دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«حجاب» للمولود ولعنة للعدو.. معرض عالمي يكشف أسرار السحر في الحضارات القديمة

التمائم والتعاويذ والبرديات السحرية كانت حاضرة بقوة، وشكلت جزءًا أساسيًا من الحضارات القديمة، كأدوات حقيقية لمواجهة المرض، وطلب الحماية، وجلب الحب، والانتصار على الأعداء. هذا ما يقدمه معرض «ملعون.. قوة السحر في العالم القديم»، الذي يُقام في متحف توليدو للفنون بكندا حتى 5 يوليو المقبل، مستعرضًا تأثير السحر في حضارات بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، ومكانته المختلفة في اليونان وروما.

التأثير في العالم من خلال السحر

يضم المعرض نحو 75 قطعة أثرية، تتنوع بين منحوتات حجرية وبرونزية وخزفية، وتمائم، ولفائف بردي، تسلط الضوء على محاولات الحضارات القديمة تتغير العالم والتأثير فيه باستخدام السحر.

ويستكشف المعرض ممارسات السحر في العصور القديمة، خلال الفترة الممتدة من عام 2000 قبل الميلاد حتى 300 ميلادي. وتتنوع المعروضات بين تعاويذ الحب، والألواح الملعونة، وغيرها من الطقوس التي عكست المعتقدات السحرية قديمًا، بالإضافة إلى التركيز على تصورات القدماء حول السحرة والجن، وإيمانهم بإمكانية التحكم في الأحداث من خلال الطقوس.

اقرأ أيضًا:من زيورخ إلى نيويورك.. كيف وصلت 12 قطعة آثار مصرية مسروقة إلى متحف المتروبوليتان؟

السحر في العالم القديم

يكشف المعرض دور السحر في الحياة اليومية قديمًا من خلال قطع أثرية تمثل 4 حضارات، هي: بلاد ما بين النهرين، ومصر القديمة، واليونان، وروما، وتوضح كيفية توظيف السحر في تفاصيل الحياة اليومية.

وينقسم المعرض إلى أربعة محاور رئيسية ترصد تطور هذه الممارسات واختلافها عبر الحضارات. ويتناول المحور الأول السحر الوقائي، من خلال عرض عصي عاجية مصرية منقوشة بتعاويذ لحماية الأطفال حديثي الولادة، إلى جانب تمائم رومانية كان يُعتقد أنها تقي من الأمراض والقوى الشريرة.

أما المحور الثاني، فيستعرض محاولات التواصل مع الموتى والآلهة، عبر رسائل جنائزية منقوشة على أوانٍ فخارية، وبرديات مصرية، إضافة إلى تمائم يونانية حملت أدعية موجهة إلى الآلهة والملائكة وأرواح العالم السفلي. ويركز المحور الثالث على حضور السحر في الحياة اليومية والطقوس، حيث استُخدمت تماثيل طينية في طقوس هدفت إلى إخضاع الخصوم، بينما تضمنت لفائف البردي وصفات وتعويذات اعتُبرت مصدرًا للمعرفة السحرية في ذلك العصر.

بورتريه من لوحات الفيوم لشاب يرتدي تميمة.. مصدر الصورة The J Paul Getty Museum, Villa Collection, 78 AP 262 Digital image courtesy of Getty’s Open Content Program
بورتريه من لوحات الفيوم لشاب يرتدي تميمة.. مصدر الصورة The J Paul Getty Museum, Villa Collection, 78 AP 262 Digital image courtesy of Getty’s Open Content Program
أصول السحر القديمة

يشرف على المعرض الدكتور جفري سبير، كبير أمناء الآثار السابق في متحف جيه بول جيتي، بالتعاون مع الدكتور روكو رومورا، مساعد أمين قسم الفن القديم في متحف توليدو للفنون.

وبحسب الموقع الرسمي لمتحف “توليدو”، يربط سبير بين الأفكار المرتبطة بالسحر في العصر الحديث وجذورها في العالم القديم، مثل صور السحرة والساحرات والأشباح التي تظهر في الحكايات الشعبية والأفلام، والتي تعود أصولها إلى آلاف السنين.

كما يشير إلى كلمة “أبرا كادابرا” ذات صلة بالسحر، وترجع أصولها إلى السحر الروماني القديم، وكذلك ارتداء التمائم لجلب الحظ، الذي يعد امتدادًا لمعتقدات القديمة.

ومن هنا ظهر دور السحرة والمشعوذين والساحرات، انطلاقًا من اعتقاد القدماء بأن العالم تحكمه قوى خفية، مثل الأرواح والشياطين، وأن السحر وسيلة استخدام تلك القوى عبر الطقوس والتعاويذ لتحقيق أهداف متنوعة، مثل الحماية من الأرواح الشريرة، وعلاج الأمراض، وجلب الحب، وإلحاق اللعنات بالأعداء.

اقرأ أيضًا:اقرأ أيضًا: رسالة من النفايات تكشف لغز«الملك قشقاش» وتعيد كتابة تاريخ دنقلا في السودان

السحر والحماية

يوثق المعرض هذه الممارسات القديمة، سواء كانت تعويذة لحماية مولود جديد، أو وصفة سحرية لجذب الحبيب، أو جرعة يشتريها شخص أملا في تغيير حظه.

وبحسب صحيفة “جارديان” البريطانية، فإن هذه الفكرة تمثل محور معرض “ملعون!”، الذي يستضيفه متحف توليدو للفنون، إذ يأخذ الزائر في رحلة إلى عالم السحر في الحضارات القديمة.

ويقول الدكتور جيفري سبير، أمين المعرض والأمين السابق في متحف جيه بول جيتي: “السحر حاضر في جميع المجتمعات، لأنه يعكس رغبة إنسانية عميقة في السيطرة على العالم المحيط بنا. فالناس، عبر التاريخ، سعوا دائما إلى الاستعانة بقوى خفية للحصول على ما يحتاجون إليه أو لتغيير مسار حياتهم”.

تابوت مصغير عليه نقش لعنة Photo Image Studio Royal Museums of Art and History Brussels
تابوت مصغير عليه نقش لعنة Photo Image Studio Royal Museums of Art and History Brussels
تقييد الخصوم بالسحر

بحسب الموقع الرسمي للمعرض، لم يكن السحر يهدف إلى الحماية فقط، بل إن بعض ممارساته كانت تستهدف إيقاف الآخرين.

ووثق العلماء هذه الظاهرة من خلال تابوت صغير يحوي تمثالًا ملعونًا يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد. ويحتوي التابوت الرصاصي المصغر على تمثال مقيد، دُفن ضمن ممارسة يونانية قديمة هدفت إلى “تقييد” الخصوم، واستخدم غالبًا في النزاعات القانونية للحد من قدرتهم على الكلام أو التصرف أو تحقيق النجاح.

ورغم أن هذه العادة تبدو غريبة اليوم، فإنها- بحسب المعرض- تقدم معلومات مهمة عن كيفية تعامل الناس قديمًا مع الصراع والعدالة.

ظهور السحر قديمًا

يستكمل سبير سرد تاريخ السحر موضحًا أنه ظهر في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة مع ازدياد انتشار القراءة والكتابة، حيث دوّن الكُتّاب التعاويذ بأشكال مختلفة.

ويصف طريقة انتقال السحر وتعليمه في مصر وبلاد ما بين النهرين بأنها كانت ذات طابع أدبي، وكانت التعاويذ والأدوات السحرية جزءًا من الحياة اليومية، ووصلت إلى عامة الناس من خلال انتشار التماثيل والتمائم. ويؤكد أن السحر في تلك الثقافات كان يُستخدم بصورة يومية، وأن من أكثر التعاويذ انتشارًا تلك التي استُخدمت لإضعاف الخصوم، مفسرًا ذلك بأن الضغوط التي عاشها الناس آنذاك دفعتهم إلى اللجوء للسحر طلبًا للنجاة.

ومن بين القطع المعروضة في معرض “ملعون!” قطعة من حجر اليشب الأحمر، جاءت من باريس، وكانت تُستخدم للحماية من المغص وأمراض البطن.

تميمة رومانية للحماية من الحسد.. مصدر الصورة Photograpr Photo Johns Hopkins Archaeological Museum
تميمة رومانية للحماية من الحسد.. مصدر الصورة Photograpr Photo Johns Hopkins Archaeological Museum
حجاب لحماية المولود

يوثق المعرض عادة قديمة ما زالت مُتبعة حتى اليوم، وهي التميمة التي تُعد للمولود، وتُعرف حاليًا باسم “الحجاب”. وبحسب صحيفة “الجارديان”، كانت هذه التعاويذ تستخدم لحماية المواليد الجدد من الشياطين، وكانت شائعة للغاية، بسبب ارتفاع معدلات وفيات الأطفال قديمًا.

ويعود أصل هذه العادة إلى الاعتقاد بأن الشيطانة “لاماشتو” كانت تؤذي الأطفال والنساء أثناء الولادة، وهو ما دفع الناس قديمًا إلى الاستعانة بشيطان آخر يُدعى “بازوزو” طلبًا للحماية.

ساحر في البيت

لم تخلُ الممارسات السحرية في العالم القديم من تعاويذ الحب، لكنها لم تكن تعبر دائمًا عن المشاعر، وبحسب جيفري سبير، اتسم كثير منها بطابع غريب، إذ كان يهدف إلى إخضاع الطرف الآخر وإرغامه على الاستجابة، وهو ما يجعلها، وفقا للمعايير الحديثة، أقرب إلى أشكال الاعتداء.

ويوثق المعرض فكرة وجود ساحر داخل المنزل قديمًا، إذ كان كثير من الناس يلجأون إلى استئجار ساحر لتنفيذ التعويذة أو تلاوتها نيابة عنهم، مقابل أجر يُدفع له، وكان يُستعان به من الأسواق.

وفي اليونان القديمة، على سبيل المثال، كان السحرة يجوبون البيوت، ويعرضون أنواعًا مختلفة من السحر بدعوى تحسين حياة الناس. ووصفهم أفلاطون في كتاباته بـ”الكهنة المتسولين”.

قناع هامبابا بابلي قديم.. مصدر الصورة The Trustees of the British Museum
قناع هامبابا بابلي قديم.. مصدر الصورة The Trustees of the British Museum
تميمة لحماية حُكام مصر القديمة

يكشف المعرض أن الإيمان بممارسات السحر قديمًا وصل إلى بلاط الحكام والملوك في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين، إذ اعتقدوا بقدرة السحر والتمائم على درء الحسد والحماية، وهو ما تعكسه القطع الأثرية المعروضة في معرض “ملعون!”.

ويوثق المعرض هذا الاعتقاد من خلال عرض تميمة رومانية كانت تُعلق للحماية من الحسد، وكان بعض القادة يستخدمون مثل هذه التمائم بعد توليهم الحكم.

وفي مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين، كان السحر أكثر انتشارًا واندماجًا في الثقافة السائدة، إذ كان كهنة الدولة يصنعون تماثيل تمثل الأعداء الأجانب، ثم يحطمونها اعتقادًا بأن ذلك يساعد الحكام على التغلب على خصومهم. كما كان يُستعان بطاردي الأرواح الشريرة لتخليص المملكة من الشياطين التي كان يُعتقد أنها تتسبب في انتشار الأمراض الخطيرة.

نظرة سلبية للسحر في اليونان القديمة

اختلفت نظرة الحكام للسحر في حضارات أخرى، ففي اليونان القديمة، على سبيل المثال، كان يُنظَر إلى ممارسة السحر نظرة سلبية، وكان يُعتقد أن اللجوء إليه يقتصر على الفئات المهمشة.

واستشهد جيفري سبير بواقعة تاريخية، تمثلت في محاولة بعض المواطنين في اليونان القديمة التصدي للطاعون باستخدام السحر، وهو ما أثار غضب القائد بريكليس في أثينا.

وأعرب بريكليس عن أسفه لأن أثينا وصلت إلى مرحلة من الضيق دفعت بعض سكانها إلى اللجوء إلى الأشياء المسحورة لمواجهة الطاعون المدمر الذي تفشى خلال الحرب البيلوبونيسية.

الإسكندر الأكبر وانتشار السحر

رغم أن جذور السحر تعود إلى حضارتي بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، فإنه لم يظل حبيس حدودهما، بل انتقل إلى اليونان وروما عبر طرق التجارة، ثم انتشر على نطاق أوسع مع حملات الفتح التي قادها الإسكندر الأكبر.

ويشير جيفري سبير إلى أن فتوحات الإسكندر الأكبر حققت تحولًا كبيرًا في العالم القديم، بعدما جمعت مساحات شاسعة تحت مظلة سياسية وثقافية واحدة. ويرى أن كل شيء تغير بعد الإسكندر الأكبر، إذ امتدت إمبراطوريته عبر هذه المنطقة بأكملها إلى إيران، ونتج عن ذلك امتزاج للثقافات. وامتد للعصور المسيحية الوسطى والحديثة.

اقرأ أيضًا: حين تحولت الكرة إلى فن.. لوحات وثقت كواليس المستطيل الأخضر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.