الاقتصاد المصري قبل مائتي عام.. سياسة “الباشا” ومرحلة الانطلاق

بين عامي 1842 حتى 1845 اختفت المواشي في مصر، كان العثور على رأس ماشية لتدوير السواقي أو حرث الأرض أمر مستحيل، ما اضطر الفلاحون إلى الاعتماد على سواعدهم تارة بتدوير السواقي، وتعليق أنفسهم في المحاريث والنوارج تارة أخرى، لفلاحة الأرض.

150 ألف رأس ماشية قضى عليها وباء “الكوليرا” في ربوع مصر، نفقت كل ماشية الوجه البحري ومصر الوسطى، المرض امتد أيضًا إلى الأغنام، كان حجم الوباء كبيرًا، والخسائر فادحة.

إلى جانب الخسائر الاقتصادية التي خلفها الوباء، كانت كارثة بوار الأرض الزراعية هي الكارثة الأكبر التي تهدد البلاد، إذ كان الاقتصاد المصري في تلك الفترة يعتمد بشكل أساسي على الزراعة، التي احتكرها محمد علي.

ثلاث سنوات قاسية مرت على الفلاحين، إلى أن تنفست مصر الصعداء عام 1845 بعد انحسار الوباء، والمفاجأة كانت أن مصر أنتجت كميات كبيرة من المحاصيل كافية لسد حاجة البلاد، بل وتوفر جزء منها للتصدير أيضًا، وهو ما لم يكن يتوقع “الباشا”.

مصر الزراعية

محمد علي باشا الذي حكم مصر بين عامي 1805 حتى وفاته 1849، يمكن أن نعتبر عصره هو البداية الحقيقة للاقتصاد المصري، أو مرحلة الانطلاق، إذ إن فترة الحكم العثماني لمصر (1517 حتى 1798) كانت مثلها مثل الفترة التي سبقت، عصر استنزاف وتأخر، وتدهور للاقتصاد.

اهتم محمد علي بالزراعة فانعكس ذلك على رواج التجارة والتصدير، كما خلق سوقًا للصناعات من ناحية أخرى، وبحسب الدكتور خيري أبوالعزايم، في كتابه “ملامح تطور الاقتصاد” فإن الاقتصاد المصري مر بعدة مراحل خلال العصر الحديث، أولها الحملة الفرنسية وتولي محمد علي سدة الحكم.

ويصف الأمير عمر طوسون في كتابه مالية مصر أن الحملة الحملة الفرنسية عندما وصلت إلى مصر كان القطر في أحط درك من الوجهتين الزراعية والمالية، ولا ينسى الأمير الإشارة إلى أن الاقتصاد والمال في مصر كانا يرتبطان بالزراعة بشكل مباشر، بحكم طبيعة مصر الزراعية.

قانون تملك الأراضي

الصدمة الاقتصادية الأولى كانت في سبتمبر 1798 عندما أصدر نابليون بونابرت أول قانون يبيح ملكية الأراضي الزراعية للأفراد في مصر، على أساس حق الانتفاع مقابل الالتزام بدفع الضرائب، وهو ما شكل هزّة للاقتصاد آنذاك، وعلى عكس تلك السياسة الاقتصادية جاء محمد علي، ليحتكر وسائل الإنتاج وقوة العمل وناتجه، ليصبح الزارع الوحيد والتاجر الوحيد والصانع الوحيد.

اهتم محمد علي بالزراعات التي تنشط الصناعة، فانتشرت المراكز الصناعية في أنحاء مصر آنذاك، ففي القاهرة والفيوم انتشرت صناعة الصوف، أما إنتاج الحرير فاشتهرت به الدلتا، أما الصعيد فاهتم بصناعة والحصر وعصر الزيوت وصناعة السكر، وبلغ عدد الطوائف الحرفية في ذلك الوقت 64 طائفة.

إيرادات مصر

جلال أمين، أستاذالاقتصاد بالجامعة الأمريكية، يرى في كتابه قصة الاقتصاد المصري أن مصر تحت حكم محمد علي شهدت اندماجًا اقتصاديًا لم تعرفه طوال قرون طويلة، استمرت 43 عامًا هي فترة حكم محمد علي، وما إن استقرت الأمور لمحمد علي في مصر حتى بدأت إيرادات المالية العامة تزيد بشكل كبير.

وبالرجوع إلى إحصائيات عمر طوسون في كتابه مالية مصر، وإحصائيات هيلين آن ريفيلين في كتاب الاقتصاد والإدارة في مصر، فإن حجم الإيرادات ارتفع من 5 ملايين قرش عام 1805 إلى 23 مليون قرش عام 1812 وبلغ 75 مليون قرش عام 1847، ورغم أن الاثنين يختلفان في بعض البيانات، إلا أنهما اتفقا على تضاعف حجم الإيرادات بشكل كبير.

(يجب ملاحظة ان القرش كان هو العملة المستخدمة آنذاك قبل إصدار الجنيه)

مع بداية 1806 بدأ تصدير القطن المصري إلى الخارج ينشط بشكل تدريجي، ولم يمر وقت طويل حتى أصبح المصدر الأساسي للدخل القومي، في الوقت نفسه زادت حصيلة الصادرات، بحسب الدكتور محمد مدحت مصطفى، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة المنوفية في كتابه “الاقتصاد الزراعي المصري”.

وبحلول عام 1822 صدرت مصر نحو  159 ألف قنطارًا من القطن وزاد الرقم إلى 228 عام 1824، لكنه عاود الانخفاض  عام 1828  إلى 59 ارتفع قليلا إلى 104 عام 1829، ثم بلغ 315 عام 1837، و344 عام 1845 وهما أعلى نسبتين، بحسب ما سجله الأمير طوسون.

كانت مصر تعتمد اعتمادًا أساسيا على سوق واحدة هي السوق البريطانية، التي كانت حتى وفاة محمد علي تستوعب وحدها نحو 50% من إجمالي الصادارات.

نظام الاحتكار

وطبقًا لنظام الاحتكار الذي نظمه محمد علي فقد أصبح  هو البائع الوحيد للصادرات، فكان التجار الأجانب يخضعون لمزاد في الإسكندرية على المنتجات، كما سيطر الباشا على السوق بشكل كامل، مكّنه من إجبار غيره من المستوردين على خفض وارداتهم وشراء المنتجات المصرية من مصانعه.

ويمكن أن نجمل النجاحات الاقتصادية التي حققها محمد علي في نقاط سريعة أولها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وهو ما جاء نتيجة للاهتمام بالزراعة، كما أن مصر كانت في وضع اقتصادي يسمح لها بالمساومة للحصول على أفضل الشروط من المصدرين والمستوردين.

أما النجاح الأهم في سياسية الباشا الاقتصادية فتمثلت في بناء المصانع وإنشاء الخزانات والسدود، وابتعاده عن سياسة الديون الخارجية.

ومع أن محمد علي نجح في تشكيل اقتصاد مصر، إلا أن الأمور لم تكن وردية، فقد أهدرت كثير من الموارد المالية في الحروب وبناء القصور والمصانع، والأموال التي يرسلها إلى السلطان، فقد بلغ مقدار ما أرسله محمد علي إلى استانبول في عام 1829 نحو 6 ملايين و400 ألف قرش، وهدايا بمقدار 352 ألف قرش.

وبعد الحرب السورية الأولى (1831- 1833) أرسل محمد علي إلى استانبول 8 ملايين و750 ألف قرش، وبعد الحرب السورية الثانية (1839- 1841) بلغت الإتاوة السنوية المرسلة للسلطان 30 مليون قرش.

وأمام زيادة الواردات بدأت البلاد تعاني من التضخم، فانخفضت قيمة العملة المستخدمة آنذاك أمام الفرانك الفرنسي بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه، وبحلول عام 1921 كان القرش خسر أكثر من نصف قيمته أمام الفرانك.

وبحسب كتاب الاقتصاد والإدارة في مصر فقد كان سعر القرش (العملة المستخدمة آنذاك) 1.60 فرنك، ثم انخفض إلى 0.5 فرنك بحلول عام 1826، وفي عام 1847 كان القرش يساوي 0.25 فرنك، ما يعني أن العملة خسرت أكثر من 75% من قيمتها.

قبل انتصاف القرن التاسع عشر بعامين ودع محمد علي العالم، وترك الحكم لعباس الأول، الذي لا يتذكر له أكثر المؤرخون إلا إدخال أول خط للسكك الحديدية في مصر وصل بين الإسكندرية وكفر الزيات، من بعده جاء سعيد، ليطوي نجاحات الباشا ويفتح صفحة اقتصادية جديدة بدأها بالديون الخارجية.


رجعنا في هذا الموضوع إلى:

الأمير عمر طوسون، مالية مصر، 1935، مطبعة صلاح الدين الإسكندرية

أمين سامي، تقويم النيل، الجزء الأول، نسخة قديمة دون تاريخ

هيلين آن ريفيلين، الاقتصاد والإدارة في مصر، الهيئة العامة للكتاب، 2016

محمد مدحت مصطفى، الاقتصاد الزراعي المصري، 1989، المنوفية

محمد حسين هيكل، دين مصر العام، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، القاهرة

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى