دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«لينا أسامة»: لا أرسم بورتريها بل وجوها أبدية.. ورحلتي بدأت من وجوه الفيوم

يستضيف جاليري بيكاسو بالزمالك معرض الفنانة التشكيلية لينا أسامة بعنوان «عيون مليئة بالأحلام»، والذي انطلق في 19 إبريل ويمتد حتى 4 مايو 2026. ويضم المعرض تجربة بصرية مغايرة تتناول رفاهية الحلم والحنين إلى الماضي بأسلوب يمزج بين الواقع والخيال.

تنتمي لينا أسامة وهي من مواليد القاهرة عام 1986، إلى المدرسة التعبيرية التي صقلت أدواتها من خلالها عبر دراستها في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ثم في أكاديمية الفن الدولية بسالزبورج في النمسا. وتعكس أعمالها مزيجاً فريداً من التراث المصري والسرد التصويري المعبر، حيث تدمج بين الرموز المعاصرة والموتيفات التاريخية، مستلهمة من رحلاتها بين الشرق الأقصى وأوروبا عناصر متنوعة، بدءاً من نقوش المطبوعات اليابانية وصولاً إلى أيقونات السينما وعنزة بيكاسو الشهيرة.

بأسلوبها الذي يميل إلى المبالغة في اللون والنسب لنقل أقصى درجات الإحساس، تركز لينا على الحضور البشري وسرد القصص من منظور المرأة، لتعيد صياغة المواقف الحياتية الشخصية في قوالب فنية عالمية. وبمناسبة هذا المعرض، الذي يضاف إلى سجل حافل يضم أكثر من 140 مشاركة دولية، كان هذا الحوار معها لنستكشف جذور أحلامها الملونة.

سنوات التكوين

لا يمكن فهم فن لينا أسامة دون العودة إلى البيت الأول، ذلك البيت الذي وصفته لينا بأنه مؤسسة ثقافية مصغرة. نشأت لينا في كنف عائلة تدرك قيمة الفن، حيث كانت والدتها، المترجمة الراحلة تراجي فتحي، تترجم عن الألمانية والإنجليزية وتعمل في قطاع الأخبار بماسبيرو، بالإضافة إلى تعاونها مع جرائد ومؤسسات دولية عديدة. أما والدها فهو الدكتور أسامة عبد الحي، الذي يجمع بين الطب والسياسة، كونه يشغل حالياً منصب نقيب الأطباء، واهتم بالعمل العام طوال حياته بقدر اهتمامه بالطب.

تقول لينا عن هذه البدايات إن أهلها شجعوها منذ الطفولة، وكانوا يعرضون رسوماتها البسيطة على أصدقائهم من كبار الفنانين التشكيليين لاستشارتهم في كيفية تنمية هذه الموهبة. هذا الدعم جعل لينا تنخرط في دورات تعليمية مكثفة منذ طفولتها، لدرجة أن عطلاتها المدرسية كانت أكثر انشغالاً بالدراسة الفنية من أيام المدرسة العادية.

بوستر المعرض.. الصورة من التشكيلية لينا أسامة
بوستر المعرض.. الصورة من التشكيلية لينا أسامة
تجربة الاغتراب

في سن السادسة، انتقلت لينا مع عائلتها إلى إنجلترا، وكان ذلك في أوائل التسعينيات، حين لم يكن العالم قد صار بعد “قرية صغيرة” كما هو الآن، ولم يكن الإنترنت متاحاً لردم فجوات الغربة. تتذكر لينا تلك الفترة بوصفها نقطة التحول الإنساني الأولى، وتصف ترك الأقارب والأصحاب في سن صغيرة والانتقال إلى دولة مختلفة تماماً في ملامحها ولغتها وشكل بيوتها بـ”المهمة الصعبة”.

هنا لعبت والدتها دور المرشد النفسي عبر الفن، حيث كانت ترى في الرسم حلاً لكل المشكلات، وتربي ابنتها على أن الرسم وسيلة للتفريغ. فإذا شعرت لينا بالحنين إلى مصر، كانت والدتها تحثها على رسم أقاربها، وإذا واجهت مشكلة مع أقرانها في المدرسة، كانت تقترح رسمهم.

واكتشفت لينا مع الوقت أن الرسم يحل المشكلة فعلياً، لأنك عندما ترسم شخصاً فأنت تدرسه وتلامس نقاط ضعفه وقوته، فتبدأ في التعاطف معه. ومن هنا تشكلت قناعتها الفلسفية بأن الكراهية وليدة الجهل، وأن الفن هو الجسر الذي يعبر بنا فوق فخاخ العنصرية والعداء.

توت عنخ آمون

وسط هذا الاغتراب، وجدت لينا ذاتها المصرية بشكل غير متوقع عندما بدأت المدرسة في إنجلترا تتحدث عن الملك توت عنخ آمون، فانقلبت الحصة كلها للحديث عن مصر وعظمتها. في تلك اللحظة شعرت لينا بفخر وانتماء لم تشعر به من قبل، وأدركت أن لديها هوية تشد انتباه الآخرين وتجعلهم يرغبون في محاورتها، فصار الرسم لغتها للتعبير عن هذا التميز.

تؤمن لينا أننا نولد وفي جيناتنا خلاصة الفن القديم، وتوضح ذلك فنياً بأن رسومات الأطفال في مصر مختلفة، فنحن نرسم العين بأسلوب ورقة الشجر، ونرسم الجسد من الأمام والأقدام من الجانب، تماماً كما كان يفعل المصري القديم. وهذا ليس صدفة، بل موروث شعبي فطري ناتج عن ارتباطنا العميق بالأرض والنيل والشمس التي تشرق وتغرب بنفس القوة والثبات يومياً.

اقرأ أيضا:«أدب الاشتباك».. الكلمة التي لا تستطيع المستعمر احتلالها

الفنانة التشكيلية لينا أسامة في معرضها
الفنانة التشكيلية لينا أسامة في معرضها
الحركة التشكيلية ووسط البلد في التسعينيات

عادت لينا إلى مصر وهي في الثامنة من عمرها لتجد حركة فنية معاصرة في أوج توهجها. وتقول إن حظها كان جيداً لأنها عادت في فترة نشيطة جداً شهدت بداية ظهور الجاليريهات الخاصة في وسط البلد مثل “مشربية” و”كريم فرانسيس” و”أتيليه القاهرة”. كانت طفلة تتجول وسط عمالقة من طراز مصطفى الرزاز، وعمر الفيومي، ومحمد عبلة، وعاصم شرف، وسوزان المصري، وهؤلاء كانوا البيئة التي شكلت وعيها الفني.

هذا الثراء جعل لينا لا تكتفي بالموهبة، بل صقلتها بالدراسة الأكاديمية، فالتحقت في المرحلة الإعدادية بالدراسات الحرة في كلية التربية الفنية مع الفنان جورج فكري، الذي تصفه بـ”الأستاذ الهائل”، الذي علمها التعامل مع كافة الخامات من فحم وباستيل وأكريليك وزيت بسرعة وكثافة، مما مكنها من إنتاج 50 بورتريه في وقت قياسي، فكانت تلك بدايتها الحقيقية أمام الجمهور المحترف في عام 2002.

 لماذا يغيب البورتريه ويحضر الوجه؟

الناظر في أعمال لينا أسامة يلاحظ ولعاً شديداً بالوجه البشري، فمنذ معرضها الأول وهي في الثالثة عشرة من عمرها لم تكن ترسم سوى الوجوه. توضح لينا هذا الشغف بأنها قضت سنوات تبحث وراء فكرة التعبير عبر الوجه، حتى إن الفنانين الكبار كانوا يمازحونها بأنها لا ترسم أذناً، بل ترسم الوجه ككيان مستقل وليس بورتريه تقليدياً.

تأثرت لينا بعمق ببورتريهات الفيوم وأعمال بيكاسو، ووجدت في المدرسة التعبيرية الألمانية والنمساوية ضالتها. وترى أن التعبيرية تقوم على المبالغة في كل ما يظهر الإحساس، ففي لوحاتها قد تكبّر العينين وتصغّر الأنف، لأن العين في رأيها هي مرآة الروح ومستقر المشاعر، بينما لا تنقل الأنف أو الأذن نفس الطاقة التعبيرية. هي تبالغ في الألوان والنسب لتخلق صدمة إيجابية تنقل للمشاهد إحساسها القوي باللحظة.

اقرأ أيضا: فائض الأساطير: كيف نتحرر من وهم «المخلص الوحيد» في الموسيقى العربية؟

من لوحات المعرض.. الصورة من لينا أسامة
من لوحات المعرض.. الصورة من لينا أسامة
الكولاج الفكري: دمج ديزني مع حتحور

تتميز لوحات معرض “عيون مليئة بالأحلام” بحالة من الكولاج الفكري المدهش، حيث تضع لينا رموزاً من مصر القديمة بجانب عنزة بيكاسو أو تليفون عمومي قديم، أو حتى شخصيات من عالم ديزني مثل “أليس في بلاد العجائب”. وتفسر هذا التوجه بأننا نعيش خليطاً من كل شيء، فمصر مفترق طرق للحضارات، وحياتنا الشخصية هي كولاج من الذكريات والحاضر، وهي تدمج هذه الطبقات كما في الأحلام، دون التقيد بالواقع بل بالصدق الفني.

تؤكد لينا أنها فنانة انفعالية، لا تعتمد على الرسم التحضيري أو الاسكتشات، فإذا لم ترسم مباشرة على اللوحة تضيع الشحنة العاطفية، لأن الصدق في التعبير يكمن في تلك اللحظة التي يلتقي فيها اللون بالسطح دون وسيط.

هل الفن رفاهية الرفاهية؟

تطرقت لينا إلى دور الفنان في المجتمع، وبصفتها خاضت تجربة تنسيق المعارض، فهي ترى أن الحركة الفنية المصرية تتفوق إبداعياً على كثير من الدول الأوروبية رغم نقص الموارد. وتدين بالفضل لوزارة الثقافة المصرية التي احتضنت موهبتها منذ صالون الشباب عام 2002، حيث شاركت بلوحة عن جنين بفلسطين وهي لا تزال في الخامسة عشرة من عمرها، وحصلت حينها على إذن استثناء خاص لأنها لم تكن تملك بطاقة شخصية بعد.

وعن قضية اقتناء الفن في ظل الأزمات الاقتصادية، تقول لينا بواقعية إن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة وجدانية. وتستشهد بتجارب رائعة لتقريب الفن من الناس، مثل تجربة الراحل حسين بيكار الذي عرض لوحاته بأسعار زهيدة ليتمكن المقتني العادي من امتلاكها، ومبادرة “لوحة لكل بيت”.

فالفنان، رغم أنه يبذل مجهوداً خرافياً في البحث والخامات، لكنه أيضاً مطالب بخلق وسائط تجعل الفن متاحا للجميع، وليس حكراً على طبقة معينة.

اقرأ أيضا: الراب المصري: حكاية جيل بنى مجده «بدون واسطة»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.