عن الفن في معبد رمسيس الثاني.. كيف ثبتت ألوان الفراعنة لآلاف السنين؟

في دراسة حملت اسم “الفن التشكيلي في معبد رمسيس الثاني” ناقشت الباحثة زينب دياب، ابنة دشنا، اعتماد الفنان المصري القديم في النقش والنحت الرموز التعبيرية لإظهار مدلولات النقوش والألوان، إذ إن الألوان لم تكن تستخدم بشكل عشوائي أو نمطي بل كانت ذات مدلول رمزي.

الباحثة، التي ناقشت دراستها لنيل درجة الماجستير من كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، ذكرت أن الفنان المصري لوّن بعض  الرموز الهيروغليفية التي تعطي مدلولًا لأشياء موجودة في الطبيعة بلونها الطبيعي، مثل استخدام اللون الأزرق في علامة الماء، والتي كانت تسمى “مو” وأيضا في علامة السماء “بت”.

وتابعت أن المصري القديم في أحيان كثيرة كان يستخدم ألوان لا تعبر على طبيعة الشيء بقدر ما تحمل مدلولات رمزيات، مثل استخدام اللون الأزرق في تلوين علامة الحياة “عنخ”، واستخدام نفس اللون في تلوين رغيف الخبز بالرغم من أن هذه الأشياء ليست في طبيعتها زرقاء، وهنا نلاحظ الرمزية في اللون فمعروف أن اللون الأزرق يرمز أحيانا للقدسية والنقاء.

وأرجعت الباحثة أسباب استخدام الفنان القديم للرمز لعدة أسباب، أهمها العقيدة  التي استلهمها المصري القديم من الطبيعة، والتي اتسمت بالتناقض والازدواجية في أحيان كثيرة،  لتنشأ لديه الرغبة في تفسير ذلك التناقض من خلال ما عرف بالأسطورة.

وتجاوزت الأسطورة عند المصري القديم مرحلة الخرافة لتتحول إلي منهج فكري استخدمه ليعبر عن أفكاره حول نشأة الكون والصراع بين الخير والشر، وارتبط الرمز بالأسطورة بفن النحت على الجدران بشكل خاص، كما في أسطورة إيزيس وأوزوريس.

أحمر أخضر أسود

وتابعت الباحثة أن من أسباب استخدام الرمز أيضا الرغبة في التأثير على المتلقي من خلال استخدام نسق فني رمزي  ينقل الفنان من خلاله أفكاره لأكبر عدد من الناس، ونلاحظ ذلك مثلا في النقوش التي تستخدم للتعبير عن انتصار الملك على أعدائه، فيكفي مثلا أن يُشاهد الملك وهو يضرب عدوه بدبوس القتال لنفهم ذلك.

رمزية الألوان

وحول رمزية الألوان تشير الباحثة إلى أن اللون الأزرق وهو لون النيل والسماء كان يرمز للبعث والخلود، لذلك فهو اللون السائد لأكثر المعبودات في إشارة للأبدية، أما اللون الأخضر فهو لون النماء والخصوبة لذلك فقد كان اللون المميز للمعبود أوزوريس باعتباره إله الخضرة قبل أن يقتل على يد أخيه “ست” ويتخذ اللون الأسود باعتباره معبود الموتي.

أما اللون الأبيض فهو لون  النقاء والطهارة واستخدمه المصري القديم في ملابس  الكهنة والأطفال، واللون الأحمر كان يرمز للدم والنار ويرمز للقوة الخطرة أو قوة الشر، لذلك كان اللون المميز للمعبود “ست” إله الشر.

الباحثة أشارت إلى أن اعتياد الفنان تلوين بشرة الرجل باللون البني الغالب عليه الحمرة، في إشارة إلى قوته وتأثير أشعة الشمس على بشرته، بينما استخدم اللون الأبيض المائل إلى الأصفر “الكريمي” للمرأة للتدليل على نقائها وجلوسها بالمنزل .

فن النحت في عصر رمسيس

فن النحت هو فن ذو أبعاد ثلاثة (الطول والعرض والسمك)، وبنظرة على ما خلفته الدولة الحديثة من نقوش وخصوصا فترة حكم رمسيس الثاني بالأسرة التاسعة عشرة، نجد أن بعضها يعبر عن المثالية بقوة ووضوح، والآخر يعبر عن الواقعية، بالإضافة إلى التماثيل التي تمثل المدرسة الآتونية، وتلك التي جمعت بين المثالية والواقعية.

وتشرح الباحثة من خلال عرض بعض صور من النقوش كيف استخدم الفنان المصري التعبيرية في النحت  كما  في المنظر الذي يصور ذبح ثور لتقديمه قربانًا للمعبودات، ويظهر في المشهد، الجزار ممسكًا بيده اليسرى رجل الثور، بينما يمسك السكين بيده اليمنى وتضغط رجله اليمنى على الثور لتشل حركته، ويعبر المنظر على مدى قوة الجزار، وتظهر براعة الفنان في تسجيل المنظر بشكل فوتوغرافي يراعي جميع التفاصيل الجسدية للجزار، كما يظهر التفاصيل الجسدية للجزارين وثنايا الملابس في براعة تقترب من فن التصوير الفوتوغرافي.

المواد المكونة للألوان

كما أثبتت الباحثة من خلال إرسال عينات من الألوان  إلي ألمانيا، والتي تم تحليلها في معامل متخصصة، أن المواد التي استخدمها المصري القديم في تركيب الألوان مستخلصة من مواد طبيعية، مستخرجة من معادن وأحجار وفواكه ونباتات، كانت تمزج بمواد طبيعية مثبتة للألوان مثل الصمغ العربي والغراء الحيواني، الذي يستخلص من عظام الحيوانات وقرونها بعد إزالة المادة الدهنية منها.

وتقسم الباحثة الألوان إلى نوعين:

  • المواد الملونة

وهي عبارة عن جزئيات أكاسيد معدنية طبيعية مختلفة، وقد تمزج هذه الأكاسيد قبل التلوين بوسائط سائلة ومنها الصمغ العربي، والغراء الحيواني، وزلال البيض .

  • الصبغات

وهي خلاصة لونية سائلة تتخلل داخل المادة عند تطبيقها مباشرة، أو عن طريق استخدام وسيط، وتستخرج من نباتات أو من حشرات تعيش على الأشجار .

المواد الملونة ومكوناتها

تعتبر المغرة الصفراء من أشهر الألوان الشائعة الاستخدام للحصول منها على اللون الأصفر، وتتركب من معدن الجوثيت بالإضافة إلى السليكا ومعادن الطفلة، وتوجد في شكل معدن الليمونيت مخلوطًا بنسبة من الكالسيت والكوارتز والطين، وفي هذه الحالة تميل إلى اللون البني أكثر، وتوجد المغرة الصفراء في الطبيعة بالأحجار الرملية بمنطقة الصحراء الغربية، وفي مناجم الحديد في الواحات البحرية، كذلك توجد مكونة الكثير من الصخور الغطائية بالصحراء الشرقية، ومن صفاتها أنها لا تتأثر بالأحماض والقلويات المخففة، ولكنها تتحول إلى اللون الأحمر، إذا ما تعرضت لدرجة حرارة عالية، إذ تتحول أكاسيد الحديد المائية إلى أكاسيد الحديد اللامائية، أي تتحول إلى الليمونيتالي الهيماتيت.

المواد التي يحصل منها على اللون الأبيض

الجبس:

استخدم الجبس كمادة ملونة بيضاء في الصور المصرية القديمة، واستخدم الفنان الجبس الخام غير المعالج بالحرق بعد مزجه بمحلول الغراء الحيواني .

الكالسيت:

ويستخدم بعد طحن الحجر الجيري النقي مع الماء ثم تعويم الحبيبات فى الماء لفصل الحبيبات الدقيقة عن الخشنة، وبعدها تؤخذ الحبيبات الدقيقة وتجفف وتستخدم مع الوسيط ألغرائي .

معدن الهونتيت:

استخدم المصري القديم مادة الهونتيت، وهي عبارة عن كربونات الكالسيوم والمغنسيوم، وقد ظهر هذا المعدن في عهد الدولة الحديثة وكان يستخدم في تلوين ملابس المعبودات، إذ إنه أكثر نصاعة من كربونات الكالسيوم .

أبيض الرصاص “كربونات الرصاص القاعدية”: ويوجد في الطبيعة على هيئة معدن السيروسيت .

المواد الملونة الزرقاء

عرف اللون الأزرق في مصر القديمة، واستخدم في المقابر للتعبير عن مياه النيل الزرقاء، كما استخدم أيضا في تلوين الأسقف للتعبير عن السماء الصافية، وكان يرمز به إلى الحقيقة المقدسة.

الأزوريت “كربونات النحاس القاعدية”

وهو من أقدم المصادر التي كان يستخرج منها اللون الأزرق، ويوجد بحالته الطبيعية في سيناء والصحراء الشرقية، ومن صفاته أنه يتميز بالثبات الكيميائي في الظروف الطبيعية، إلا انه يتأثر بالحرارة، التي تجعل لونه يميل إلى السواد وأيضا يتأثر بالمحاليل القلوية وأيضا يذوب في الأحماض .

الأزرق المصري

وهذا اللون ليس طبيعيًا وكان يحضر صناعيًا، ومن الأمثلة التي لونت بهذا اللون هي لوحة إوز ميدوم وهذا اللون هو دليل على تقدم المصري القديم في تصنيع الألوان، وقد شغل الكثير من العلماء، للوصول إلى تكوينه وتصنيعه، وقد وجدوا أنه يتكون من سليكات النحاس والكالسيوم، ويمتاز هذا اللون بثبات عند الظروف الأخرى مثل درجات الحرارة العالية والرطوبة العالية، لأن هذا اللون يعادل تأثير جميع القلويات والأحماض.

المواد الملونة الخضراء

الملاكيت “كربونات النحاس القاعدية” وهو من خامات النحاس الثانوية المهمة الواسعة الانتشار، إذ يوجد في الأجزاء العليا بمنطقة الأكاسيد من العروق النحاسية مصاحبا لمعدن الأزوريت والكوبريت، ويوجد هذا المعدن في شبه جزيرة سيناء، وفي الصحراء الشرقية وفي أماكن مختلفة من الصحراء الغربية، وقد استخدم هذا اللون منذ ما قبل الأسرات .

الأخضر المصري

حضر المصري القديم مادة ملونة خضراء صناعيًا، وكانت تستخدم سواء بمفردها أو مع كلوريد النحاس، هذا النوع قد شاع استخدامه في مقابر الدولة الوسطى وأيضا استخدم في العصر الصاوي، والأخضر المصري يشبه تركيب الأزرق.

الفحم النباتي

استخدم أيضا الفحم النباتي كلون أسود بعد مزجه بالغراء الحيواني، وهو أقل نقاوة من السناج.

السناج

استخدم المصري القديم السناج والذي كان يؤخذ من فوق الأسطح التي كانت تستخدم في طهي الطعام ، أو كان ينتج بطريقة أخرى وهى حرق الراتنجات والتي كان ينتج عنها السناج، الذي كان يستقبل على أسطح مصقولة ثم ينزع من على تلك الأسطح،ويستخدم كلون أسود بعد مزجه بالصمغ العربي ليربط بين حبيباتها وبينها وبين الأرضية التي يلون عليها.

في نهاية البحث توضح الباحثة بعض أسباب تلف الألوان في المعابد والمقابر المصرية.

عوامل داخلية:

وتشمل اختلاف طبيعة وخواص مكونات النسيج الجدارى للنقوش: حامل التصوير- الطبقات التحضيرية- طبقة اللون، ووجود الأملاح في مواد البنـاء وعيوب في التكنيك أثناء عمـلية التنفيذ وتأثير المياه الأرضية ومياه الرشـح والنشع والتلف البشري والبيولوجي

عوامل خارجية:

وتشمل اختلاف درجات الحرارة والرطوبة النسبية، ونحر الرياح والكـوارث الطبيعة والسيول والأمطار والتلوث الجوي.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى