نقوش هندية في وادي الملوك.. «جئتُ ورأيتُ» تكشف حضورا آسيويا قبل ألفي عام
وثقت دراسة حديثة وجود كتابات بلغة هندية قديمة على جدران المقابر الملكية في وادي الملوك، يتجاوز عمرها ألفي عام، بينها اسم وعبارة «جئتُ ورأيتُ»، ما يكشف عن حضور زوار هنود إلى مصر في العصر الروماني ودور طرق التجارة في ربط وادي النيل بعالم المحيط الهندي. كما تعيد هذه النقوش فتح ملف العلاقات الهندية – المصرية القديمة، وتسليط الضوء على تقاليد الزوار في تدوين أسمائهم داخل المواقع الأثرية.
اكتشاف رائد
في البداية، أعلن باحثان عن اكتشاف رائد. إذ تمكنا من تحديد ما يقرب من 30 نقشا باللغات الهندية القديمة مثل التاميلية والبراهيمية والبراكريتية والسنسكريتية، داخل مقابر بوادي الملوك في مصر. وظهرت النقوش – التي تم تأريخها وترجع للفترة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين – موزعة على ست مقابر في وادي الملوك.
وبحسب صحيفة “ذا هندو” الهندية، تكمن أهمية الاكتشاف في أنه يقدم معلومات جديدة حول الروابط التجارية بين تاميل نادو القديمة، وأجزاء أخرى من الهند، والإمبراطورية الرومانية في مصر آنذاك.
العلاقات الهندية المصرية
خضعت النقوش لدراسة معمقة لإثبات وجود الهنود في مصر خلال هذه الفترة، وبيان سبب كتابة هذه النقوش. وبحسب صحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”، توسع هذه الاكتشافات بشكل كبير فهم العلاقات الهندية- المصرية في العصر الروماني. وبخلاف ذلك، فإنها تضيف إلى الأدلة الموجودة في سقطرى – الجزيرة الواقعة قبالة سواحل اليمن – وميناء برنيس (برنيكي) القديم في مصر، الواقع بمدينة قديمة على ساحل البحر الأحمر. حيث تشهد النصوص والمواد الأثرية على وجود ديني وتجاري هندي مستمر.
تم توثيق هذه النقوش خلال دراسة قادتها شارلوت شميد، الأستاذة في المدرسة الفرنسية للدراسات الآسيوية، وإينجو ستراوخ، الأستاذ في جامعة لوزان. وذلك خلال عامي 2024 و2025. وبحسب صحيفة “ذا هيندو”، وثقها الفريق النقوش في ست مقابر ضمن جبانة طيبة. مستكملين بذلك مسارا بحثيا يعود إلى الباحث الفرنسي جول باييه، الذي أجرى مسحا لوادي الملوك عام 1926، ونشر حينها أكثر من ألفي نقش يوناني.

النقوش الهندية في مصر
قُدّمت نتائج دراستهما في ورقة بحثية بعنوان «من وادي الملوك إلى الهند: النقوش الهندية في مصر» خلال المؤتمر الدولي لعلم النقوش التاميلية في مدينة تشيناي بجنوب الهند. وحدد الباحثان النقوش على أنها قادمة من عدة مناطق في شبه القارة الهندية. ومعظمها مكتوب باللغة التاميلية البراهمية، وهي لغة قديمة مرتبطة باللغة التاميلية الحديثة.
ويقول عالم المصريات ستيف هارفي لصحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”: “يبدو أن السبب وراء عدم اكتشاف النقوش التاميلية على مقابر وادي الملوك من قبل هو عدم المعرفة الكافية باللغة القديمة. وبالتالي عدم ملاحظتها”. ويستكمل: “عدد قليل من الباحثين المتخصصين في لغات الهند يميلون إلى دراسة النقوش في مصر. بينما حظيت النقوش اليونانية والآرامية بالدراسة منذ زمن طويل”.
تقليد سائد
تلفت الدراسة إلى أنه لم يقتصر نشاط سكان منطقة تاميل على التجارة البحرية مع مصر. بل تحركوا أيضا إلى وادي النيل وتركوا أسماءهم إلى جانب النقوش اليونانية واللاتينية الموجودة سابقا في المقابر.
وأوضحت الدراسة أن الزوار الهنود – على ما يبدو – كانوا يتبعون تقليدا يتمثل في تدوين أسمائهم داخل المقابر. وتشير إلى أن هذا الأمر استمر كتقليد سائد آنذاك، تمثل في ترك بصمة الزوار الهنود في المواقع الأثرية في مصر. من خلال نقش أسمائهم في الأماكن الأثرية.
الهند ومصر.. الثراء والترف
بحسب صحيفة “ذا آرت نيوزبيبر” ارتبطت مصر بشكل وثيق بالإمبراطورية الأخمينية الفارسية منذ القرن السادس قبل الميلاد. وكانت تربطها أيضا علاقات تجارية واسعة مع الهند.
وفي وقت لاحق، خلال العصر الروماني، عادت الهند ومصر إلى التواصل بشكل غير مباشر عبر طرق التجارة. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وصف الشاعر الروماني هوراس الهند ومصر في قصائده بأنهما مرادفتان للثراء والترف.
ميناء برنيس
على الرغم من أن علماء الآثار كانوا على دراية بوجود هندي على ساحل البحر الأحمر في مصر خلال أواخر العصر الروماني. يقول هارفي لصحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”: “حتى هذا الاكتشاف، لم يكن لدينا أي دليل قاطع على وجود زوار من الهند إلى وادي النيل في تلك الفترة المبكرة”.
كان ميناء “برنيس” أو “برنيكي” المصري على البحر الأحمر واحدًا من أبرز الموانئ النشطة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي. إذ شكل حلقة وصل استراتيجية ضمن شبكة التجارة التي ربطت أوروبا وإفريقيا وآسيا بعالم البحر المتوسط عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وكان ميناء برنيس – الذي أسسه الملك بطليموس الثاني – محطة رئيسية في تجارة أفيال الحرب والسلع النفيسة. وشهد مرور شحنات الفلفل والأحجار شبه الكريمة والأقمشة الفاخرة والعاج، القادمة من الهند وسريلانكا والجزيرة العربية.

الكتابة على الآثار
بالعودة إلى النقوش في هذه المقبرة، تسلط الدراسة الضوء على تكرار اسم “تشيكاي كوران” نحو 8 مرات داخل 5 مقابر مصرية. ليصبح أبرز الأسماء المدونة باللغة التاملية. وقد عثر عليه في أعلى الجدران الداخلية وبالقرب من المداخل.
وبحسب صحيفة “تاميل جارديان” الهندية، لم يكتف الهنود قديما بكتابة أسمائهم فقط، بل كتبوا أيضا عبارة “جئت ورأيت”. ومن بين الأسماء التاميلية الأخرى التي تمّ تحديدها: كوبان، وكاتان، وكيران. وجميعها موثقة في نقوش تاميلية قديمة في جنوب الهند.
فك الشفرة
قدم الباحث شميد تحليلا كاملا لتكرار اسم «تشيكاي كوران»، والذي يتضمن دلالات لغوية وثقافية. فشقه الأول قد يرتبط بالكلمة السنسكريتية «śikhā»، التي تعني الخصلة أو التاج. وهو تعبير غير مألوف باعتباره اسما شخصيا.
أما «كوران»، فهو اسم تاميلي يرتبط معناه بالحرب، وأصوله مشتقة من كلمة قوية مرتبطة بالقتال، ومن الجذر «koṟṟam» الذي يدل على النصر والقتل. وترتبط أصول هذا الاسم أيضا باسم إلهة المحاربات لدى أسرة تشيرا «كورافاي». وكذلك بمصطلح «كورافان» الذي يعني الملك.
ولا يقتصر حضور هذا الاسم على نقش واحد. إذ يتكرر «كوران» في سياقات أثرية مشابهة عُثر عليها في مصر. وظهر اسم «كورسابومان» في نقش على قطع فخارية اكتشفت في ميناء برنيس المصري، الذي شكل بوابة رئيسية تربط مصر الرومانية بعالم المحيط الهندي. وذلك بحسب مجموعة سانغام الأدبية.
المياه وتهديد بمحو الكتابات
لكن لماذا يعد تكرار هذا الاسم ذا أهمية خاصة في مصر؟ بحسب الورقة البحثية، توجد العديد من النقوش الصخرية المشابهة على جدران قديمة وأثرية في وادي نهر السند.
ومنذ عام 2020، حذر علماء الآثار من أن هذه النقوش في وادي نهر السند ستغمرها المياه عند تشغيل سد ديامير باشا خلال الفترة بين عامي 2028 و2029. ما سيؤدي إلى طمس ألفي عام من النقوش التي كتبها التجار والرهبان والجنود.
كتابات من القرآن
لم تحظ النقوش الهندية المدونة على الجدران باهتمام الباحثين سابقا. إذ جرى تجاهل سجلات من هذا النوع، التي كان يدونها الحجاج والمسافرون بعبارات مثل: “لقد كنت هنا”. لكن، كما يُظهر اكتشاف ستراوخ وشميد، فإن هذه الكتابات تتيح فهما أعمق لعقول الهنود “العاديين” عبر التاريخ. وليس فقط نصوص الملوك والكهنة.
وتنوعت الكتابات الهندية، فلم تقتصر على تدوين أسماء الأشخاص فقط. إذ يُعد نقش “القرآن” من أبرز ما تم العثور عليه ضمن النقوش الجدارية في منطقة البحر الأحمر. ولم يكن ذلك المثال الوحيد، فقد كشفت الحفريات في ميناء “برنيس” أو “برنيكي” المصري القديم – الذي كانت تدخل عبره البضائع الهندية إلى المجتمع الروماني- عن نقوش تاميلية – براهمية على جرار نبيذ، تذكر أسماء زعماء القبائل.

جئت ورأيت!
لا تقتصر أهمية نقوش «كوران» على لغتها فقط، بل تمتد إلى سياقها الثقافي أيضا. فعبر تحليل مجموعة من النقوش، مثل عبارة “جئت ورأيت” المدونة، والتي استخدمها زوار وادي الملوك في العصور القديمة- خاصة الذين كتبوا باليونانية- يتضح أنها كانت وسيلة لتخليد لحظة الحضور في الموقع.
وتلفت الدراسة المنشورة على موقع “ذا برينت” إلى أنه يبدو أن “كوران” لم يكن مجرد تاجر أو عابر سبيل. بل كان يشارك بوعي في تقاليد «السياحة» السائدة آنذاك.
الكتابة على ضوء خافت
في كتاب «نقوش هندية من كهف هوق في سومطرة» الصادر عام 2016، قدم البروفيسور ستراوخ دراسة حول عوالم الرحالة الهنود في العصور القديمة. من خلال تحليل النقوش داخل كهف طبيعي، تقارب 250 نصا ورسما تركها زوار من أطراف العالم القديم. من بينهم إغريق وتدمريون وأكسوميون وعرب، بالإضافة إلى هنود شكلوا المجموعة الأكبر عددا.
وتضمنت الأسماء المكتوبة في النقوش ألقابا وظيفية أيضا، مثل «نافيك» وتعني (بحار)، و«فاني» وتعني (تاجر)، و«أشاريا» وتعني (معلم). ويوضح في كتابه أن النصوص الموجودة بالسنسكريتية تعود إلى القرون الأولى للميلاد. ولم تكن مقتصرة على البراهمة أو النخب الأرستقراطية، بل كانت أوسع انتشارا.
ويلفت إلى أن هذه العبارات نُقشت على ضوء مصابيح خافتة، بعد رحلات بحرية وبرية شاقة، ويفسر ذلك بوصفه فعلا إنسانيا بسيطا يتكرر عبر العصور، بوصفه ترك أثر يدل على العبور. ويقول ستراوخ: “مثلما فعل زوّار مواقع أثرية أخرى في العالم القديم، كتبوا أيضا رسالتهم إلى المستقبل: لقد وصلتُ… كنتُ هنا”.
كتابات ذات طابع ديني
لفهم الدوافع المشابهة، التي اتخذت طابعا دينيا واضحا، بدأ المسافرون رحلتهم من شاتيال على ضفاف نهر السند الأعلى. ويذكر المؤرخ أحمد حسن داني، في كتابه «سجلات بشرية على طريق كاراكورام السريع» الصادر عام 1995، أن الموقع يضم أكثر من ألف نقش، كثير منها كُتب بالخط البراهمي.
وتتضمن هذه النقوش رسومات ومشاهد من حكايات جاتاكا البوذية. ويتضح أنها أدعية وابتهالات طلبا للنجاة من أخطار المياه. وقد مر من المكان هنود وتجار سغديون – رواد طرق الحرير وأبناء حضارة إيرانية شرقية قديمة، والوسطاء الرئيسيون لتجارة طريق الحرير بين القرنين الرابع والثامن الميلاديين.
الحجاج في العصور الوسطى وعشاق الفن
في ورقة بحثية نُشرت عام 2023، جادل البروفيسور ستراوخ بأن الكتابة على الجدران يجب أن تعد نوعا من أنواع علم النقوش الهندية. مُستندا إلى عمود أشوكا في براياغراج، الذي يحمل سطحه كتابات ونقوشا لثلاثة حكام عبر ثلاث فترات مختلفة.
وهم: أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد، وشاعر سامودراغوبتا “هاريشينا” في القرن الرابع الميلادي. والإمبراطور المغولي جهانكير في أواخر القرن السادس عشر. وتشهد هذه العلامات على تطورات مهمة في شبكات الحج الهندوسي. حيث سعى الحجاج إلى نقش كتاباتهم على المعالم الملكية.
اقرأ أيضا
هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص
صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات
حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟



