «ألعاب العقل» للفنان وليد قانوش يتواصل في جاليري ياسين بالزمالك حتى الخميس القادم.
اقرأ أيضا:

حوار| الفنان التشكيلي مهاب عبدالغفار: الأرض للبشر والجميع وطاقة الإنسان مشحونة بالتفاصيل

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر