قاهرة جمال الغيطاني.. مدينة بنفس صوفي

تخيل جمال الغيطاني القاهرة كما أرادها لا كما عاشها، لذا كانت المدينة في مخيلته دوما ذات نفس صوفي، يمزج ما بين المعاش وبين ما يعتمل داخله، كأنها مرآة يرى فيها نفسه، المدينة دائما في حالة استدعاء، حالة من الحنين لزمن ما، كتب الغيطاني عن القاهرة بمزاج فخور لكن حزين، يسعى لوصف معالم القاهرة لكن بتخيلات صوفية تكسب الحجر معان أخرى لا تعبر عن الواقع بقدر ما تعبر عن رؤية الغيطاني لهذا الواقع، كان جمال الغيطاني مؤرخًا وأديبًا قاهريًا من طراز مختلف، قرر الكتابة عن المدينة الألفية لكن بنفس صوفي، في النهاية كتب عن تجربة ذاتية جدا، عن قاهرة الغيطاني.

***

كتب الغيطاني عن القاهرة كثيرا، وأنتج العديد من الكتب التي تتحدث عن القاهرة ضمن مشروعه الأدبي، ففي الرواية حضرت القاهرة بدروبها المشغولة بالحكايات، في رواية «الزيني بركات» ورواية «وقائع حارة الزعفراني»، وقصة «وقائع حارة الطبلاوي» وغيرها من أعمال. هنا نجد توظيف المكان القاهري في بناء قصص وروايات تستند إلى مخزون الحكي المعاش عند الغيطاني. وهو هنا يسير على درب أستاذه نجيب محفوظ الذي نسج أعماله الروائية الضخمة من خيوط حيوات أهالي أحياء القاهرة التاريخي.

الفرق بين تجربة نجيب محفوظ وجمال الغيطاني في التعاطي مع القاهرة وعوالمها ومعالمها، أن محفوظ استخدم القاهرة كإطار لعوالمه. لم ينشغل بالتأريخ للمدينة لأنها ليست مهمة الروائي، الذي اهتم بقصص البشر داخل الإطار الحجري للمدينة، خصوصا أن سؤال الزمان محوري في أعماله. لذا كان حضور المكان في أعماله عملية مراوغة لأن مقصده هو البشر والتأريخ لتحولاتهم. أما الغيطاني فقد غلبت الذاتية في تعاطيه مع القاهرة التاريخية. وعمل على استخراج مكامن الروعة والجمال في الحجر بأبعاد صوفية تتغزل في الفن الإسلامي، وتستخرج علاقته الكونية بما حوله، هي إذن تجربة ذاتية محضة قائمة على التذوق الشخصي، رحلة عكسية في الزمان.

يعبر الغيطاني عن هذه الروح عندما يكتب في «قاهريات مملوكيات»: “أدين للقاهرة القديمة تحديدا بتأسيس عالمي الخاص… مجموع الأحداث التي تجري عبر الزمان تترك آثارًا غير مرئية. يصعب إدراكها بالعين المجردة أو الوعي الإنساني، أنها آثار لا يمكن تعينها، لكنها تدرك بالحس”. يضيف في موضع آخر: “كثيرًا ما توقفت عند مدخل مسجد أو قبة أو سبيل، أسأل نفسي عن الذين عبروه والذين سيرونه بعدي، عن علاقة البناء بالوقت، بالتغير… في لحظة معينة تتحول هذه الأبنية إلى قصائد من الحجر، وتصبح الفنون القاهرية، مناجاة للكون وخالقه”.

***

تتحول أحجار القاهرة إذن إلى بوابة الغيطاني السحرية ليدلف من نافذته الصوفية للتأمل في الكون انطلاقا من معالم المدينة الأثرية. ومن هنا أهمية قراءة نصوص الغيطاني عن القاهرة بالنسبة للباحثين في تاريخها وعمرانها. إنه يقدم رؤى تأويلية يمكن أن تفيدهم في توسيع رؤيتهم وفهمهم للمدينة، دون الوقوع في خطأ تبني تأويلات الغيطاني بشكل كامل.

