بين درب اللبانة وشارع النبي دانيال.. تجارب معاصرة في ترميم المدن التاريخية
نظمت كلية الهندسة بجامعة عين شمس، قسم الهندسة المعمارية، سلسلة من الحلقات النقاشية لاستعراض التجارب المصرية في إحياء المدن التاريخية، وذلك بالتعاون مع برنامج الآغاخان للتعليم وجائزة الآغاخان للعمارة.
وجاءت الجلسات، التي اتخذت من مبدأ الاستدامة العمرانية محورًا لها، لتجمع نخبة من المتخصصين المشاركين في إعادة تأهيل مناطق تراثية داخل القاهرة والإسكندرية. وخلال جلسة مخصصة لمشروعات إعادة التأهيل، قدم الاستشاري محمد أبو شوشة والدكتور زياد الصياد رؤية متكاملة لتطوير شارع النبي دانيال بالإسكندرية، بينما استعرض الدكتور علاء حبشي مشروع إحياء بيت يكن وسوق السلاح، وتناولت الدكتورة نايري هامبكيان والمعماري وليد عرفة استراتيجيات العمل في منطقة درب اللبانة بالقلعة.
مشروع درب اللبانة
في حديثها، أكدت المهندسة ناييري هامبيكيان أن منطقة “درب اللبانة” التي يجري العمل على تطويرها حاليًا عانت من تدهور إنشائي حاد، حيث تُظهر الخرائط وجود عدد كبير من المباني المنهارة تمامًا، بالإضافة إلى انتشار مبانٍ خرسانية عشوائية شُيدت خلال السنوات الماضية دون مراعاة للنمط المعماري أو النسيج العمراني الخاص بالمنطقة.
وأوضحت أن نحو 40% من مساحة المنطقة عبارة عن أراضٍ فضاء ومبانٍ مهدمة، بينما تبلغ نسبة المباني الخربة جزئيًا حوالي 20%، في حين نجح الفريق في ترميم نحو 25% من المباني القائمة، مشيرة إلى أن المنطقة وصلت إلى حالة من الهشاشة تستوجب تدخلًا عاجلًا قبل اندثار ملامحها بالكامل.
وأضافت أنه تم ابتكار أساليب هندسية غير تقليدية للتعامل مع الحالات المعقدة، مثل واجهات المباني التي تبقى قائمة بينما ينهار المبنى من خلفها، حيث جرى اعتماد أسلوب فك الواجهة وإعادة بنائها على هيكل إنشائي جديد.

عودة النسيج الاجتماعي
عن المخطط العام للمشروع، قالت المهندسة ناييري هامبيكيان إنه يستهدف الحفاظ على 40% من المنطقة ككتلة سكنية لضمان عودة النسيج الاجتماعي الأصلي، مع تخصيص أجزاء أخرى للسكن الاستثماري والمباني الثقافية، فضلًا عن تحويل بعض المواقع المهدمة إلى مسارات حركة تخدم المنطقة وحالات الطوارئ.
وفيما يخص الحقوق الاجتماعية، أوضحت أنه تم حصر 113 طلبًا من سكان وأصحاب محال تجارية، حيث قدم صندوق التنمية الحضارية بدائل تشمل التعويض النقدي، أو الحصول على سكن بديل مجهز بالكامل بالأثاث والأجهزة الكهربائية، أو خيار العودة إلى المنطقة بعد انتهاء أعمال الترميم مع صرف مبالغ مالية لتغطية تكاليف الانتقال والسكن المؤقت، وقد بدأ بالفعل تسليم مفاتيح الوحدات الأولى للعائدين.
واختتمت هامبيكيان بالإشادة بالدور المحوري لآلية المائدة المستديرة بصندوق التنمية الحضارية، والتي جمعت جهات المرافق والأوقاف والآثار لتجاوز العقبات الإدارية، مؤكدة أن الاعتماد على “الماكيتات” كأداة دراسة مستمرة ساعد في تصحيح المسارات التصميمية أولًا بأول. وضربت مثالًا بإعادة إحياء “عقد” تاريخي كان يؤدي إلى “درب المارستان” بعد اكتشافه في الصور القديمة، مشددة على أن قوة القاهرة التاريخية تكمن في قصصها التي تعيد لها الروح حتى في الأجزاء التي فقدت ملامحها المادية.
سياقات عمرانية
من جانبه، قال المعماري وليد عرفة إن المقاربة المعمارية المتبعة في منطقة درب اللبانة تمثل نموذجًا حيًا للتعامل مع سياقات عمرانية مختلفة، تشمل مبانٍ خاضعة للترميم، وأخرى يعاد النظر في توظيفها، وصولًا إلى استغلال الأراضي الفضاء.
وأوضح أن المعالجة المعمارية للمباني الواقعة حول “درب رفعت” تأتي ضمن رؤية استراتيجية وضعتها الدكتورة ناييري هامبيكيان، مشيرًا إلى أن صياغة “سؤال المشروع” كانت ترتكز على تحديد برنامج معماري يتجاوز فكرة إنشاء مبنى منفصل، ليصبح جزءًا من استراتيجية الحفاظ العمراني الشامل للمنطقة.
اقرأ أيضا: المعماري «وليد عرفة»: نعيش لحظة ضعف.. والعمارة المصرية الآن بـ«عافية»
حلول معمارية
أشار المعماري وليد عرفة إلى أن البرنامج المعماري استند إلى فهم عميق لفلسفة المنطقة وقيمها التاريخية، مع الالتزام الصارم باشتراطات القاهرة التاريخية والمعايير الدولية، معتبرًا أن المصمم لا يملك رفاهية تجاوز هذه الأطر حتى وإن تطلب الأمر تحسينها.
وأضاف أن التصميم اعتمد على دراسات واقعية وفيزيائية للتربة والمحيط العمراني بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، بهدف تقديم حلول معمارية تتجنب مسببات التدهور السابقة، وتتمتع بمرونة الاستخدام بما يسمح للأجيال المتعاقبة بالتعامل مع الفراغات بشكل مختلف.
وفيما يخص التخطيط المكاني، شدد على ضرورة احترام الحدود التاريخية للشوارع، مع الحفاظ على مسار “درب رفعت” كما هو، إلى جانب دمج مساحة مبنى صغير غير ذي جدوى وظيفية لخلق ساحة جديدة تمثل متنفسًا للمكان، مع تمييزها بصريًا عن الشارع عبر معالجة الأرضيات.
واعتمد التصميم مبدأ تعدد الكتل لتجاوز عقبة اختلاف مناسيب الشوارع المحيطة، بما يتيح مداخل متعددة تضمن انسيابية الحركة ومرونة الاستخدام، سواء كمبنى واحد أو ككتل منفصلة تخدم أغراضًا سكنية أو إدارية أو ثقافية، مع وجود نواة مركزية للحركة الرأسية تخدم القطاعات الثلاثة وتوفر في المساحات المهدرة.
سياق تاريخي
كما ركزت المعالجة المعمارية على خلق حوار بصري بين المبنى الجديد والنسيج الأثري المحيط، مثل بوابة درب اللبانة وتكية البسطامي، حيث تمت صياغة الواجهات بلغة معاصرة تستخدم مواد وألوانًا تنسجم مع الحجر الجيري التقليدي، بعيدً عن المحاكاة الحرفية للزخارف القديمة، ليظل المبنى معبرًا عن عصره دون أن ينفصل عن سياقه التاريخي.
وأوضح عرفة أن التصميم اهتم بتوجيه الفتحات والشرفات للاستفادة من الإضاءة والتهوية الطبيعية مع صون الخصوصية، بالإضافة إلى استغلال الأسطح كفراغات اجتماعية أو مساحات للزراعة الحضرية بما يحقق معايير الاستدامة.
واختتم المعماري وليد عرفة حديثه بالإشارة إلى أن المشروع يسعى لإثبات أن الحفاظ على التراث لا يعني التوقف عن البناء، بل البناء بوعي ومسؤولية تضمن تلبية احتياجات العصر وإضافة قيمة جمالية تعيد الثقة في مستقبل القاهرة التاريخية.

بيت يكن
تحدث المهندس المعماري الدكتور علاء حبشي عن مشروع إعادة إحياء بيت يكن، موضحًا أن المشروع لم يكن مجرد ترميم لمبنى، بل إحياء لموقع وممتلك ثقافي كامل. وأشار إلى أن تجربته بدأت من الإيمان بضرورة امتلاك التراث لإحيائه، وذلك بعد خبرات سابقة في التعامل مع الآثار المسجلة مثل بيت الرزاز، حيث وجد أن القوانين الحالية قد تضع بعض القيود على إدارة الموارد التراثية، مما شجعه وزوجته على خوض تجربة الاقتناء والترميم الشخصي في قلب الدرب الأحمر.
واستعرض حبشي رؤيته التاريخية عبر خرائط القاهرة في القرن السادس عشر، والتي أظهرت المدينة ككتلة خضراء مستدامة، مؤكدًا أن تطور مهنة الحفاظ على التراث بات يركز اليوم على الربط بين التراث الطبيعي والثقافي، والمادي وغير المادي. وأشار إلى أن منطقة “حارة اليكنية” تميزت قديمًا بتصميمات ذكية مثل “ملاقف الهواء” الموجهة للشمال الغربي، والتي كانت تضمن توازنًا بيئيًا دقيقًا وتوزيعًا مثاليًا للهواء داخل الكتل البنائية، ما جعل المجتمع يعيش في رقي فني وعلمي واجتماعي رغم قسوة السياق الصحراوي.
اقرأ أيضا:د. نبيل الهادي في ندوة «خرائط الأشجار»: الأشجار تصنع حياة كاملة وليست مجرد زينة
طمس ملامح مملوكية
أما عن ترميم بيت يكن، فقد بدأ عام 2009 عندما اشترى البيت وهو في حالة يرثى لها، حيث كان مهدومًا جزئيًا ومغطى بالركام، ويستخدمه أحد السكان السابقين لتربية المواشي. وبالرغم من هذا الوضع، أيقن حبشي بوجود قيم معمارية مميزة دفنتها سنوات الإهمال.
وشملت عملية الترميم إعادة صياغة القاعة الرئيسية المنهارة لتفسر المراحل التاريخية التي مر بها البيت منذ القرن السابع عشر، مرورًا بعهد عائلة يكن (أقارب محمد علي باشا)، الذين أضفوا لمسة عصرية على البيت في وقتهم، حتى وإن أدى ذلك إلى طمس بعض الملامح المملوكية السابقة.
وأضاف أن بيت يكن تحول اليوم إلى بؤرة تنموية بفضل تحويل قاعته الكبرى إلى مكتبة عامة متخصصة في العمارة والعمران، مفتوحة للجمهور مجانًا. ولم يتوقف الطموح عند حدود الحجر، بل امتد للبيئة والمجتمع، حيث كشفت الدراسات أن منطقة الحطابة الملاصقة للقلعة كانت تضم حدائق مثمرة تشكل 20% من مساحتها وتعمل كرئة للمدينة. وبناء على ذلك، بدأ “بيت يكن” كنموذج لزراعة الأسطح والحوائط، واستضاف أول محطة طاقة شمسية في المنطقة التاريخية.
واختتم الدكتور حبشي حديثه بالتأكيد على الدور المجتمعي للبيت، حيث يحتضن منذ عام 2018 ورشًا للحرف والزخارف والخط العربي يشارك فيها مئات الأطفال والسيدات من أهالي الحطابة. وأكد أن الهدف هو ترميم البشر قبل الحجر، وتحويل منطقة الحطابة من مجرد حرم شمالي للقلعة إلى منطقة جذب سياحي وثقافي عالمي، عبر رؤية مستدامة تحترم النسيج العضوي للحارات التاريخية، وترتقي بشارع سوق السلاح ليكون رابطًا حيويًا بين منطقة الأزهر الترفيهية ومحيط مسجد السلطان حسن الثقافي.
إعادة إحياء النبي دانيال
بدأ المهندس محمد أبو شوشة، المصمم التخطيطي والعمراني والمعماري لمشروع تطوير شارع النبي دانيال، حديثه بالتأكيد على الأهمية التاريخية الاستثنائية للشارع، الذي يُعد من أقدم الشوارع المأهولة في مدينة الإسكندرية، حيث يعود تخطيطه الأصلي إلى العصر الهلنستي وفترة نشأة المدينة في عهد الإسكندر الأكبر.
وأوضح أن المشروع يمثل تجربة رائدة لإعادة اكتشاف وإحياء القيمة التراثية للمركز التاريخي للمدينة، كونه يمثل محورًا حيويًا يربط بين محطة مصر، المركز الرئيسي للمواصلات في قلب الإسكندرية، وبين المناطق التجارية والثقافية بوسط المدينة، مشيرًا إلى أن الشارع يذخر بنقاط جذب دينية وثقافية فريدة تشمل مسجد النبي دانيال، والمعبد اليهودي، والكنيسة المرقسية، والمركز الثقافي الفرنسي، وصولًا إلى المسرح الروماني الأثري.
واستعرض هيكل التعاون المؤسسي الذي قامت عليه التجربة، حيث تضافرت جهود محافظة الإسكندرية كجهة مالكة وممولة، مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الذي ساهم بخبراته الفنية وتمويله ومتابعته الدقيقة، تحت إشراف المركز الهندسي بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية كاستشاري عام للمشروع.
وأشار إلى أن المنهجية التصميمية بدأت من البحث التاريخي والأرشيفي الدقيق، وصولًا إلى التقييم العمراني والميداني لرصد المشكلات التي شابت هوية الشارع، ومن أبرزها التعديات الصارخة على واجهات المباني التاريخية ذات الطراز “المودرن كلاسيك”، وانتشار اللافتات العشوائية وأسلاك الكهرباء المعلقة وأجهزة التبريد التي طمست ملامح العمارة الأصلية، فضلًا عن الازدحام الناتج عن الباعة الجائلين وعدم تنظيم “سوق الكتب” الشهير بالشارع.

قيم أصلية
أما فيما يخص المراحل التنفيذية، أوضح المهندس محمد أبو شوشة أنه تم تقسيم المشروع إلى ثلاث مراحل زمنية ومكانية لضمان استمرارية حركة الشارع؛ بدأت المرحلة الأولى من محطة مصر حتى شارع فؤاد بطول 285 مترًا، تلتها المرحلة الثانية من شارع فؤاد حتى شارع محمود عزمي بطول 230 مترًا، وصولاً إلى المرحلة الثالثة والنهائية.
وأكد أن التدخلات العمرانية شملت توحيد شكل اللافتات، وتنسيق الأرصفة بما يضمن سهولة حركة المشاة، ومعالجة الواجهات وفق صور تخيلية مستمدة من القيمة الأصلية لكل مبنى، مع مراعاة حل المشكلات الإنشائية الناتجة عن رطوبة التربة في المباني القديمة.
وأضاف أن النجاح الحقيقي للمشروع لم ينعكس فقط في الجوانب المعمارية، بل على خلق وعي مجتمعي جديد لدى سكان المدينة وزوارها، إلى جانب تنمية اقتصادية متوقعة للمنطقة، مؤكدًا ضرورة الاهتمام بالصيانة للحفاظ على هذا النموذج الحضاري.
وأعرب عن طموحه في أن تكون هذه التجربة بداية لإدارة ثقافية واعية لكافة الميادين والشوارع التاريخية في الإسكندرية.
مراحل فنية دقيقة
أشار المهندس محمد أبو شوشة في حديثه إلى أن مشروع تطوير شارع النبي دانيال بالإسكندرية شهد مراحل فنية دقيقة استهدفت استعادة الهوية البصرية والمعمارية لهذا المحور التاريخي، حيث ركزت المرحلة الثالثة من العمل على توثيق ومعالجة واجهات المباني بمختلف طرزها، سواء التراثية منها أو المعاصرة.
وشملت أعمال التطوير عناصر معمارية متعددة، لم تقتصر على الواجهات فقط، بل امتدت إلى الأسوار والبوابات والمداخل الخاصة بالمساجد والكنائس والمعالم الدينية الموجودة في الشارع، حيث جرى إبراز العناصر المعمارية التي كانت مخفية بفعل عوامل الزمن والإهمال، لتظهر مجددًا في صورتها الأصلية.
وأضاف أن المشروع تضمن تدخلات حضارية ومعمارية ملموسة على أرض الواقع، من بينها العمل على مبانٍ ذات طابع خاص مثل مبنى مؤسسة الأهرام، الذي خضع لعملية رصد وتوثيق لكافة تفاصيله قبل إعادة صياغته بصريًا ومعماريًا بما يعيد تأكيد مفرداته الأصلية.
وأكد أن هذه الأعمال لم تقتصر على تحسينات سطحية أو طلاءات خارجية، بل شملت ترميمات تستهدف الوصول إلى جوهر العمارة في فترتي الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي، مع معالجة التشوهات التي طرأت على المباني الحديثة والقديمة على حد سواء، بما في ذلك إزالة الرخام المضاف بشكل عشوائي واستبداله بمواد تتماشى مع الطابع التراثي.
حركة المشاة
يُعد سوق الكتب في شارع النبي دانيال ركيزة أساسية في مشروع التطوير، حيث سعى فريق العمل إلى تحقيق معادلة “الكل رابح” عبر إشراك تجار الكتب في عملية التصميم، وضمان عدم توقف نشاطهم خلال فترة التنفيذ.
وتم تصميم أكشاك جديدة مطورّة وتجربتها في الموقع كنموذج أولي، مع الأخذ بملاحظات المستخدمين وتعديل التصميم بما يلبي احتياجاتهم الوظيفية. كما تم تخصيص أماكن محددة للباعة الجائلين، وتصميم أسوار تمنع التعدي على الممرات وتضمن انسيابية حركة المشاة، مع إضافة لمسة فنية في مدخل الشارع عبر عمل فني ينفذه أساتذة من كلية الفنون الجميلة، يحكي تاريخ الشارع ويوصف معالمَه.
اقرأ أيضا:مأساة الأزبكية والإمام الشافعي.. كيف تعيد العمارة قراءة تاريخنا؟



