الفن مش رسالة
بينما كان «البلدوزر» يلتهم مقابر القاهرة التاريخية، ويقتلع أشجارها وقصورها التراثية، وقف محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري، ساكناً؛ لم يغضب وهو يرى مساحة القاهرة التاريخية تتقلص أمام عينيه، أو يشاهد معلماً عريقاً كـ«ترام الإسكندرية» يذهب في مهب النسيان، ولكنه انتفض فجأة وبسرعة لافتة، معلنا غضبه من أجل لوحة إعلانية في أحد شوارع الإسكندرية دُوّنت عليها عبارة: «الفن مش رسالة».
المفارقة ذاتها تكررت مع خالد منتصر الذي يرفع يوميا شعارات التنوير لكنه اعتبر العبارة «شعارا داعشيا»، دون أن يوضح بالطبع كيف استقام هذا الربط العجيب. يبدو أننا- للأسف- بحاجة للعودة إلى البديهيات التي غابت عن «الغاضبَين» وآخرين غيرهم أيضا؛ فالحقيقة أن الفن ليس رسالة بالمفهوم الوعظي الضيق، بل إن «داعش» وأخواتها هم من أرهقونا تاريخياً بمصطلحات «الفن الهادف» و«الفن الأخلاقي» المصبوب في قوالب أيديولوجية.
وهكذا، نجد أن نداء خالد منتصر وغضب أبو سعدة نفسه ـ ربما عن غير قصد أو بغير معرفة أو كليهماـ يصبان في مصلحة تيارات التعصب والتزمت التي تريد فناً يخدم الغايات الإرشادية فقط.
***
الفن مش رسالة، هذه حقيقية، وقد استمدت عبارة «الفن رسالة» قيمتها من التكرار لا من الصحة؛ إذ تحول الفن في وعي الكثيرين إلى مجرد «ميكروفون» للوعظ أو منصة لإلقاء الخطب المباشرة، وهو في جوهره أبعد ما يكون عن ذلك. إن حشر الإبداع في زاوية «الرسالة» يعكس نوعاً من الوصاية التي تفترض أن المتلقي قاصر يحتاج لمن يوجهه، بينما الحقيقة أن الفن «صنعة» جمالية وجدت لتثير التساؤلات لا لتقدم إجابات معلبة، ولتفتح بوابات التأمل لا لتغلقها بنصائح أخلاقية جافة. الفنان ليس واعظاً ولا مصلحاً اجتماعياً بالضرورة، ولو كانت وظيفته الأساسية هي النصح، لكان الأجدى به اعتلاء منابر المساجد بدلاً من تكبد عناء الإنتاج الفني.
إن الإصرار على «تغليف» الفن برسالة توجيهية هو سمة الشعوب البدائية التي كانت تطوع الرسم والرقص لأهداف نفعية مباشرة كاسترضاء الآلهة أو ضمان صيد وفير، أما الفن الحديث فهو قيمة بذاته. الأعمال العظيمة في الأدب والفن والموسيقى والتشكيل لا يمكن اختزالها في جملة مفيدة أو موعظة عن الخير والشر؛ عظمتها تكمن في «كيفية» التنفيذ وفي قدرتها على بعث الدهشة والذهول في النفس وإثارة الأسئلة. حين نربط الجمال بالمنفعة، فنحن نقتل عفوية الإبداع ونحيله إلى «درس ديني» أو «بيان سياسي»، مما يدفع المشاهد للنفور.
***
الفنان الحقيقي لا يكتب بياناً سياسياً ولا يرفع لافتة تعليمية، بل يخلق عالماً فنياً يتيح للمتلقي أن يكتشف بنفسه ما يشاء من دلالات. ولهذا يختلف الناس في قراءة العمل الفني، ويجد كل منهم شيئاً يمسه بطريقة خاصة، لأن الفن لا يقدم إجابة واحدة بل يفتح أبواباً عديدة للتأويل.
بالطبع، لا يعني هذا أن الفن ينفصل عن قضايا الإنسان، لكنه يفعل ذلك بطبيعته الجمالية من خلال «العدوى الشعورية» لا الأوامر المباشرة. الفن الحقيقي هو الذي ويجعلنا نتأمل حياتنا من منظور مغاير، دون أن يمارس علينا دور الحارس للفضيلة. إن محاولة «تدجين» الفن ليكون بوقاً للدعاية أو وسيلة للتهذيب السلوكي هي جناية بحق الإبداع؛ فالفن يزدهر حيثما وجدت الحرية والجمال الخالص، أما الرسائل المباشرة فمكانها الكتب المدرسية والنشرات التوعوية، ولن يبقى من الفن إلا ذلك الأثر الجمالي الذي جعلنا يوماً ما نشعر بالذهول ونتساءل: «كيف فعلها هذا الفنان؟».
الفن رسالة، فقط عند داعش.. وأخواتها!



