بالفن والرقص والمسرح.. ذوو الهمم يكتبون قصصًا جديدة في الإسماعيلية
في مدينة الإسماعيلية تنشط 5 فرق لتدريب الأطفال والشباب والشابات الذين وُلدوا بمتلازمة داون على الرقص الشعبي والأداء المسرحي. يرقصون معًا بغض النظر عما إذا كانوا من ذوي الإعاقات السمعية أو الحركية البسيطة، ومن بينهم ملك ووفاء وروضة اللاتي يسعين إلى مشاركة نشاطهن الفني والإنساني. فالرقص هنا لا يتعامل مع متلازمة داون التي وُلدن بها على أنها إعاقة، بل باعتبارها طاقة فنية.
راقصون وحملة أعلام من طلبة المدارس
بدأت فرق الفنون الأدائية للأطفال المصابين بمتلازمة داون، أو ذوي الإعاقات الذهنية والحركية البسيطة أو طيف التوحد، من خلال فرق الأداء المسرحي بمدرسة التربية الفكرية ومكتب دعم ذوي الهمم بوزارة الشباب والرياضة، بمشاركين أغلبهم من طلبة المدرسة ورياضيين بنادي العزيمة لذوي الإعاقة وجمعية التثقيف الفكري. وتطورت مشاركات فردية منهم لاحقًا كمؤدين وحملة أعلام مع فرقة الأطفال للفنون الشعبية بقصر ثقافة الإسماعيلية، ثم انطلق مصممو الرقصات لتأسيس فرق خاصة بهم، هي: “القلوب البيضاء”، و”هيئة قناة السويس لذوي الهمم”، و”مركز الفنون”.
اقرأ أيضا: «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة
تجارب فنية وإنسانية تفوقت على الظروف
حصد أداء الفرق جوائز محلية وشاركت في مهرجانات عربية، حيث فازت روضة محمود سعد، عضوة فريق “القلوب البيضاء”، بلقب أفضل راقصة في مهرجان عربي، كما حصل سيد علي وديانا شعبان، عضوا الفرقة، على لقب أفضل راقصين في مهرجان المواهب الذهبية عام 2025.
تمارس وفاء سعد الدين رياضة الكاراتيه، وتدرس في الوقت نفسه بالفرقة الثانية بكلية الآداب، قسم المكتبات، إلا أنها تبدو أكثر مرحًا وانطلاقًا خلال تدريبات فرقة هيئة قناة السويس لذوي الهمم، حيث تؤدي رقصات على أغنيات من الفن الشعبي مع رفقائها.
وُلدت وفاء بمتلازمة داون، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا أمام تقدمها الدراسي والرياضي على حد سواء، بينما تؤكد والدتها نبيلة عبد النبي أن وقت وفاء في التدريب على الرقص مع فرقتها ساعدها أكثر على الاندماج في المجتمع، وجعلها أكثر سعادة مع زملائها.

الرقص وسيلة للاندماج والانطلاق نحو الأحلام
لسنوات لم تكن ملك عمرو تستطيع الكلام والتعبير عن مشاعرها، وكانت تخشي الخروج من المنزل والاندماج مع أقرانها، ومع بدء الدراسة في مدرسة التربية الفكرية بمدينة الإسماعيلية، انطلقت للمشاركة في فرقة للفنون الشعبية، ما أحدث تغييرًا جذريًا في سلوكها وانطلاقها للحياة.
تقول ابتسام محمد منير إن نجلتها “ملك لم تكن تخرج من المنزل وتشعر بالخوف من الشارع، لكنها بدأت في الاندماج مع انضمامها إلى مدرسة التربية الفكرية، وكسرت حالة الانطواء التي كانت تعاني منها”. وتشير إلى جهود المعلمين أسامة وشيرين في تطوير الأداء الحركي والدعم النفسي لنجلتها، من خلال تدريبها على الرقص في نشاط المسرح المدرسي، ما ساعدها على الاندماج مع زملائها، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى فرقة قناة السويس لذوي الهمم.
وتضيف: “في الفرقة، ومع تعامل مدربها حسن الدكروني، أصبحت أكثر تفاعلًا مع المجتمع، وتشعر بأنه لا ينقصها شيء. الفنون الشعبية والمسرح في المدرسة جعلاها أكثر انطلاقًا وقدرة على التعامل مع الناس دون خوف أو شعور بالنقص”.
في فرق رقص الفنون الشعبية لراقصين وُلدوا بمتلازمة داون أو من الصم والبكم أو ذوي التأخر العقلي، هناك قناعة تامة بأن اختلاف لغة الجسد لدى كل راقص يجعل العمل الفني أكثر إثارة للاهتمام. ولهذا لا تضم فرقة هيئة قناة السويس راقصين من ذوي متلازمة داون فقط، بل تضم أطفالًا من الصم والبكم، لتبقى مسألة الإعاقة في الخلفية تمامًا.

المسرح المدرسي طريق للتعبير عن الذات والثقة بالنفس
يقول أسامة عبد الكريم إبراهيم، مسؤول النشاط المسرحي بمدرسة التربية الفكرية: ” نتعامل مع القدرات الذهنية والحركية للأطفال، ويمكن عقد مقارنة بين بعض الأطفال قبل انضمامهم للمدرسة، فمنهم من كان انطوائيًا أو عدوانيًا، أو أقل قدرة على الكلام والتعبير عن نفسه، لكن مع النشاط المدرسي والمسرحي تبدأ ثقته بنفسه في التطور”.
ويتشارك أسامة إبراهيم مع نجلاء فتحي محمد وشيرين كامل حسن في فريق المسرح المدرسي بمدرسة التربية الفكرية بالإسماعيلية، ويبدأ عملهم -بحسب وصف- باختيار الأطفال الذين لديهم الموهبة والقدرة علي التعبير الحركي والكلامي.
ويقول: “نختار من لديهم الميول الفنية ونتعامل وفق خطة تربوية لتنمية الموهبة واكتساب مهارات حياتية يستطيع من خلالها أن يخدم نفسه أولًا ثم أسرته”. وتشرح شيرين كامل عمل فريق المسرح المدرسي، موضحة أنه يقدم عروضًا لطلبة المدرسة في مهرجانات وزارة التربية والتعليم للمسرح المدرسي وأنشطة الخدمة المجتمعية”.
وتقول: “نعمل على قياس الأداء للأطفال وفقًا لقدراتهم على الحركة والكلام والتعبير عن أنفسهم، وتوزيع الأدوار المسرحية بحسب درجة الفهم والاستيعاب وطبيعة الدور المناسب لقدراتهم”. وتضيف: “أحيانا يبدأ الطفل التدريب بخوف وانطواء، لكن مع التعامل التدريجي وتقبل أدائه حتى وإن لم يؤد المطلوب كاملًا، يكسر حاجز الخوف والخجل وينطلق بعدها”.
وتلفت شيرين النظر إلى ملك عمرو وتطور قدرتها علي الكلام والتفاعل، وتقول: “ملك أصبحت الآن نجمة في الأداء الحركي، وتشارك في فرقة للفنون الشعبية وحصلت مع فرقتها على جوائز، وهي بمثابة ابنتي في المدرسة”.
دراسات أكاديمية تدعم الاندماج
خلصت دراسة الباحثة دعاء عبد الحميد رجب، لنيل درجة الماجستير في بكلية التربية الأساسية جامعة دمنهور، بعنوان: “المسرح الشامل وملاءمته لطبيعة أطفال متلازمة داون”، إلى أن عملية تعليم أطفال متلازمة داون لها دور كبير في تحسين ظروفهم الحياتية، بما يتيح لهم فرص الاستفادة من البرامج التدريبية والتربوية التي تمكنهم من التكيف داخل المؤسسات الفكرية مع زملائهم، من خلال برامج متعددة، مثل الإرشاد باللعب أو بالموسيقي أو التعلم عن طريق المسرح.
والمسرح ليس وسيلة للترفيه أو المتعة فحسب، بل هو أداة للتنوير ووسيط مهم لنقل الفكر وبث الوعي والنهضة الاجتماعية والفكرية. كما يكتسب مسرح الطفل أهمية مضاعفة لما يضطلع به من مهمة خطيرة في تنشئة الطفل.
وتشير الدراسة إلى أن المسرح يدعم الجانب النفسي للأطفال من ذوي متلازمة داون، فحتى إذا اقتصر العمل المسرحي على الجانب الترفيهي فإنه يحقق أهدافًا مهمة، من خلال تقريب الطفل من واقعه وتعزيز ثقته بنفسه. كما أن ما قد يواجهه الطفل من تحديات مرتبطة بمتلازمة داون أو الإعاقات الحركية أو السمعية يمكن تعويضه بتنشيط الجانب الحسي، من خلال الاعتماد على منهجية خاصة تنقل العمل المسرحي من الجانب الترفيهي إلى الجانب العملي.
ومثل ملك، اندمج عبد الله في الأداء المسرحي، حيث تقول والدته ليلي عبد الرحمن: “بدأ يتحرك وسط المجموعة ويتفاعل بشكل جيد مع الحركة والرقص، والمهم عندي أنه يكون مبسوط وسعيد”.

نماذج للتفوق العلمي والمهارات الفنية
أنهى عبد الله دراسته بكلية الآداب، قسم المكتبات، وينتظر فرصته في العمل، إلا أنه يحرص حاليًا على حضور تدريبات الرقص ومشاركة زملائه لحظاتهم المميزة.
وتقول والدته: “عبد الله يحب الموسيقي ويتأثر بها، لذلك تفاعل مع الرقص، ويقضي وقتًا في المنزل يستمع إلى الموسيقى ويفضل الموسيقى الكلاسيكية، لكنه يرقص هنا على الأغاني شعبية، و خاصة التنورة”. وتُوج اندماج الرباعي عبد الله وملك وروضة ووفاء في فرقتيهما “القلوب البيضاء” و”هيئة قناة السويس لذوي الهمم” بالمشاركة في مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية.
وتصف والدة وفاء ذلك بأنه غيّر نظرتها للمشاركة، موضحة أنها كانت تشاهد المهرجان بحكم إقامتها في المدينة، أما الآن فهي تتابع عروضه وابنتها أصبحت واحدة من أبطاله.
اقرأ أيضًا:«ذات».. عندما تغني السمسمية لقضايا نسوية
