دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«تراثنا بعيوننا».. جدارية أسوانية توثق الهوية بمشاركة ذوي الهمم

بألوان تحكي ملامح التاريخ، ولمسات فنية تعكس الطبيعة الخلابة، تتحول جدارية «تراثنا بعيوننا» على سور جراج المقاولون العرب بمدينة أسوان إلى لوحة مفتوحة تستعيد ذاكرة الجنوب، وتروي تفاصيل حضارته الممتدة عبر العصور. وبأنامل أسوانية، يواصل الفنانون التشكيليون، بمشاركة الأطفال وذوي الهمم، تنفيذ الجدارية ضمن مشروع تطوير وتجميل طريق السادات.

جدارية «تراثنا بعيوننا»

تقول الدكتورة يارا البحيري، فنانة تشكيلية ومدربة معتمدة بالمعهد القومي للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بأسوان، إن فكرة جدارية “تراثنا بعيوننا” جاءت عقب توجيهات المحافظ، بتنفيذ مبادرات لتجميل المحافظة وتعزيز هويتها البصرية، حيث تم التعاون مع عدد من الفنانين التشكيليين لتصميم جدارية مستوحاة من التراث الحضاري والتاريخي لأسوان عبر العصور المختلفة.

وأضافت أنه تم عرض التصميمات على المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان والحصول على الموافقة عليها، قبل تنفيذها رقميًا ثم البدء في التنفيذ، لتخرج الجدارية في صورة بانوراما فنية تحكي تاريخ أسوان ورموزها الحضارية، بهدف تعزيز الانتماء وتعريف الأجيال الجديدة بتراث محافظتهم.

وأشارت البحيري إلى أن دمج ذوي الهمم في تنفيذ الجدارية منحهم شعورًا بالفخر والثقة بالنفس، خاصة مع حرص فريق العمل على التواصل معهم بلغة الإشارة، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أفكارهم من خلال الفن.

وأضافت أن الجدارية لا تعبر فقط عن أعمال فنية جمالية، لكنها توثق الإرث الحضاري والثقافي لأسوان، لافتة إلى أن فريق العمل واجه تحديات عديدة أثناء التنفيذ، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، والأتربة، وعوادم السيارات، والعمل لساعات طويلة في الشارع، إلا أن الإصرار وروح التعاون ساعدا في استكمال العمل بالشكل اللائق. كما أشارت الفنانة التشكيلية إلى تخصيص جدارية مستقلة للأطفال بعنوان “أسوان بعيون أطفالها”، لإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير عن رؤيتهم لمحافظتهم من خلال الرسم والألوان.

تاريخ أسوان وتنوعها الثقافي

توضح مي محمد عبد الهادي، مهندسة ديكور وأخصائية الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، أنه بحكم الخلفية الأكاديمية للفنانين المشاركين، لم يكن الهدف تنفيذ مجرد رسومات جمالية، وإنما تقديم مشروع فني يعبر عن الهوية والثقافة الأسوانية.

وأضافت أنه تم تقسيم الجدارية إلى مجموعة من المشاهد التي تعبر عن الحضارة المصرية القديمة، والنوبية، والتراث الشعبي، والقبائل العربية، مع ربط جميع هذه العناصر في تسلسل بصري متناسق يعكس تاريخ أسوان وتنوعها الثقافي.

وأكدت أن الفنانين حرصوا على استخدام الألوان الزاهية والمبهجة التي تتناسب مع طبيعة العمل في الشارع، وتعكس روح النوبة والبيئة الأسوانية، لافتة إلى أن بعض الجداريات تضمنت مزجًا بين الرموز الفرعونية والنوبية لإبراز الترابط الحضاري والثقافي الذي تتميز به المحافظة.

وأشارت عبد الهادي إلى أن الفنانين المشاركين في العمل تلقوا تشجيعًا من المواطنين، حيث حرص العديد منهم على توجيه كلمات الدعم والإشادة بالمبادرة بشكل مستمر.

اقرأ أيضا:«غرب سهيل».. قرية نوبية تتحول إلى وجهة سياحية عالمية

مواهب كبيرة في الرسم

عن مشاركة ذوي الهمم، توضح مي محمد عبد الهادي، أخصائي الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، أن المبادرة جاءت امتدادًا للتعاون القائم مع التمكين الثقافي بقصر ثقافة أسوان، حيث تم اختيار عدد من الموهوبين من ذوي الهمم للمشاركة في تنفيذ الجدارية، خاصة أن لديهم مواهب كبيرة في الرسم والأعمال اليدوية والنحت والتشكيل.

وأكدت أن هذه كانت المرة الأولى التي يشارك فيها عدد منهم بالرسم على الجدران بشكل مباشر، بعد أن اقتصرت أعمالهم سابقًا على اللوحات الورقية، مشيرة إلى أن الفريق انبهر بالمستوى الفني الذي قدموه وحماسهم الكبير للمشاركة في المبادرة.

وأضافت عبد الهادي أن المشاركين من ذوي الهمم تنوعوا بين أصحاب الإعاقات السمعية والحركية، والتوحد، والشلل الدماغي، مؤكدة أنهم قدموا أعمالاً فنية مميزة عكست حجم موهبتهم وقدرتهم على الإبداع، ووصفت مشاركتهم بأنها من أكثر الجوانب الإنسانية التي أسعدتها داخل المبادرة.

عناصر مستوحاة من البيئة

أشاد عبد الحكيم عامر، فنان تشكيلي من المشاركين في الجدارية، بالدعم الكبير الذي قدمته المحافظة للفنانين، من خلال توفير الخامات والإمكانات اللازمة لإنجاز المبادرة. وأوضح أن جدارية “تراثنا بعيوننا” تستلهم تاريخ أسوان الممتد عبر الحضارات المختلفة، حيث حرص على الدمج بين الحضارة الفرعونية والنوبية والروح المعاصرة، في تصميم بسيط يعتمد على الخطوط والألوان الواضحة ليكون قريبا من المتلقي.

ولفت إلى أن العمل يتضمن عناصر مستوحاة من البيئة الأسوانية، مثل البيت النوبي، وزهور اللوتس، والنيل، والمراكب، بما يعبر عن التراث المادي واللامادي لأسوان. وأضاف عامر أن اهتمامه بالجداريات والرموز التراثية يعود إلى دراسته الأكاديمية، حيث تناولت رسالة الماجستير الخاصة به الدلالات الأنثروبولوجية للرموز المستخدمة في الجداريات المصرية، موضحًا أن كثيرًا من الرموز الشعبية والنوبية تحمل معاني ودلالات خاصة.

وأشار إلى أن زهور اللوتس ترمز للحضارة الفرعونية، بينما تعبر الدوائر عن الشمس واللانهاية، وتشير المثلثات إلى الحماية وطرد الأرواح الشريرة، فيما يرمز التمساح إلى القوة والارتباط بالنيل، كما تعكس الألوان الصريحة المستخدمة في الجداريات طبيعة البيئة النوبية واعتمادها قديمًا على الأكاسيد الطبيعية في استخراج الألوان الأساسية.

وأكد الفنان التشكيلي أن هذه الرموز ليست مجرد عناصر جمالية، بل تحمل قيمًا ثقافية وتاريخية متوارثة، وهو ما حرص فريق العمل على توظيفه داخل الجدارية لإبراز الهوية البصرية والثقافية لمحافظة أسوان بصورة معاصرة ومبسطة تصل إلى مختلف الفئات.

تجارب فنية مؤثرة

تقول بسملة محمد فخري، 19 عامًا، طالبة بالفرقة الأولى بكلية الآداب قسم علم النفس ومن ذوي الهمم، إنها سعيدة بمشاركتها فى جدارية “تراثنا بعيوننا”، موضحة أن حبها للرسم بدأ منذ الصغر، رغم صعوبة الإمكانيات في بداياتها، حيث لم تكن تستطيع استخدام يديها في الإمساك بالقلم، ما دفعها في مرحلة الحضانة إلى الاكتفاء بالحضور كمستمعة.

وأضافت أنها بدأت الرسم باستخدام فمها بعد موقف بسيط داخل منزلها، عندما قامت بإطعام شقيقتها الصغيرة باستخدام الملعقة، وهو ما لفت انتباه والدتها التي شجعتها قائلة: “أنتِ استخدمتِ الملعقة بفمك وهي ثقيلة، تقدري على استخدام القلم”، مؤكدة أن هذه اللحظة كانت نقطة تحول في حياتها.

اقرأ أيضا: جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي

الفنانة بسملة فخري ترسم علي الجدارية.. تصوير: وفاء أمين
الفنانة بسملة فخري ترسم علي الجدارية.. تصوير: وفاء أمين
 “طاقة مش إعاقة”

تشير بسملة محمد فخري إلى أنها خضعت لـ15 عملية جراحية حتى تمكنت من الوقوف على قدميها، لافتة إلى أنها شاركت من قبل في جداريات الهوية البصرية أثناء دراستها بالصف الأول الثانوي، وظهرت في إحدى الصور بمحطة أسوان كرمز مشرف للمحافظة، معتبرة أن مشاركتها الحالية هي الثانية في الجداريات.

وأوضحت أنها رسمت الملك توت عنخ آمون ضمن الجدارية الحالية، للتعبير عن عظمة الحضارة الفرعونية المصرية وتعريف الزوار بتاريخ بلدها، مؤكدة أن أسرتها كانت الداعم  الرئيسي لها في مشوارها، حيث كان والدها ووالدتها يرافقانها في السفر للمشاركة في المسابقات والفعاليات داخل وخارج المحافظة.

ووجهت فخري رسالة إلى ذوي الهمم قالت فيها: “ضعوا هدفكم أمامكم ولا تيأسوا، وعيشوا حياتكم لأننا طاقة مش إعاقة”.

موهبة بارزة من الصغر

فيما يقول مصطفى سعيد، أحد المتطوعين بالرسم في الجدارية من ذوي الهمم، إنه بدأ الرسم منذ الطفولة برسومات بسيطة للحيوانات والأطفال، قبل أن يتطور مستواه الفني بعد بلوغه سن 25 عامًا، ليبدأ في تنفيذ بورتريهات وأعمال فنية أكثر احترافية.

وأضاف أنه يشعر بالفخر والسعادة لمشاركته في الجدارية، خاصة مع تطور موهبته ومشاركته في معارض وزارة الثقافة بقصر ثقافة العقاد وقصر ثقافة أسوان، مشيرًا إلى أن شقيقه كان له دور كبير في دعمه وتشجيعه على الاستمرار في تنمية موهبته.

وأكد سعيد أنه يحرص على استكمال أعماله الفنية في الجدارية بعد انتهاء عمله اليومي، تعبيرًا عن حبه للفن واعتزازه ببلده، مشيرًا إلى أن المشاركة التطوعية في هذه الأعمال تمنحه شعورًا كبيرًا بالانتماء والفخر بموهبته.

اقرأ أيضا: جدل حول مبانٍ خرسانية أسفل «معبد كلابشة» يثير انتقادات واسعة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.