«الفاجومي» حريف اللسان واللغة.. وأسرار عشقه لكرة القدم
إذا كان «نجم» واحدًا من كبار الحريفة في فنون شعر العامية، حيث كتب الزجل والشعر، وسطر المقالات والمذكرات، فضلًا عن لسان حريف ساخر يعرف لغة الشوارع والحارات المصرية، وهو في نفس الوقت لعيب كرة قدم من طراز فريد، فالقارئ لديوانه سيدرك ذلك من خلال «ترقيص» القارئ عبر لغة بسيطة لكنها لا تتخلى عن العمق.
نعم، علاقة أبو النجوم بكرة القدم كانت أعمق مما يظنه كثيرون، وإن لم تكن محورًا رئيسيًا في تجربته الشعرية. وظني أن انتماءه الكروي نابع من انحيازه لأبناء الجماعة الشعبية الذين مثلوا روح الحارات والشوارع الشعبية وهم يمارسون كرة القدم. فنجم، المنحاز لبلاغة الفقراء والمهمشين، هو نفسه المنتمي لانحيازاتهم الكروية، جمهور ينتمي طبقيًا لأبناء العمال والفلاحين الحالمين بانتصار جماعتهم على الفقر والقهر، والطامحين للحرية وإظهار مهاراتهم عبر المحاورة والترقيص والغناء في الملاعب ومدرجات الدرجة الثالثة.
ورغم ذلك، فقد حذف نجم من أعماله الكاملة الديوان الذي كتبه عن كرة القدم، مفصحًا عن معارفه وخبراته باللعبة الأكثر شعبية في مصر والعالم:
حكاية الكورة في بلادنا ولا الروايات
صحايف تحكي أمجادنا مع الكبوات
وفيها نصر أجدادنا على الخواجات
وفيهــــا درس لولادنا بنين وبنات
إيمانه بالجماهير أحد أسباب محبته لكرة القدم
إن الرصد الببليوجرافي يشير إلى أن أول دواوين أبو النجوم كان ديوان “صور من الحياة والسجن”، الذي صدر أثناء وجوده في السجن، وكتبت مقدمته الدكتورة سهير القلماوي، وقد صدر عام 1962 عن المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بعد فوزه في مسابقة الكتاب الأول.
حيث كشفت القلماوي مبكرًا عن انحيازاته قائلة: “لعل أبرز ما في هذه المجموعة إيمانه بالشعب وبالكفاح واستبشاره بالمستقبل. وهو لا يؤمن بذلك عاطفيًا فحسب، وإنما هو واثق عقلاً بما يريده الشعب وبالطريق الذي سيوصله إلى ما يريد”.
ففي قصيدته طريق الكفاح يكرر “أنا الشعب ماشي وراسم طريقي” ويتجلى إيمانه بالشعب في سخط على من ابتزوا عرقه واستحلوا جهده “الأرض”، كما يتجلى في حب لأفراده ولعاداتهم ولحياتهم البسيطة القوية”.
اقرأ أيضًا: بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية
هذا التصور الذي سنراه بجلاء في كتابته عن الكرة، وعن سماحة المنافسة وإنسانيتها. وبعد ذلك صدر ديوانه “من شعر العامية المصرية” عام 1964، وكان الديوانان الأول والثاني حافلين بقصائد تتراوح بين القصائد الاجتماعية والسياسية والغزلية، ويتضح من خلالها غضبه الشعري، وأنه يتعامل مع الشعر بوصفه طلقة في مواجهة القبح والظلم والقهر.
وتأتي المفاجأة حين كتب ديوانه الثالث “حكاية الأهلي والزمالك”. فما الذي دفع الفاجومي لكتابة ديوان محدود الفنيات، أقرب للزجل المباشر، تاركًا ما كان يتناوله من قضايا سياسية واجتماعية؟
هل كانت استراحة محارب تعب من حياة السجن وتعطشه للحرية؟ أم لأنه رأى أن الحديث عن الكرة سيزيد أسهم شهرته مع جمهور عريض يعشق كرة القدم؟ أم لأنه أراد دغدغة مشاعر الجماهير بقصائد زجلية لا يظهر فيها التعصب الكروي، خاصة وأنه الأهلاوي الذي يحب الزمالك ويقدر الموهبة في أي مكان؟
بل ويطرح سخريته على لسان مشجعي الأهلي والزمالك عبر قصيدة حوارية، يستدعى فيها لغة الشارع المصري كاسرًا رقبة البلاغة المتأنقة، فنرى ونسمع مفردات من مثل: “خيبته مسجلة، صيفوه، آخر مسخرة، العتاولة، مصهللين، شمتانين، أونطة وهنكرة”.
هاتوا الدفاتر تنقرا
علشان تشوفوا اللي جرا
والأهلي خيبته مسجلة
وحاجة آخر مسخرة
م الكاس قوامك صيفوه
والدوري منه ضيعوه
ومشجعينه خلاص فاتوه
وكل يوم بيجيب ورا
بينما يرد مشجعو الأهلي:
مال العتاولة مصهللين
وفي العناتلة شمتانين!
دا ما كانش دوري من سنين
خدتوه أونطة وهنكرة
جمهورنا ما فقدش الأمل
ولا بيقعش إلا الجمل
والأهلي لو صفه اكتمل
ها يخليها لكم مجزرة
ونجيب الدفاتر تنقرا
إن المتأمل لقصائد الديوان – لم يضعه ضمن أعماله الشعرة الكاملة- سيجدها قصائد زجلية مباشرة، لا تعلن مساحات للغضب والتمرد كدأب قصائده، وهي تنحاز للشعار أكثر من الشعر، لدرجة أن بها بعض القصائد على شاكلة الأناشيد الحماسية التي تظهر ناديه وكأنه داخل على معركة كروية تتطلب وجود الكتائب والجنود والحشود، والنصر وأمجاد الخلود. حتى إنه يبدأ بمطلع أقرب للفصحى ليشعر المستمع بجلال المهمة:
قم يا أهلي شوف ولادك والبنود
شوف كتايبك شوف جنودك والحشود
شوف آيات النصر في كل العهود
شوف وسجّل فيها أمجاد الخلود
إنت دايمًا.. إنت دايمًا في الأمام!
كل نعمة في رحابك عندنا
دي مشيئة، دي إرادة ربنا
من شيوخك اكتسبنا مجدنا
وبشبابك احتفظنا باسمنا
إنت دايمًا.. إنت دايمًا في الأمام!
الرياضة دي غريزة في طبعنا
من زمان جريتها جري في دمنا
والبطولة نبتت في أرضنا
أهديناها للجميع من عندنا
إنت دايمًا.. إنت دايمًا في الأمام
لما نادانا المنادي بالفداء
في البحار وفي القفار وفي السماء
استجبنا واكتتبنا بالدماء
واحتسبنا فرقة للشهداء
إنت دايمًا.. إنت دايمًا في الأمام.
أبو النجوم شاعر فريد وأهلاوي من “الدرجة الثالثة”
هل كان غرام نجم بكرة القدم نابعًا من تناغم اللعبة مع رؤيته الاجتماعية وانحيازاته الطبقية؟ أم لأن نجم كان مفتونًا بالناس، وبالجماهير العريضة، وبحالات الونس الشعبي، وبعادات المصريين وتجمعهم في المناسبات المختلفة، فرأى أن كرة القدم قادرة على لم شملهم؟
فهي بمثابة فرجة شعبية تجمع البسطاء من أبناء شعبه، فيفرحون باللمة وبالانتماء، ويفرح معهم حين ينسجون الشعارات المنغمة، بل يشاركهم في تأليف الشعارات كواحد من الجموع. كما يستعير ميراث أجدادنا من الزجالين، مثل عبد الله النديم، وتقاليدهم، كأن يكتب على نسق الأدباتية ليغازل الجموع عبر الأداء المنغم الذي يؤدّى بطريقته المعروفة التي تقال شفاهة في الموالد والأسواق، وهي النصوص التراثية التي كانت تبدأ دومًا بـ”أنا الأديب الأدباتي”، أو بـ”الله الله يا بدوي جاب اليسرى”:
ياما الأديب الأدباتي
بيقول ملاحم ويهاتي
في حرب عنتر وزناتي
والدور ده ع الكاس رسّانا
قال الأديب قام عرّفنا
على الفريق اللي نصفنا
وقدرنا نفهم وعرفنا
نقول غناوي على هوانا
الله الله يابدوي غني معانا
اقرأ أيضًا:«ابتكرها الفقير وسرقها الغني».. كيف أصبحت كرة القدم لعبة المليارات؟
لم يحلم بالجلوس في المقصورة بل كان على يسار السلطة
نستطيع أن نقف على بعض أسباب عشق نجم لكرة القدم في الآتي:
أولًا، أنه تربى في منظومة من القيم الشعبية التي انتمى لها وحكمت سلوكه، وأنه كان مؤمنًا بفعل الجماهير وقوتها فيما يتعلق بالنصر. وقد يجوز الربط بين قوة الجماهير في التشجيع وقدرتها على صياغة الشعارات بهدف زلزلة الخصوم، وكذا قدرتها على القيام بالمظاهرات والوقوف بمجاهرتها بطلب الحق ورد الظلم.
كما أن تشجيع الفريق يعنى الجماعية، ولا قوة بدون الجماعة والاتفاق على هدف واحد، وأن الفريق هو القائد بعيدًا عن اللاعب الفرد مهما كانت قدرته ومهاراته. كما يمكن أن نربط بين انتماءاته للكرة والانتماء الوطني، خاصة بعد حرب 1967 والرغبة في جبر كسر الجماهير، والربط بين الهزيمة السياسية ومثيلاتها في كرة القدم.
ولأن نجم اختار لغة الناس، وشجع الكرة مثل الناس، وحلم أحلامهم، فلم يتمنَ يومًا أن يكون مع السلطة، كما لم يحلم أن يكون مع نخبة المشجعين من كبار القوم في المقصورة، بل كان أشد الناس سعادة حين شجع الكرة وهو من مشجعي الدرجة الثالثة، رافضًا أن يكون مع مستثمري المواهب لصالح جيوبهم، ورافضًا أن يكون ذيلًا للفعل السياسي، بل قائدًا للجماهير ومثورًا لهم بشعاراته.
فنجم شاعر واضح الهدف، يملك يقينًا في الناس، ولا يعمل إلا في حضرة الناس، ولا يكتب إلا بحضورهم. ونجم في الشعر لا يفارق نجم صاحب الوعي الكروي العميق. فنجم، بيقين، هو “الشاعر الحديقة”، حيث تنوعت أشعاره بين الزجل بقوالبه القديمة، والشعر التفعيلي بتمرده على القالب، كما تنوعت أشجاره الشعرية بين الموال والأشكال الرباعية و الأغنية. وقد نهلت أغلب أشعاره من الأبحر الصافية لتصل هدفها، محدثة النشوة عبر تكرار الوحدات الصوتية، كأنه يقدم عزفًا سحريًا يجذب إليه الرواد ليرددوا معه أشعاره في يسر.
وهو في الكرة الساخر، والمحلل الواعي، والمفتون بالأهلي، لكنه لم يفتنه في الوجود سوى عشقه لمصر وإيمانه العميق بها.
إن كان ع الفن إحنا بلاده
وإحنا اللي بنصنع أمجاده
وإن كان ع المجد إحنا ولاده
والنصر ما يسيبش ركابنا
فقد أجمع العامة على محبة ما يقول وما يكتب، فحين تدنو منه ومن أشعاره لن تشعر بمسافة بين الإنسان وما يكتب. كما أنه لا يحب شقشقة المثقفين الذين يسبحون في أودية بعيدة عن الناس وإيماناتهم. فهو، على حد قول الشاعر الفرنسي لويس أراجون: يمتلك قوة تسقط الأسوار، بينما أطلق عليه الناقد علي الراعي لقب “الشاعر البندقية”. لكنه كان، في كل الأحوال، منتميًا للناس، رافضًا حياة المثقف الذي يعيش في برجه العاجي بعيدًا عن أهل البلد: يعيش أهل بلدي.. وبينهم ما فيش.. تعارف.. يخلي التحالف يعيش.. تعيش كل طايفة.. من التانية خايفة.. وتنزل ستاير بداير وشيش.. لكن في الموالد.. يا شعبي يا خالد.. بنتلم صحبه.. ونهتف.. يعيش.. يعيش أهل بلدي.. يعيش المثقف على مقهى ريش.. يعيش يعيش.. يعيش.. محفلط مزفلط كتير كلام.. عديم الممارسة.. عدو الزحام.. بكام كلمة فاضية.. وكام اصطلاح.. يفبرك حلول المشاكل قوام.. يعيش المثقف.. يعيش يعيش.. يعيش.. يعيش أهل بلدي.
اقرأ أيضًا: كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»



