طقس«المباركة».. عادة سنوية لتنظيم العمل في صناعة الأثاث بدمياط
تشهد ورش صناعة الأثاث بمحافظة دمياط توقفًا جماعيًا عن العمل مرتين سنويًا فيما يُعرف بـ«المباركة»، حيث تُغلق الورش بالكامل بعد عيدي الفطر والأضحى لمدة تصل إلى أسبوعين في كل مرة، في تقليد راسخ داخل مجتمع الصناع، يشمل مختلف مراحل الإنتاج من النجارة إلى تجهيز الأخشاب.
حكاية عادة بدأت مع ازدهار المهنة
يروي الحاج محمد البرش، أحد صناع الأثاث بدمياط، والبالغ من العمر 84 عامًا، أن جذور هذه العادة تعود إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، مع بداية الطفرة الحقيقية في صناعة الأثاث بالمحافظة. ويشير إلى أن “المعلمين” الكبار كانوا يحرصون على أداء العمرة عقب شهر رمضان، وهي رحلة كانت تستغرق نحو أسبوعين. لتتحول تلك الفترة تلقائيًا إلى إجازة جماعية تغلق خلالها جميع الورش.
ولم يكن الإغلاق جزئيًا، بل شاملًا لكل حلقات الصناعة؛ من ورش النجارة، إلى «الأويمجية» و«الأشرجية». مرورًا بورش شق الأخشاب. وكانت تلك الفترة تُعرف بين الصناع باسم «المباركة». حيث يتوقف العمل بالكامل، ويحصل الأسطوات والصنايعية على إجازة مدفوعة جزئيًا. إذ كان صاحب الورشة يمنحهم أجر أسبوع على الأقل.
استعادة المشاهد مع موسم الحج
لم تقتصر «المباركة» على ما بعد عيد الفطر، بل تكررت بصورة مشابهة عقب عيد الأضحى المبارك. فكما كان “المعلم” يؤدي العمرة في الأولى، كان يحرص على أداء فريضة الحج في الثانية، لتتوقف الورش مجددًا لنحو أسبوعين. وتمثل هذه الفترة راحة إجبارية لصاحب العمل من إرهاق السفر. إلى جانب كونها مناسبة للتهنئة ولقاء العائدين من الحج.
وخلال هذه الفترة، لا يغيب صاحب العمل عن عماله، بل يحرص على تعويضهم بطرق مختلفة، من بينها إرسال الأضاحي. في لفتة تحمل طابعًا إنسانيًا واجتماعيًا يعكس طبيعة العلاقة بين أطراف المهنة. كما يرسل بعضهم العيدية لأسر العمال وأبنائهم.
راحة تنعش السوق دون تخطيط
يؤكد «البرش» أن هذه العادة، رغم بساطتها وتلقائيتها، لعبت دورًا مهمًا في دعم صناعة الأثاث بدمياط دون تخطيط مسبق. فالتوقف الكامل عن الإنتاج لمدة تقارب أربعة أسابيع سنويًا، بالتزامن مع استمرار عمل معارض بيع الأثاث، أتاح فرصة لتصريف المنتجات الراكدة وسحب المخزون من الأسواق.
وبهذا الشكل، تحولت «المباركة» إلى آلية غير مباشرة لتنظيم حركة البيع. ومنحت الفرصة لتأمل حال السوق وإعادة التوازن بين العرض والطلب. في واحدة من الظواهر التي نشأت من تواتر العادة، وقدمت للاقتصاد المحلي خدمة كبيرة.
مع مرور السنوات، لم تعد «المباركة» مرتبطة فقط بسفر المعلمين لأداء العمرة أو الحج، بل أصبحت عادة راسخة يلتزم بها الجميع. سواء من يؤدون المناسك أو غيرهم. وقد تحولت إلى جزء من تقاليد العمل داخل مجتمع صناع الأثاث بدمياط. حيث تمثل فترة راحة سنوية متعارف عليها تعيد تنظيم إيقاع العمل. حتى في غياب السبب الأصلي الذي نشأت من أجله.

سر الحرفة في يد «المعلم»
يختتم «البرش» حديثه بالتأكيد على أن السبب الجوهري وراء نشأة هذه العادة يتمثل في ارتباطها بطبيعة المهنة نفسها. موضحًا أن “المعلم” لا يمكنه ترك العمل دون إشراف مباشر. إذ يتابع بنفسه كل مرحلة من مراحل التصنيع، خاصة المراحل الأولية التي تقوم عليها جودة المنتج النهائي.
هذا الارتباط الوثيق بين “المعلم” وحرفته جعل غيابه سببًا كافيًا لتوقف العمل بالكامل. لتتحول الإجازة من حلم شخصي إلى تقليد جماعي، استمر لعقود، وأصبح جزءًا من هوية صناعة الأثاث في دمياط.
التأثير الاقتصادي على سوق الأثاث
يشير الحاج محمد الحطاب، مدير التسويق والمعارض بنقابة صناع الأثاث بدمياط، إلى أن «المباركة» تمثل إجازة سنوية معروفة لدى الصناع. حيث تتوقف الورش ثم تعود للعمل تدريجيا بعد أسبوعين، في حين يستمر نشاط المعارض.
ويؤكد «الحطاب» أن هذه الفترة كانت في الستينيات والسبعينيات وبداية الثمانينيات مختلفة تمامًا. حيث كان الصنايعية يذهبون إلى رأس البر في فترة المساء فقط. بينما تفتح الورش في النهار، ويجتمعون أمامها لتبادل الأحاديث في مختلف القضايا، من السياسة وكرة القدم إلى التحديات التي تواجه الصناعة. خاصة بعد دخول ماكينات تخبيط الأويمة في الصناعة، التي ساهمت في تطوير الإنتاج وتحسينه.
وتُعتبر هذه الفترة هي فترة ازدهار كبيرة في صناعة الأثاث بدمياط. إذ كانت تُورد منتجاتها إلى مختلف محافظات الجمهورية، بل وإلى أسواق خارجية. ما عزز من مكانتها بوصفها أصل الأثاث والموبيليا.

تحولات المباركة
يواصل «الحطاب» حديثه قائلا إن «المباركة» شهدت تحولا في بداية التسعينات مع دخول شرائط الفيديو إلى البيوت. وأصبحت مشاهدة الأفلام والمسرحيات جزءًا أصيلًا منها. لكنها بدأت تختفي بظهور القنوات الفضائية، التي كنا ولا نزال نشاهدها على شواطئ رأس البر في السهرات.
وبالرغم من تغير إيقاع الحياة وتطور أدوات الصناعة، ما تزال «المباركة»، جزءا من الطقوس التي يمارسها الدمايطة. حيث تمزج بين الشقاء والراحة، وبين جودة العمل وأداء الفريضة، وبين الجانب الاجتماعي والديني. وقد نجحت دمياط، المدينة التي صنعت من الخشب تاريخًا ملتحما بالممارسات والعادات الاجتماعية. ورسخت مجموعة من التقاليد التي صارت عرفا يحكم سوقها دون لوائح مكتوبة.
إنها المباركة التي تمنح البركة للعمال وأصحاب العمل، كطقس عبور بين زمنين. أحدهما يفرض الصمت على أصوات المناشير، ودقات الشواكيش، لتستعيد الورش من جديد حركتها الدائبة. وكأنها تصنع إيقاعا حيا يخفف من الشقاء وتستزيد الأرواح من البركة وهى تتشكل فنونها على الأخشاب.




