“الكتابة”.. عهد بدوي يحفظ حقوق الوافدين على أهل مطروح

إبّان الحرب العالمية الأولى أنشأ سلاح حرس الحدود نقاط عرفت بقوات “الهجانة” و”الخيالة” في الصحراء الغربية، التي اعتمدت على مجندين من صعيد مصر والسودان والبدو، لمهارتهم في تقصى الأثر، كان منهم الشيخ غانم عرابي ختال الفردي، والصول شامخ سعيد الحفيان، وسليمان أبو قديرة في سلاح الحدود.

وعبر العقود الطويلة، تولت القوات المسلحة حماية الحدود، وفضّل كثير من الهجانة البقاء بين القبائل التي تحكمها قوانين “أولاد علي” وكان من الضروري وجود ميثاق ينظم حياتهم داخل المجتمع البدوي ويحفظ حقوقهم في إطار العادات والتقاليد، منعًا لوقوع أي تعد أو جور عليهم من أبناء القبائل أو العكس.

جانب من تجمعات أهالي مطروح

في هذا السياق خرج ما عرف بقانون أو عرف “الكتابة”، كما يسرد العمدة سلامة بشير الجراري، الذي وصف الكتابة بأنها “إبرام اتفاق مكتوب بين الشخص غير المنتمي للقبائل وبين عمدة قبيلة معينة، ليصبح بعدها أخًا لهم، ويمنح الحماية، وله حقوق القبيلة وعليه واجباتها في السراء والضراء ويصبح عمدتها الممثل الرسمي له أمام القبائل”.

سلامة بشير
سلامة بشير

ويضيف العمدة سلامة بشير الجراري، عمدة قبيلة الجرارة “الآن يعيش في مطروح عائلات منذ عشرات السنين و”كتبوا” مع أولاد علي، وتطبعوا بطباع البدو وأصبحوا يجيدون اللهجة البدوية الصعبة ويتمتعون بحقوق البدو في كل الأمور ولا يوجد فرق بينهم بين أبناء القبائل…”.

وكما هو معروف عن القبائل البدوية الاعتزاز بأصولهم، أوضح الجراري أن قبائل مطروح لم تفرض شروطًا صعبة على الوافدين الراغبين في “الكتابة” معها، غير أن يكون الوافد موظف حكومة أو صاحب مهنة ومعروف بالشهامة والخلق الكريم.

وأضاف أن “الكتابة ” لم تحدد دين معين أو أصل معين لمن ينضم لهم فكتب مع المسلم والمسيحي مثل “المقدس” حبيب وهب الله موسى، الذي استقر بمطروح في منتصف عشرينيات القرن الماضي، الذي كتب مع قبيلة العبيدي، وكذلك بنايوتي حاجي بطراكس اليوناني صاحب أشهر خمارة بوسط مرسى مطروح، الذي كتب مع قبيلة الأفراد وغيرهم من العائلات.

يقول الجراري إذا ما حدثت مناسبة فرح لدى هذه القبائل تجد المكاتبين معهم كأحد أفراد القبيلة، وإذا حدثت أزمة أو مشكلة يشاركون في دفع الدية مع إخوتهم من القبيلة، وأيضًا إذا حدثت مشكلة لأحدهم مع قبيلة أخرى، يقف عمدة القبيلة إلى جوارهم، حتى حل المشكلة أمام عمد القبائل الأخرى بما يحفظ حقهم كأي بدوي.

وظهر أثر هذا  الاندماج القوى لسكان المحافظة الوافدين داخل نسيج السكان الأصليين من البدو وإتباعهم العادات والتقاليد ووعيهم بأهميتها في تشكيل حياتهم، واحترامهم لها أثناء ثورة 25 يناير، وما تبعها من انفلات أمني بالبلاد.

وصفي حوسين

 ويقول وصفي حوسين القناشي، عمدة قبيلة القنيشات، كانت محافظة مطروح الأكثر أمنًا وهدوءًا في فترة الانفلات الأمني، إذ وقف أبناء القبائل لحماية بوابات المداخل المؤدية إلى المحافظة من البلطجية والمخربين القادمين من محافظات أخرى، مستشهدًا بما حدث عند بوابة “الضبعة”، حيث قبض الأهالي على مجرمين هاربين وسلموا لقوات الجيش وقتها.

ويضيف أن الأهالي داخل المحافظة تحميهم العادات والتقاليد، ولا يجرؤ أحد على التعدي على آخر، وكانت المشكلات والنزاعات تحل فيما بينهم ليأخذ كل ذي حق حقه، دون اللجوء إلى محاكم تستمر لسنوات طويلة.

وتظل “الكتابة” قيمة اجتماعية لها احترامها وتأثيرها على العلاقات بين أبناء القبائل ومن يعيش بينهم من المكاتبين، ولم تتأثر علاقاتهم بالتغييرات التي تشهدها مطروح، فالكتابة تمثل حق وإلزام يحترمه أهل مطروح ويقدرونه.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى