دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«معدية بورسعيد».. حكاية مدينتين في قارتين

مع افتتاح كوبري النصر 2، أحدث محاور العبور بين بورسعيد وبورفؤاد، تنفتح صفحة جديدة في رحلة الوصل بين ضفتي قناة السويس، بل بين قارتين. غير أن هذه الصفحة، على أهميتها، تعيد إلى الذاكرة بطلة الحكاية الأولى: «المعدية». فقبل الكباري والأنفاق ومحاور العبور الحديثة، كانت المعدية، وما تزال، الخيط الذي جمع المدينتين، وحملت على متنها الناس والأحلام والذكريات لأكثر من قرن، حتى غدت جزءًا من روح المكان وتاريخه.

الضفة الشرقية قبل أن تتحول لمدينة

في مخطوطة نادرة أعدها المؤرخ البورسعيدي الراحل وليم قوسة عن مدينة بورفؤاد، ولم يمهله القدر لتخرج إلى النور مطبوعة، تتجلى البدايات الأولى لهذه الحكاية. كان قوسة، عضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، والمحقق بهيئة قناة السويس، من أكثر العارفين بتاريخ المدينة، لا بحكم البحث وحده، بل لأن عائلته ارتبطت بهيئة قناة السويس منذ عهد الشركة الفرنسية.

يروي وليم قوسة أن شركة قناة السويس الفرنسية، بعدما ضاقت منشآتها وترساناتها ومخازنها على الضفة الغربية، بدأت تتطلع إلى الضفة الأخرى باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمشروعاتها. وهناك، في منطقة الفحم، أو “الإشكرابية”، بدأت أولى البذور. وفي عام 1902 تأسس أول ناد رياضي في مصر يحمل اسم عمال الفحم (الإشكرابية)، الذي أصبح فيما بعد نادي بورفؤاد الرياضي، ليكون أسبق في تأسيسه من نادي السكة الحديد، الذي تأسس عام 1906، وأحد الشواهد المبكرة على أن الحياة بدأت تتشكل فوق رمال الضفة الشرقية لقناة السويس.

اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة

معدية بورسعيد.. تصوير الفرنسى لينرت - دار نشر لاندروك (كارت بوستال)
معدية بورسعيد.. تصوير الفرنسى لينرت – دار نشر لاندروك (كارت بوستال)
ميلاد عالم جديد على الضفة الأخرى للقناة

كان الجعران الفرعوني، الذي يحتضن الكرة الأرضية، شعارًا للشركة، يزين بواباتها المختلفة، من باب القبة الشهير (مبنى هيئة قناة السويس) إلى باب المعديات، وفي عام 1922 تعهدت شركة قناة السويس للحكومة المصرية بإنشاء وسيلة دائمة تربط الضفتين، فجاء مشروع المعديتين اللتين صُممتا على الطراز الفرنسي. ولم تكن المسألة مجرد وسيلة نقل، بل شريانًا جديدًا للحياة. وفي الوقت نفسه، غرست الشركة أشجار الكافور والجازورينا، وأقامت الفيلات بالطرازين الفرنسي واليوناني، وأسكنت مئات العاملين والموظفين، ومنحت بعضهم أراضي للبناء، بشرط الحفاظ على الطابع المعماري للمدينة الجديدة.

لكن الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) أخرت اكتمال الحلم، حتى جاء صباح الثلاثاء 21 ديسمبر 1926، حين وصل الملك فؤاد الأول على متن اليخت الملكي “المحروسة”، وعبر إلى المدينة الجديدة التي حملت اسمه “بورفؤاد”. ومنذ ذلك اليوم أصبحت المعدية قلب العلاقة بين بورسعيد وبورفؤاد.

حين تحول الناس إلى عائلة كبيرة على المعدية

يتذكر محمد صلاح الدين أبو الفتوح، أحد أبناء هيئة قناة السويس، الذي عايش سنوات طويلة من عمر المعدية، أن الرحلة القصيرة، التي لا تستغرق سوى دقائق فوق الماء، كانت جزءًا من نظام الحياة اليومية. فالموظفون والعمال والطلاب وربات البيوت كانوا يبدأون يومهم معها وينهونه عليها، وكانت الوجوه تتكرر حتى تصبح عائلة كبيرة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا دون موعد أو اتفاق.

ويستعيد أبو الفتوح ملامح المعدية الأولى، حين كان صالونها الفاخر مقسمًا بين الأجانب والمصريين، وحين كانت لا تتسع إلا لثلاث سيارات فقط. وكانت الأعلام الفرنسية واليونانية ترفرف فوقها، وتحمل صورة المجتمع كما كان في ذلك الزمن، بكل ما فيه من تباينات وطبقات.

ثم جاءت الأعوام العاصفة، رحلت الشركة الفرنسية، وجاء التأميم عام 1956، ثم العدوان الثلاثي، ثم نكسة يونيو 1967، ثم حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973. وخلال كل تلك التحولات بقيت المعدية تؤدي دورها، كانت تعبر بين ضفتين، لكنها في الحقيقة كانت تعبر بين مراحل كاملة من تاريخ الوطن.