التجربة الأهم للغيطاني في التعاطي مع القاهرة كانت في كتب أدبية ذات طابع فكري، أو تلك الكتب التي يحلو لنا أن نصفها بالعابرة للتصنيفات. ففي هذه الكتب تجلى تأثر الغيطاني بمؤرخين من العصر المملوكي، من نوعية المقريزي وابن تغري بردي فضلا عن المؤرخ الأقرب إلى قلبه ابن إياس صاحب «بدائع الزهور في وقائع الدهور». نجد الغيطاني يعبر عن أفكاره ذات الطابع الصوفي المتعلقة بالقاهرة كما يتخيلها في كتب: و«ملامح القاهرة في 1000 عام» 1983، و«قاهريات مملوكية» 1995، و«استعادة المسافر خانة: محاولة للبناء من الذاكرة»2007. والأخير مرثية غيطانية في وداع قصر المسافر خانة الذي كان يطل عليه في أيام طفولته عندما سكن في حارة الطبلاوي المطلة على القصر.

غلاف ملامح القاهرة
غلاف ملامح القاهرة
***

في «استعادة المسافر خانة» تتجلى مقاربة الغيطاني بين التاريخ والأدب والذاتية والنزعة الصوفية. فالمبنى الذي التهمته النيران في أكتوبر 1998،حاول الغيطاني استعادته من الذاكرة خصوصا أنه عاش بجواره أيام صباه الأولى. لكن الغيطاني يندفع في وصف المسافر خانة بدوافع محب حتى الوله. إذ يقول: “القصر الذي يضارع الحمراء [في غرناطة]، وإيوان كسرى، وطوب قابي سراي، وصولمه باشا، إلى ما لن نجده من الماضي أو الحاضر الذي التهمته النيران الآثمة”. وهنا يقابلنا الحنين الذي يسكن الغيطاني عندما يتحدث عن القاهرة. إذ يقول عن كتاباته عن القاهرة إنها “رسالة حنين إلى الزمن القاهري الجميل، إلى زمني الخاص. والذي سعيت خلاله في أنحائها، لعلي معبر عن بعض ما أدركته من أسرارها، وما أشاعته عندي من بهجرة وروعة بفضل عبقرية أهلها وتفردهم”.

يقدم الغيطاني عن القاهرة تجربة شخصية أكثر منها رواية تاريخية، فالتاريخ هنا ينحني أمام المتخيل والأبعاد الصوفية التي تكسب الأحداث التاريخية معانيها الفريدة في قاموس الغيطاني. فالأخير يلجأ للتأويل بكثافة ليعطي لتاريخ البشر والحجر المعاني التي يريد من خلالها إعادة بناء المدينة كفراغ يشغله بحكاياته. يتقمص الغيطاني مهمة المعماري الذي يعيد بناء المدينة لا كما كانت بل كما يريد، ينسج معمارها بقصائد الحجر ومداد صوفي يلخص التجربة الذاتية التي يعبر بها الغيطاني عن نفسه وعن أفكاره وعن الكيفية التي يرى بها المدينة. فعندما نقرأ نصوص الغيطاني عن القاهرة، نكون في الحقيقة نقرأ نصوص مدينة الغيطاني نفسه. وما القاهرة هنا إلا انعكاس وتجسيد لأفكار ورؤى الغيطاني. تذوب المدينة في ذات الأديب الذي يعيد بناءها بمداد التخيل الذي يلون كل حجر تاريخي في القاهرة.

اقرا أيضا:

ملف| جمال الغيطاني.. مقاوما الفناء

جمال الغيطاني.. استئصال ذاكرة المدينة

كان جمال الغيطاني يجيد قراءة الأثر من أحجاره

جمال الغيطاني.. معاركه وكلماته

«سلام».. من نصوص جمال الغيطاني

الأبدية … من نصوص جمال الغيطاني

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر