«محمد ميدا».. ذاكرة السمسمية وحضور عظيم رغم الرحيل
في صيف عام 2016 قابلته، كان قد بدأ في تقسيم غرفتي منزل بسيط بمساكن السكة الحديد بالإسماعيلية، خصص إحداهما لتكون معرضًا صغيرًا لإنتاجه ومقتنياته من آلة السمسمية، والأخرى ورشة لتصنيع الآلة واستقبال الضيوف. وقتها كان يجدد مطالبه بتدخل حكومي لدعم مشروعه الخاص بتأريخ الآلة في مدن قناة السويس، ومساعدته في إنشاء متحف ومعرض مفتوح للسمسمية بمدينة الإسماعيلية، وكان يردد دومًا: «السمسمية لها حق على الدولة، ولازم تدعمها كي لا تموت».
وبعد حوالي عشرة أعوام من ذلك اللقاء، جلس ميدا نفسه في بهو قصر ثقافة الإسماعيلية وسط آلاته، بينما كان مسؤولون رسميون يحتفون بتسجيل آلة السمسمية ضمن قائمة التراث غير المادي بمنظمة اليونسكو.
وقبل أيام من نهاية مايو المنصرم، توفي محمد حسن، الشهير بـ«محمد ميدا»، عن عمر يقترب من السبعين عامًا، بعد معاناة مع المرض، وهو لا يعرف مصير معرضه الصغير لتراث الآلة بميدان عرابي، في وقت كان يطالب فيه بسداد مقابل انتفاع عن أرض المعرض المقام على مساحة ثلاثة أمتار مربعة فوق رصيف حديقة صغيرة بالميدان.
تكريم غائب وحضور فني طاغٍ
حظي معرض ميدا في ملتقى السمسمية باحتفاء شعبي، رغم أنه لم يكن من بين المكرمين على خشبة المسرح، إذ اكتفى الملتقى بتكريم أسماء بارزة رحلت عن دنيانا وأخرى غابت عن المشهد. وخلال الحفل جلس ميدا بعيدًا عن أضواء المسرح، يستقبل الجمهور ويعزف لهم ويغني معهم.
يومها كان ميدا يطالب بأمر غاية في البساطة والتعقيد في آن واحد، يتمثل في إعفائه من رسوم “حق الانتفاع” التي كان الحي يطالبه بها مقابل بقاء معرضه الصغير في ميدان عرابي.
وقتها قال ميدا لـ«باب مصر» بصوت هادئ لا يفتقر إلى الكبرياء: “أنا بعمل السمسمية والمعرض من معاشي، وأنا على المعاش بقالي سبع سنين. الحي طالب مني حق انتفاع للمعرض. كل اللي محتاجه من وزير الثقافة ومحافظ الإسماعيلية إنهم يرفعوا الرسوم المطلوبة عني تكريماً لي، لأني أنتمى للثقافة والمحافظة، وعملت المعرض ده للحفاظ على تراث الآلة والمحافظة”.
هذه المفارقة تلخص قصة حياة ميدا؛ فنان يعيش في الفجوة الفاصلة بين اعتراف دولي تصوغه المنظمات الكبرى، وبيروقراطية محلية تلاحق أحد صناع التراث.
وبعدها بشهرين تقريبًا، حظي بتكريم بسيط تمثل في شهادة تقدير خلال ندوة بمهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية تناولت غياب العازف الحي مع الفرق مقابل الاعتماد على الأغاني المسجلة، وذلك إجلالًا لمسيرته كعازف رئيسي بفرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية، التي مثل معها مصر في مهرجانات وفعاليات دولية.
اقرأ أيضًا: «ملتقى السمسمية».. احتفاء بتوثيق عالمي ومطالب محلية لدعم العازفين
دور السمسمية في التهجير
لم تكن علاقة محمد ميدا بالسمسمية علاقة ترف أو هواية، وإنما وٌلدت من رحم تجربة إنسانية قاسية عاشها طفلًا عندما هاجر مع أسرته من الإسماعيلية إلى الزقازيق بمحافظة الشرقية عقب نكسة عام 1967. في قرى التهجير كانت السمسمية تلعب دورًا يتجاوز الترفيه إلى حكي قصص الفدائيين على الجبهة، ويوميات من تركوا بيوتهم بسبب الحرب. وهناك بدأ ميدا يتتبع هذه الفرق في كل عرس و”ضمة”، يراقب العازفين ويتعلم منهم بالسماع.
وبعد العودة إلى الإسماعيلية عقب انتصار أكتوبر 1973، بدأ تعلم العزف على يد عبده العثمانلي، بأجر نصف جنيه في الليلة أو الفرح، حين كانت السمسمية آلة أغاني الأعراس.
وفي ذاكرة ميدا، لا يمكن فصل آلة السمسمية عن الحياة اليومية لمدينة الإسماعيلية، التي تشتهر بعنصرين أساسيين: المانجو والسمسمية. ومن خلالهما كان يستحضر دائمًا أغنية “عظيمة يا مانجا”، التي وصفها بأنها واحدة من أعظم أعمال التراث الإسماعيلي، وينسبها إلى العازف عبده العثمانلي، في ارتباط وثيق بخصوصية الإسماعيلية الزراعية.
وسألته يومها: لماذا لم يستطع أي شاعر كتابة أغنية جديدة تعبر عن حالة المانجو والمدينة؟ فأجاب بتحليل بسيط وعميق: “فيه حاجات بتبقى زي البصمة، ما ينفعش تتكرر أو يتعمل زيها، ومنها عظيمة يا مانجا”. هذه النظرة للأثر الفني تبرز فهمه لكون الفن الشعبي أكبر من كونه تكرارًا، بل تعبير عن لحظات تاريخية فارقة تصبح بمرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية غير القابلة للاستنساخ.
اقرأ أيضًا: في مديح المانجو.. بين تراث السمسمية وربابة متقال
متحف ميدان عرابي
طوال مسيرته، عمل محمد ميدا عازفًا أساسيًا في فرقة الإسماعيلية للآلات الشعبية التابعة لوزارة الثقافة، وجاب معها عددًا كبيرًا من المحافل. ومع خروجه إلى المعاش قبل نحو سبع سنوات، استثمر مكافأته ومعاشه في مشروع لحفظ تاريخ السمسمية، يعرض خلاله مقتنياته من آلات السمسمية التي جمعها خلال تاريخه أو صنعها بنفسه.
وأدار ميدا هذا المعرض نحو عشر سنوات، محولاً إياه إلى مساحة حية تدمج بين تصنيع الآلات وبيعها وإصلاحها، وحفظ الكتب ومقتنياتها النادرة المرتبطة بالتراث الموسيقي للقناة، كما كان المعرض قبلة للباحثين والطلاب الذين يجرون دراسات وأبحاثاً حول الآلة.
أتذكر يوم قابلته وهو يجلس بفخر لأن حلمه تحقق بإقامة معرض لتاريخ السمسمية، وكذلك لدوره في تسجيلها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونسكو. لكن هذا المعرض واجه تحديات مستمرة بسبب البيروقراطية المحلية. ولعل أبرزها مطالبة الحي له بدفع رسوم “حق الانتفاع” لرصيف حديقة عامة بالميدان، وهو ما شكل عبئًا ماديًا على مشروعه الفني والثقافي الذي كان يعتمد على جهده الفردي بالكامل.
الرحيل وبقاء الأثر
رحل محمد ميدا جسدًا، لكنه ترك وراءه إرثاً ثقافيًا بمعرضه ومقتنياته وتسجيلات أغانيه، التي ما زالت حاضرة في ذاكرة فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية.
وربما لم يكن يعلم وهو يودع الحياة ما سيكون مصير معرضه، بينما كان آخر أحلامه أن يتحول إلى متحف توثيق رسمي لتاريخ السمسمية التي عشقها عازفًا رسميًا وآخر صناعها في مدينة الإسماعيلية. هكذا رحل محمد ميدا، تاركًا أغنيات السمسمية تبكيه، مرددة: “فات الكتير يا بلدنا.. ما بقاش إلا القليل”.
اقرأ أيضًا: «ذات».. عندما تغني السمسمية لقضايا نسوية