اقرأ أيضًا: «السيد الخميسي».. وداعًا لأحزان البشروش الأخيرة

معدية بورسعيد.. من أرشيف قناة السويس
معدية بورسعيد.. من أرشيف قناة السويس
تحولت المعدية إلى عالم كامل يضج بالحكايات

مع اتساع المدينة وتزايد الحركة، ظهرت المعديات ذات الدورين. ولم تعد الرحلة مجرد دقائق قليلة فوق الماء، بل أصبحت عالمًا كاملًا يضج بالحكايات. فوق المعدية وتحتها، في مقدمتها ومؤخرتها، كانت الحياة تمضي بكل ما فيها من انتظار وفرح وقلق وشوق.

هنا يأخذنا الشاعر البورسعيدي أحمد شلبي إلى وجه آخر من الحكاية، فالمعدية عنده ليست وسيلة عبور، بل قصيدة يومية تكتبها المدينة فوق صفحة الماء. هناك، حيث كانت النوارس تهبط كل شتاء من سماواتها البعيدة، وتدور حول المعدية كأنها تعرف موعد وصولها.

ويتذكر شلبي ذلك المشهد الذي ارتبط بوجدان أجيال كاملة: صوت زمارة المعدية في ساعات الذهاب والعودة، وآلاف الدراجات التي تنطلق فجأة من شوارع بورسعيد نحو المرسى، أو تندفع خارجة منه، كأن المدينة كلها تشارك في سباق مع الزمن. كان الأطفال يقفون للمشاهدة والعد، وكان الغرباء يظنون أنهم أمام سباق حقيقي، بينما كان الأمر مجرد إيقاع يومي من إيقاعات الحياة البورسعيدية.

حضور المعدية في السينما.. شاهد على التغير

مع مرور السنوات، تراجعت الدراجات، وحلت السيارات محلها، وتغيرت الشوارع والأرصفة، لكن المشهد بقي حيًا في الذاكرة، أما المصور محمد ساسي، فقد احتفظ للمعدية بذاكرة من نوع آخر، ففي عدسته تحولت إلى سجل بصري للمدينة. أجيال كاملة مرت أمام كاميرته فوق سطحها، ووجوه جاءت ورحلت، وأطفال كبروا، وعمال انتهت رحلات أعمارهم الطويلة، بينما ظلت المعدية شاهدة على الجميع.

كما رصد ساسي حضورها في السينما، حين ظهرت في أفلام مثل “شاطئ الأسرار” و”مفيش تفاهم” و”الباب المفتوح” و”المشبوه”. لم تكن مجرد خلفية للمشهد، بل كانت جزءًا من روح المكان التي أراد صناع الأفلام التقاطها.

فقد عاشت فوق المعدية شخصيات لا ينساها أهل المدينة، عازف السمسمية العجوز، الذي ظل يطوف بأغنيتيه الوحيدتين بين رحلتي الذهاب والعودة، من بورسعيد إلى بورفؤاد، ومن بورفؤاد إلى بورسعيد، وبائع المناديل الذي تقمص شخصية الكابتن سافو حتى صار جزءًا من المشهد اليومي، فضلًا عن الحكايات التي وُلدت فوق سطحها ثم اختفت، كما تختفي الدوائر فوق الماء.

ومن بين تلك الحكايات ما بقي عالقًا في الذاكرة، تلك المواجهة التي خاضها شباب بورفؤاد ضد بلطجية زرزارة، الذين أوقفوا حركة المعديات خلال أحداث ثورة يناير. يومها تجمع الشباب واستقلوا إحدى المعديات متجهين إلى موقع المواجهة، حيث نجحوا في إنهاء ذلك التجمع بعد اشتباكات بالحجارة، لتبقى الواقعة واحدة من لحظات الشجاعة التي حفظتها ذاكرة المدينة.

كانت المعدية يومها شاهدة على لحظة جديدة أضيفت إلى سجل طويل من الحكايات الإنسانية.

معدية بورسعيد.. تصوير : محمد عوض
معدية بورسعيد..
تصوير : محمد عوض
نافذة مفتوحة على الحرية والمجهول الجميل

أما بالنسبة إلى كثيرين من أبناء بورسعيد، فقد كانت المعدية اكتشافًا يوازي اكتشاف البحر نفسه، نافذة على ذلك المجهول الجميل الذي ينتظر دائمًا على الضفة الأخرى.

هناك، عند صالة قبة قناة السويس، بدأت الرحلة الأولى لكثير من الأطفال. كانت المعدية تبدو كجزيرة أسطورية، وكان كل عبور إليها مغامرة كاملة، من شارع محمد علي إلى الحي الفرنسي في بورفؤاد، حيث تبدو البيوت والنوافذ والشرفات كأنها تهمس بأصوات الذين مروا من هنا ثم رحلوا.

ومهما تغيرت المدينة، ومهما زحفت الخرسانة إلى أطراف الذاكرة، يبقى شيء من سحر المعدية عصيًا على الزوال. يكفي أن يعود الشتاء، وأن تهبط أسراب النورس إلى الماء، وأن يلقي أحدهم فتات الخبز فوق الموج، حتى تعود الحكاية كلها من جديد.

لهذا ستظل المعدية أكثر من وسيلة عبور، ستظل سيرة مدينة كاملة، وحكاية شعب تعلم أن يحول الماء من حاجز إلى لقاء، ومن مسافة إلى محبة، ومن ضفتين متقابلتين إلى حياة واحدة. فالغروب الذي كانت المعدية تمضي نحوه كل مساء لم يكن نهاية الرحلة أبدًا، بل شروقًا مؤجلًا على ضفة أخرى ما زلنا نمضي إليها.

اقرأ أيضًا: بين الجدل والترميم.. قصة الباب التاريخي لـ«نادي بورفؤاد»

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.