«معرض العمارة الجنائزية»: فنون قرافة القاهرة التاريخية من جولات حرة

اختتمت فعاليات المعرض الجماعي للتصوير الفوتوغرافي «العمارة الجنائزية لمصر المعاصرة» بمكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك أمس. إذ شارك في المعرض عدد من الفنانيين والمصورين واستشاريين الهندسة من خلال عرض نماذج بصرية لكنوز القرافة التاريخية.. «باب مصر» يستعرض تفاصيل الصور.

 جبانات القاهرة التاريخية

المعرض من تنظيم مسؤولي مبادرة “إنقاذ جبانات القاهرة التاريخية”. وشارك فيه نحو 8 من مصوري الجبانات التاريخية، الذين حاولوا توثيقها عبر الصور الفوتوغرافية، التصوير الزيتي، أو خرائط قديمة. واشتمل المعرض على مجموعة من اللوحات للدكتورة داليا الشرقاوي، وخرائط تاريخية للمهندس عمرو عصام، خبير التخطيط والتنمية العمرانية، ومصورين الفوتوغرافيا كل من المهندسة علياء نصار، ميشيل حنا، سارة حسن، دكتور مصطفى الصادق، كريم بدر، ندى زين الدين وآلان بونامي.

وتقول المعمارية علياء ناصر، منسقة المعرض ومدير توثيق بالمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث: “كل مصور اختار أفضل أعماله لإبراز جماليات المكان وعراقته لعرضها”.

وتتابع لـ«باب مصر» أن مشاركتها بصور التقطتها للجبانة أيضا. وكانت قد بدأت بتصوير القرافة منذ عام 2012. وتتنوع الصور من مدافن مختلفة الإمام الشافعي، صحراء المماليك، باب النصر، وجميعها تشترك في هدف إظهار القيمة الفنية المعمارية للمدافن.

عرض الصور كان بطريقة مبتكرة تهدف إلى التعريف بهوية وتاريخ المكان الموثق في الصورة. وذلك عبر بصمة ضوئية بعد تصويرها بالهاتف تنقل المشاهد لموقع إلكتروني يتضمن شرح للشخصية والمدفن، مع شرح للخرائط لخبير التخطيط المهندس عمرو عصام وتطور القاهرة التاريخية بعد تدشين طريق صلاح سالم، و4 لوحات لـ د. داليا الشرقاوي.

قيمة بصرية

اختيار العمل المشارك في المعرض يرجع إلى كل مصور. إذ توضح المعمارية علياء أن كل مصور اختار أفضل المعالم التي وثقها ولاحظ أنه بحاجة لسرد قصتها. بالإضافة إلى القيمة البصرية للمدفن أو المبنى.

وتقول: “واجهات المباني والتركيبات والأبواب والأحواش تتميز بتركيبات متنوعة. من الممكن رصد من خلالها طرز العمارة الشعبية ومستوى الأفراد في الطبقة المتوسطة. وبعض المدافن تحمل شعار مصر القديمة – الهلال والنجمة – وتتميز مدافن أخرى فخمة بأنها مزينة بالرخام والزخرفة بماء الذهب بل وبعضها يكون مُجهز بأثاث”.

لا يجسد المعرض مدافن أشخاص بعينهم – أعيان مصر – على سبيل المثال. توضح علياء أن الاهتمام كان للقيمة الاجتماعية للمدافن والعادات الكثيرة التي يرتبط بها الموت، وعادات أخرى متوارثة من قدماء المصريين. وتقول: “هناك أشخاص لا نستطيع أن نمحو ذكراهم رغم افتقار المقبرة لطرز مميزة ولكن هذا ليس معناه إباحة هدم المدفن خاصة في ظل وجود الارتباط الإنساني بين الشخص والمدفن”.

خبايا المقابر

“قوة الفن لا تقل عن أي سلاح آخر يُستخدم لتغيير الواقع” هكذا ترى منسقة المعرض دور الفن في إنقاذ الجبانات التاريخية. وتضيف: “أدعو الجميع للنزول وتصوير المدافن بأي شكل، فيديو، صور، عمل سينمائي، أي نوع من الفن سيخدم مبدأ تعريف الناس بالمدافن وأهميتها كنوع من التوثيق. وعلى المستوى الشخصي بدأت في الاهتمام بتصوير القرافة قبل 10 سنوات من خلال جولات أسبوعية في صحراء المماليك التي وجدت بها كنوز مخفية خلال جولاتي ضمن مشروع توثيق التراث غير المادي بالتعاون مع الأرشيف القومي للفلكلور”.

وتابعت: خبايا المقابر وما تتضمنها من فنون مثل الواجهات والأبواب وشواهد القبور المميزة كانت سببا في استمرار جولاتي الحرة لتصوير المدافن التي بدورها تساهم في تعريف الناس بالمدافن وأهميتها. مشيرة إلى الاستفادة من خبرتها كمهندسة معمارية في الاهتمام وطرز الفن “التعمق في التصوير يجعل المرء يرى الأبعاد الإنسانية وراء كل مدفن”.

وتوضح، يقدم كل مدفن صورة كاملة عن حياة الشخص المتوفى. إذا كان رجل أو امرأة، والعمر، بل وطبيعة العمل، “هناك مدفن يحمل لافتة باسم جمعية أصحاب كي الملابس. وكأن كل شخصي يود تعريف نفسه وهويته بعد وفاته، وفي بعض الأحيان يُكتب عنوان المنزل بالكامل على المدفن”.

القرافة وتوابيت الفراعنة

“هل تتشابه هذه الطريقة مع الطريقة المعتادة للتوثيق مع مقابر المصريين القدماء؟”، أجابت منسقة المعرض بتأكيد وجود هذه العلاقة والتشابه مع المصري القديم وكانت الكتابة على المقبرة جزءا أساسيا من مراسم الدفن. نظرا لاعتقادهم أن الاسم يحمل جزءا من الروح المستمرة في الحياة الأخرى. وإذا مُحي الاسم يختفي الشخص. وهي الطريقة نفسها المتبعة في “القرافة” بالقاهرة التاريخية من خلال تدوين الاسم واللقب والمهنة “كبابجي، طرشجي، مُعلم، طالب”.

وتوضح أنه في مدافن القاهرة التاريخية لا يوجد تدوين صفات. ولكنها موجودة في مدافن أخرى وتسمى “جبانات هبو” وتتسم بوجود الكثير من الرسومات التي تعبر عن الشخص. ليس بالمهنة والاسم فقط بل الصفات أيضا. وتقول: “أحيانا يُرسم إناء ويجاوره أكواب في إشارة إلى أن المتوفى كريم”.

على جانب آخر شهدت تجربة “معرض العمارة الجنائزية” إقبالا قويا مما شجع القائمين على تنظيم المعرض بتكرار التجربة. مع التفكير في استضافة المزيد من الفنون المتعلقة بالعمارة الجنائزية.

نسيج القاهرة التاريخية

“مستجدات نسيج القاهرة التاريخية” كان دافعا لمشاركة خبير التخطيط والتنمية المهندس عمرو عصام في المعرض بأربعة خرائط من الأرشيف الخاص به. اثنتين منهن من رسم الحملة الفرنسية في القاهرة في أواخر القرن 18.

ويقول لـ”باب مصر”: “الهدف منهم الإشارة إلى تاريخ جبانات القاهرة التاريخية سواء باب الوزير أو الجبانة الجنوبية أو الشرقية أو باب النصر، الموجودة في نسيج القاهرة منذ الحملة الفرنسية”.

وتابع: الهدف من الخرائط، هو عرض أقدم شكل باعتبارها حُجة تاريخية. مع عرض خريطة من هيئة المساحة المصرية للقاهرة ضمن مجموعة خرائط القطر المصري عام 1918 والتي تظهر اندماج الجبانة الشرقية والجنوبية قبل تنفيذ طريق “صلاح سالم” وطريق “الاوتستراد”.

يوضح: “تظهر الخريطة عراقة الجبانات وتداخلها إذ تشكل نسيج وكتلة واحدة. ولكن مع تدشين كل طريق جديد يتفتت هذا النسيج. ولكن لا نستطيع المقارنة بين عمليات التطوير في الخمسينيات أو أواخر الستينيات لشق طريق الاوتستراد وما يحدث الآن بسبب قلة الوعي بالتراث قديما”.

ويضيف عصام، كانت منطقة الجبانات متصلة حتى أعادت الطرق تقسيم المنطقة. وآخر خريطة لليونسكو لتقسيم القاهرة التاريخية هامة لإيضاح الحدود التي وضعتها اليونسكو لتقسيم القاهرة التاريخية واستيعاب المقابر، والتداخل مع حدود الجبانة الشرقية (صحراء المماليك) والجنوبية (الإمام الشافعي) وخلافه، وضم باقي الجبانات ضمنها.

ويقول: “في رأيهم هذه الأجزاء من الناحية الوظيفية والتاريخية والعمرانية مُكملة لا يمكن فصلها مع النظر للمنطقة كنسيج واحد متكامل”.

قصة كل غائب

شاركت المصورة سارة حسن  في المعرض بعدد من الصور التي وثقت من خلالها تنوع المقابر في القاهرة التاريخية. وتقول لـ”باب مصر”: “جاءت مشاركتي بعد عرض أحد المهتمين بالتراث والعمارة الجنائزية بشكل عفوي ووجدت أن المعرض فرصة لعرض تنوع المقابر في مصر”.

وتضيف: شاركت بـ25 صورة لجبانات القاهرة التاريخية. وجاء اختياري وفقا لنظرتي الفنية للمقابر المهمشة، على عكس النظرة التوثيقية لتوثيق مقابر الأغنياء وأحواش الباشاوات والرُتب الكبيرة. ويتضح من كل صورة قصة المتوفى من قبره.

وتقول: “يتضح من القبر كل بيانات المتوفى إذا كانت سيدة أو فتاة وعمرها. من خلال دلالات شعرها المرسومة سواء شعر مضفر أو غطاء للشعر. وعثرت على قبر سيدة اسمها شمس قمر توفيت عام 1919، وهذه هي القيمة التي أبحث عنها. ولكل تركيبة قيمة مختلفة تعبر من خلالها عن مكانة الشخص”.

الاهتمام الأكبر في صور سارة كان لمقابر الطبقة المتوسطة. وتقول: “لا أهتم بتوثيق المقابر الفخمة التابعة لإشراف وزاري برغم أنها تتميز بتراكيب فخمة. ولكن أفضل تراكيب قبور عوام المصريين للطبقة المتوسطة والأقل. وتتميز بوجود تفاصيل وزخارف نباتية وخط يختلف من مكان لآخر كذلك النباتات والرمزيات المختلفة لها منذ مصر القديمة حتى الآن”.

من واقع خبرتها في تصوير جبانات القاهرة التاريخية، ترى سارة أن القرافة تتميز بمخزون ثقافي هام في استلهام الرموز النباتية والتراكيب الحجرية. وتضيف: “قد نرى قبر لرجل بسيط ولكنه يتسم برسومات معينة قد يكون لها امتداد ثقافي من العصر القبطي برغم أنه مدفن لرجل مسلم. وهنا يتضح اندماج الثقافة الشعبية”.

تعرض سارة الصور على أساتذة فنون تشكيلية وتاريخ وآثار لتوثيق بعضها بمعلومات عن تركيبها الزاخرة. وتستكمل خريجة كلية الألسن قسم اللغة الصينية أن اهتمامها بالتراث جاء من منطلق حبها للمتاحف والآثار الإسلامية.

وتقول: “أحب تصوير القرافة بشكل دوري مع القراءة عنها. خاصة أن بعض التراكيب تكون صامتة وليست ذات قيمة تراثية وهناك فرق ما بين أهمية الموقع وأهمية التركيبة. وأحيانا تكون أهمية بعض المقابر في أنها إنسانية”.

اقرأ أيضا:

«العمارة الجنائزية»: مقترح بحفر أنفاق تفاديا لاختراق جبانات القاهرة في المحاور الجديدة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى