عائشة الفجري .. ما بين النص والصورة.. قراءة نقدية في أعمال الفنانة التشكيلية

عائشة الفجري

حنين يقبع بداخلي..

عصرية شتاء، في يومٍ

من أيام طفولتي..

براءة الوجوه حولي،

وذرات مطرٍ تتراقص

هبوطاً على رمال مدينتي

أيام وذكرى، رحيل وبقاء،

وجوه وصور

كانت في عالمي ..

كانت …. وكان الغياب

عائشة الفجري

عندما نقول إن الفنون التشكيلية في مجملها هي لغة استنطاق الذات والتعبير عن النفس البشرية والمجتمع بأكمله.. وأنها شريك أساسي في صناعة الحضارات الإنسانية واستمرارها.. بل هي أيضا السلاح السحري لضمان البقاء والارتقاء الإنساني الروحي والفكري؛ فلابد لنا أن نستدعي كلمات الكاتب الأمريكي المعروف “كورت فونيجت” عندما قال: “احتم دائما بالفن. الفن ليس وسيلة لكسب العيش فقط. بل إنهُ الطريقة الإنسانية لجعل الحياة أكثر احتمالا. قم بممارسة الفن، بدون أن تهتم إن كنت تقوم بذلك بشكل جيد أو سيء.. الفن هو الطريقة الصحيحة لجعل روحك تنمو وتزدهر.. من أجل السماء، قم بالغناء وأنت تستحم.. ارقص وأنت تستمع الى الموسيقى فى الراديو، احكي حكايات وقصص للآخرين.. اكتب قصيدة إلى صديق لك.. حتى لو كانت سيئة جدا. حاول أن تمارس الفن قدر استطاعتك، فسوف تحصل على مكافأة مجزية جدا.. وهي أنك أبدعت شيء ما”.

الفنون من أجل البقاء

إذن نمارس الفن من أجل البقاء وحفظ التوازن الوجداني وسد العجز البشري للمحافظة على حياة الإنسان من الفناء.. وإلا متنا كمدا أمام الواقع والحقائق الخالية من أي جماليات.. وربما أيضا نمارس الفن لتحقيق فضاءات وعوالم جديدة قد يرى فيها الفنان التشكيلي أنها الملاذ الآمن لما يشعر به من مخاوف ومشاعر وأحاسيس وذكريات متنوعة قد تزعجه دون غيره كونه كثير التأمل والاستنباط.

وهنا نلقي الضوء على تجربة تشكيلية تستحق الوقوف عندها قليلا، تجربة تحمل مزيج من المفردات الشعبية الكويتية التي تحمل جذور هذا المجتمع العميقة شكلا ومضمونا كأي منطقة قديمة عرفت الفنون وتأثرت بحضارات المنطقة القديمة بحكم موقعها الجغرافي بمنطقة الخليج، ومفردات أخرى تذهب على استحياء نحو حضارة نهر النيل بكل ما تملكه من مقومات تشكيلية ووحدات زخرفية أبهرت العالم أجمع.

عائشة الفجري

عائشة الفجري، روائية وشاعرة وفنانة تشكيلية من أب كويتي وأم مصرية نشأت في أسرة بسيطة تحترم الكلمة والصورة، صدر لها خمس مؤلفات تنوعت ما بين الرواية والشِعر الحر والنصوص الأدبية وشاركت بالعديد من المعارض التشكيلية، كما أسست نادي الطفل الأدبي في رابطة الأدباء الكويتيين، بجانب عضويتها في رابطة الأدباء الكويتيين منذ عام 2011 م، وهي حاليا أمين صندوق رابطة الأدباء ورئيس تحرير مجلة البيان الكويتية وهي مجلة ثقافية أدبية تأسست سنة 1966م وتابعة لرابطة الأدباء الكويتيين.

*عندما يُفقد النُطق وتتحدث الروح:

أصبحت الرؤية التشكيلية للفنان في العصر الحديث وخاصة في الخمسين عاما الأخيرة تتجاوز المحاكاة الحرفية للمظاهر الطبيعية من حيث التعبير المباشر عن الواقع، وأصبحت الصورة التشكيلية تمثل لغة للتفكير والتأويل بعيدا عن مجرد استنساخ لواقع مألوف إلى ما هو أعمق وأبعد من خلال استحداث أساليب وصياغات وحلول تشكيلية مُبتكرة لها دلالات ومعاني معينة تتماشى أيضا مع فكرة العمل ومضمونه.
ويحسب للفجري هنا أنها وفقت إلى حد كبير في تحقيق معادلة تشكيلية تعتمد على الرمز والإيحاء واستطاعت من خلال تمثيل المرأة في أغلب أعمالها أن تطرح العديد من التساؤلات العميقة والطوف حول أغوار البطلة في أعمالها التشكيلية وربما التعاطف معها في بعض الأحيان، والاحساس بميولاتها النفسية الداخلية من خلال نظرات العين التي دائما تأتي شاردة حزينة، وإصرار الفنانة في كل أعمالها التي تجسد بها المرأة على عدم اكتمال ملامحها، خاصة “الفم “.

المرأة في صورة المُلهمة

وهذا عكس السائد في أغلب اللوحات التي جسدت قديما عنصر المرأة في صورة الملهمة تارة أو المرأة المُغلّفة بالأثواب الحريرية الفارهة تارةً أخرى، تعبيرا عن جمال وفتنة المرأة الشرقية، حيث التركيز على الجسد في بعض الحالات وليس تمثيلا عن واقع اجتماعي معين يعكس جوهر وروح المرأة بشكل خاص، لأن بناء العمل التشكيلي وتفرده يعتمد على المغايرة وطرح قيم جديدة مختلفة وعدم تكرار تجارب سابقة، لضمان تحقيق القبول واستقطاب دهشة المتلقي.

“سأترك العنان للمتلقي”

وكأن لسان حال الفنانة يقول: “في أعمالي، سأترك العنان للمتلقي بأن يستنبط الفكرة من خلال روح العمل و فلسفته الغير مباشرة” لتفتح لنا مجالا أكثر رحابة لإعادة تركيب مفردات العمل والبحث عن الكمال داخله وربما أيضا التأكيد على فكرة عدم الاكتمال والخروج من الصمت إلى الداخل، كبت .. صراع .. إزدواجية، وربما هروب وإحباط بعيدا عن عوالم شكلية مُبهجة وإنما معالجة روحية تشتمل على أبعاد أكثر تفصيلاً تشكل لنا شكل من أشكال تداعي الذات وتتجه بنا إلى الكثير من التأمل و التفكير، وهذا ما يؤكد أن الفنانة اعتمدت في تشكيلها على عين الخيال “البصيرة” وليس فقط على العين المجردة أو “البصر”.
من هذا المنطلق، انحازت الفنانة للتجريد و التسطيح عبر تجربتها التشكيلية  للولوج إلى فكرة التخلي والاستغناء الشكلي والدخول إلى تفاصيل أكثر عُمقاً وفلسفة، وفتح آفاق جديدة لبصيرة المتلقي وخياله لكي يتجول في ميادين العمل وترجمته بما يتناسب مع وعيه الثقافي بعيدا عن المعاني المباشرة في الفهم.
المرأة هي الأم؛ الابنة، الحبيبة، وفي أحيان أخرى هي الوطن وبطلة لكل الحكايات والأساطير.. ولهذا ليس ببعيد عن امرأة مثقفة واعية مهمومة بقضايا المجتمع أن تحتل المرأة أغلب أعمالها كبطل بشكل رئيس.

*من التجريد إلى التكعيبية عند الفجري:

كان ظهور التكعيبية في الفن التجريدي، وهي اتجاه فني يعتمد على الأشكال الهندسية، فالهندسة أصل الأشياء، حيث الاعتماد على الخط الهندسي، فهو الأساس لكل شيء، فالأشكال فيها إمّا أسطوانية، أو كروية، أو مربعة، فقامت فنون هذه المدرسة على نظرية التبلور التعدينيّة التي تعد الهندسة أصل الأجسام، والفنانة لجأت في أغلب أعمالها إلى التشكيل والتكوين بشكل تكعيبي مجرد تماما بدون تجسيم أو عمق أو ظلال.
جاءت الأعمال متنوعة بين عمق الفكرة و براعة التقنية، من خلال خطاب بصري متناغم وخطوط حادة تتقاطع مرة وتتعامد مرة وتتوازى مرات، وألوان تتشكل في مجموعة من الأحاسيس المتوازنة والمتواترة وفق رموز مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، وبعض من مفردات منطقة الخليج العربي، وحضور طاغٍ للأسلوب التكعيبي في أغلب الأعمال وسط ثراء خطي وتنوع في حجم الأشكال والمسطحات ليتحقق لنا إيقاع بصري وتجانس لوني يخدم فكرة و مضمون العمل ويحقق كتل متعادلة البناء لها سماتها التشكيلية المتفردة وإن كان اللون يحتاج إلى تفاصيل أكثر جراءة وثراء بصري، خاصة أنها – أي الفنانة –  بعدت كثيرا عن الألوان الساخنة مثل الأحمر والبرتقالي ولجأت في أغلب المعالجات إلى الألوان الباردة والمحايدة، إلا أنها استطاعت أن يكون للون برغم هذا – حضور طاغٍ – ربما لقوة الفكرة و التكوين، وتوظيفها لمفردات متنوعة متشابكة ومترابطة مما حقق استقرارا واتزان العمل.
الكاتب: الدكتور أحمد جمال عيد، فنان تشكيلي ومدرس بكلية الفنون الجميلة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر