دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

 6 أسباب لزيارة معرض «النينجيو» في متحف الفنون الجميلة

لماذا يصنع البشر نسخًا صغيرة من أنفسهم؟ سؤال يقودنا إلى عالم كامل داخل معرض «النينجيو» للدمى اليابانية، المقام في متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية. فالمعرض لا يكتفي بعرض أشكال مختلفة من الدمى، بل يتتبع كيف تحولت عبر التاريخ الياباني إلى رموز للحماية والفن والذاكرة والهوية الشعبية.

ومن خلال زيارة المعرض، الذي يمتد حتى 24 مايو، يمكن اكتشاف ستة أسباب تجعل هذا المعرض أكثر من مجرد عرض فني تقليدي.

(1) الدمى هنا لم تُصنع للعب فقط

قد نظن لوهلة أن “النينجيو”، والتي تعني “الشكل البشري”، صُنعت للعب، لكن ما يعكسه المعرض من خلال تقديم 67 دمية موزعة على أربعة محاور: “دمى للصلاة من أجل نمو الأطفال”، و”دمى كفن راقٍ”، و”دمى كفن شعبي”، و”انتشار ثقافة النينجيو” يؤكد أنها أكثر من ذلك بكثير.

تعود جذور هذه الدمى إلى طقوس قديمة استخدمت فيها الأشكال البشرية الرمزية لطرد سوء الحظ. ومن أقدم هذه النماذج ما يُعرف بـ”كاتاشيرو” أو “هيتوجاتا”، وهي دمى ورقية بسيطة تُصنع على شكل الإنسان، وتُستخدم في طقوس التطهير في المعابد حتى اليوم، خاصة في شهري يونيو وديسمبر.

كما ظهرت دمى مثل “أماغاتسو” و”هُوكو”، والتي كانت تُستخدم لحماية الأطفال حديثي الولادة من أي أذى محتمل. بل إن بعض الطقوس كانت تعتمد على وضع الدمية بجانب الطفل أو تمرير ملابسه عليها كنوع من “نقل الحماية”.

اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

(2) كل دمية تحمل حكاية اجتماعية

كانت هذه الدمى تُصنع من مواد بسيطة مثل الخشب والطين والورق، وغالبًا ما كان الفلاحون يصنعونها في أوقات فراغهم من العمل الزراعي، فهي ليست حكرًا على نخبة المجتمع، بل فن متاح للجميع.

ومن بين هذه الأنواع نجد الدمى الطينية غير المزخرفة التي تعتمد على القوالب البسيطة، وأخرى أكثر تطورًا مثل “هاكاتا نينجيو” التي تتميز بتفاصيل نحت دقيقة. كما نجد دمى مثل “تاكاماتسو هاريكو”، و”ميهارو نينجيو”، و”تكاساكي داروما”، المصنوعة عبر طبقات من الورق المقوى ثم تُلوَّن يدويًا.

وتمثل دمى “دارُوما” رمزًا شهيرًا للصبر والحظ الجيد. وفي المقابل، نجد دمى “النيبوبو” المصنعة من الخشب، والتي كان يصنعها نزلاء سجن أباشيري منذ عام 1954. وتعني “نيبوبو” الطفل الخشبي الصغير بلغة الآينو، ويقال إنها تجلب السعادة.

(3)اليابان تعاملت مع الدمى كفن راقٍ

كما يظهر المعرض، فإن اليابان لم تتعامل مع الدمى باعتبارها فنًا شعبيًا فقط، بل وصلت في بعض أشكالها إلى مستوى الفن الراقي داخل البلاط الإمبراطوري.

فقد أحب أفراد الطبقات العليا، خاصة داخل البلاط الياباني، الدمى ذات الحرفية العالية والتفاصيل الدقيقة. ومن أبرز هذه النماذج “غوشو نينجيو”، وهي دمى تصور أطفالًا ممتلئين بملامح صحية وبشرة ناعمة بيضاء ترمز إلى النقاء والبركة.

وكانت تُصنع من الخشب أو نشارة الخشب، ثم تُغطى بطبقة سميكة من مسحوق الأصداف، ما يمنحها لمعانًا أبيض مميزًا، وغالبًا ما كانت تُستخدم كهدايا في المناسبات الاحتفالية داخل البلاط.

هذه الدمى لم تكن مجرد زينة، بل كانت تحمل رموزًا للحظ السعيد، مثل طائر الكركي الذي يدل على طول العمر، أو سفينة الكنز التي ترمز إلى الوفرة.

(4)تطور اليابان من خلال الدمى

أحد أكثر الجوانب إثارة في المعرض  أنه لا يعرض الدمى كقطع منفصلة، بل يقدمها كخط زمني يعكس تطور المجتمع الياباني نفسه. إذ يبدأ من الطقوس الدينية القديمة ودمى الحماية الورقية، مرورًا بالدمى الفنية والشعبية، وصولًا إلى الثقافة الحديثة التي تشمل مجسمات الشخصيات والأنمي.

وبهذا الشكل يبدو المعرض وكأنه رحلة مختصرة داخل التاريخ الاجتماعي والثقافي لليابان، من المعتقدات الروحية إلى الثقافة الشعبية المعاصرة.

اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

(5) الدمى الاستعراضية

في بعض أشكالها، لا تظل الدمى كائنات صامتة داخل صناديق العرض، بل تتحول إلى جزء من الأداء المسرحي. ومن أبرز الأمثلة دمى “جوروري نينجيو” المستخدمة في مسرح العرائس التقليدي “جوروري”، حيث تُحرَّك الدمية بواسطة ثلاثة أشخاص في تناغم دقيق، بينما تُروى القصة بصوت حي ومؤثر.

كما تظهر أيضًا أشكال فنية أخرى مثل “أوشي هاغويتا”، وهي مضارب خشبية مزينة بقطع قماش بارزة تصور مشاهد من مسرح الكابوكي أو شخصيات شهيرة، حيث تتحول الحركة الدرامية إلى تكوين بصري ثابت لكنه نابض بالتعبير.

زوار معرض دمى اليابان.. تصوير: ميرنا جوهر
زوار معرض دمى اليابان.. تصوير: ميرنا جوهر
(6) المعرض يقول شيئًا أيضًا عن البشر

قد تكون هذه الدمى صامتة، لكنها تُظهر أكثر مما نتخيل. فهي لا تعكس فقط الثقافة اليابانية، لكنها تكشف أيضًا عن رغبة الإنسان في حماية الأحباء، وتقديره للجمال، وسعيه للحصول على الحظ الجيد وتجنب السوء.

وربما لهذا السبب تبدو الدمى وكأنها رسائل صامتة تعبر الثقافات وتلامس شيئًا مشتركًا في التجربة الإنسانية. فمن الطقوس القديمة إلى الدمى الحديثة، ومن البلاط الإمبراطوري إلى البيوت الشعبية، يقدم معرض “النينجيو” صورة واسعة لعلاقة طويلة ومعقدة بين الإنسان وصناعة الشكل البشري المصغّر.

وربما لا تكشف هذه الدمى الكثير عن اليابان فقط، لكنها تكشف أيضًا عن حاجة إنسانية أعمق: أن نحول الأشياء الجامدة إلى كائنات تحمل معنى.

اقرأ أيضًا: «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.