«سانت أوجيني».. أقدم كنيسة في بورسعيد تحكي تاريخ الجاليات
في بورسعيد، تقف كنيسة «سانت أوجيني» كواحدة من أقدم المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، إذ ارتبطت نشأتها ببدايات تكون المجتمع متعدد الجنسيات مع افتتاح قناة السويس، وتمثل الكنيسة نموذجا معماريا وتاريخيا يعكس حضور الجاليات الأجنبية ودورها في تشكيل ملامح بورسعيد عبر عقود طويلة.
وجاءت زيارة طلاب كليتي السياحة والفنادق والآداب- قسم التاريخ للكنيسة، في إطار التعرف على هذا التراث، حيث اصطحبهم الأب صمويل في جولة داخل أروقتها، مستعرضا تاريخها وتفاصيلها المعمارية.
وجه أوربا يطل على العالم من بورسعيد
استهل الأب صمويل حديثه موضحا أن الكنيسة تقع في حي الشرق، الذي كان يعرف قديما بالحي الإفرنجي. وتطل بواجهتها الرئيسية ناحية الشمال الشرقي على شارع أحمد ماهر. ومن الناحية الجنوبية الشرقية على شارع رمسيس عند ميدان المنشية.
وأضاف أن هذا الموقع كان يطل على العالم بوجه أوروبي وملامح مصرية. ومن هنا تبدأ سيرة واحدة من أقدم كنائس المدينة، بل أول كنيسة أقيمت بها. شاهدة على زمن ولد مع القناة واستقر في ذاكرة المكان.
وأوضح أن الكنيسة الحالية شيدت عام 1890 على قطعة أرض تنازلت عنها شركة قناة السويس للآباء الفرنسيسكان. بعد أن قامت في الموضع ذاته كنيسة خشبية صغيرة عام 1875. دشنها المطران لويجي شورشيا باسم القديسة أوجيني. ومع اتساع الجاليات الأجنبية، ارتفعت الكنيسة الحجرية الجديدة وكرسها المطران جويدو كوربيللي.
بينما وضع تصميمها المهندس الإيطالي إدوار سيبيك على الطراز البازيليكي، المقتبس من البازيليكا الرومانية. أحد أقدم الطرز المعمارية الكنسية في أوروبا.
قدمت خدمات للجنسيات العربية
يشير الأب صمويل إلى أن الكنيسة أقيمت لخدمة جاليات من الايطاليين واليونانيين. ومعهم جنسيات عربية من لبنان وسوريا والأردن. وكان عددهم يتجاوز 200 أسرة، عاشوا حول الكنيسة سنوات طويلة قبل أن يعود معظمهم إلى بلادهم منذ عام 1956. فبقيت الكنيسة تحفظ أسماءهم في صمت. وتحتفظ بذاكرة حضورهم الإنساني في قلب المدينة.
وتابع موضحا أن مساحة الكنيسة تبلغ نحو 912 مترا مربعا، وهي مستطيلة المسقط. قسمت إلى ثلاثة أروقة بواسطة عقود نصف دائرية تستند إلى دعامات حجرية مربعة. والرواق الأوسط هو الأوسع والأعلى وينتهي بالحنية الرئيسية. كما لا توجد فتحات نوافذ بالجدران، بل عالج المعمار ذلك بإقامة فانوسين للتهوية والإضاءة في سقف الهيكل. ويقع الهيكل ناحية الجنوب وفق التقليد الكاثوليكي.
وأضاف أن المدخل يتقدمه أربعة أعمدة توسكانية ذات بدن أسطواني أملس وتيجان بسيطة. ويعلوه عقد نصف دائري من الرخام متعدد الإطارات، تعلوه نافذة دائرية بزخارف معدنية هندسية ونباتية. وفوقها شعار النبالة الخاص بفرنسيسكان بيت المقدس. ويصعد الداخل عبر ست درجات من الرخام إلى باب خشبي مستطيل بحشوات طولية.
اقرأ أيضا: كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة
6 مذابح و14 أيقونة خشبية
يوضح الأب صمويل أن داخل الكنيسة تتوزع المذابح؛ ففي الرواق الغربي مذبح السيدة المجدلية، ومذبح السيدة الوردية، ومذبح القديسة لوتشيا. وفي الرواق الشرقي مذبح القلب المقدس، ومذبح القديس أنطونيوس البدواني، ومذبح القديس روكز.
وعلى الدعامات والجدران أربع عشرة أيقونة خشبية بارزة تمثل مراحل محاكمة السيد المسيح. وخلف المدخل تعلو مقصورة المرتلين. حيث يوجد أقدم أورج موسيقي في كنائس مصر وحوض البحر المتوسط. إلى جانب لوحات أصلية وتماثيل نادرة تعود إلى القرن التاسع عشر.
وأضاف أن برج الكنيسة يرتفع من قاعدة مربعة بارتفاع أحد عشر مترا، يعلوها طابق يحمل شرفة مستطيلة. ثم قمة مخروطية تنتهي بصليب لاتيني. وقد بنيت الكنيسة من الحجر والآجر، بينما غطيت الأرضيات بالرخام. وصنعت الأسقف من الخرسانة والعوارض المعدنية، ويمكن الوصول إلى البرج عبر الفناء الغربي.
ولفت إلى أنه في عام 2015 صدر قرار رسمي بتسجيل الكنيسة ضمن الآثار الإسلامية والقبطية. وفقا لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته. ونشر القرار في الجريدة الرسمية، لتصبح الكنيسة أثرا وطنيا ومعلمًا تاريخيا يقصده أبناء المدينة وزوارها.
حكاية القديسة أوجيني
تحدث الأب صمويل عن القديسة أوجيني التي حملت الكنيسة اسمها. موضحا أنها عذراء رومانية ولدت في الإسكندرية عام 245 ميلادية. وكانت ابنة فيليب والي مصر في العصر الروماني. تلقت تعليمها الفلسفي والأدبي، وأحبت المسيح سرا، وخرجت متنكرة لتبحث عن حياة التبتل.
وتروي المصادر الكنسية أنها اتهمت ظلما ووقفت أمام والدها القاضي الذي حكم عليها بالموت. لكنها كشفت له حقيقتها فآمن بالمسيح. ثم تعرضت للاضطهاد واستشهدت بقطع الرأس لرفضها عبادة الأوثان. ويعني اسمها “الولادة النبيلة”، ويحتفل بذكراها في الخامس والعشرين من ديسمبر.
كما أشار إلى إشراف رهبنة الآباء الفرنسيسكان على الكنيسة. موضحا أن مؤسسها القديس فرنسيس الأسيزي، الذي جاء لمصر عام 1219، والتقى السلطان الملك الكامل في دمياط في أول حوار إنساني بين الإسلام والمسيحية. ثم توطدت علاقة الفرنسيسكان بمصر منذ القرن السابع عشر. وأسهموا في الخدمة الرعوية والتعليمية والحوار.
اقرأ أيضا: طقس«المباركة».. عادة سنوية لتنظيم العمل في صناعة الأثاث بدمياط
بيت للتسامح والجمال وجزء من روح المدينة
خلال المتابعة، كنت ألاحظ تفاعل الطلاب مع الشرح. فقال كريم أسامة إن الكنيسة تعكس بوضوح روح التعدد الثقافي الذي عرفت به بورسعيد، مشيرا إلى أن المكان يقدم صورة عملية للتسامح بين المسلمين والمسيحيين. حيث لم تكن الكنيسة معزولة عن محيطها، بل جزءا من نسيج المدينة.
وأضاف أن من المعلومات اللافتة التي استوقفته أن الكنيسة كانت لفترة طويلة مكانا لتوزيع الملابس الواردة من البلاد الأجنبية على الفقراء دون تمييز. في صورة معونة إنسانية، ومنها بدأت فكرة الملابس المستعملة التي تلقفها التجار لاحقا. وخرجت من الكنيسة لتتحول مع الوقت إلى “البالة”، التي اشتهرت بها بورسعيد وصارت تجارة رائجة منذ السبعينيات. خاصة مع واردات من دول مثل بلجيكا وايطاليا.
روح ثقافة البحر المتوسط وسماته الجمالية
أشار الطالب أحمد مدحت إلى أن عمارة الكنيسة تحمل بصمة واضحة لثقافة البحر الأبيض المتوسط. موضحا أن الطراز البازيليكي والأعمدة والتفاصيل الزخرفية تعكس تلاقى مدارس معمارية متعددة. وكأن الكنيسة امتداد لمدن المتوسط التي تتشابه في روحها المعمارية والإنسانية.
وقال الطالب محمد حسين إن بورسعيد بدت له من خلال تاريخ الكنيسة بوتقة جمعت كل أجناس البحر الأبيض المتوسط. حيث عاش الإيطالي واليوناني والعربي في محيط واحد. مؤكدا أن أبناء البحر ينتمون جميعا إلى البحر نفسه، ويتشاركون حب التغيير والانفتاح على الآخر.
وأضافت نهى محمد أن التعايش لم يكن بين المسلمين والمسيحيين فقط. بل بين المذاهب المسيحية المختلفة أيضا. وهو ما يظهر في تاريخ الجاليات التي عاشت حول الكنيسة. معتبرة أن هذا التنوع منح المدينة ثراء ثقافيا وإنسانيا لا يزال حاضرا في وجدانها.
عمارتها متداخلة مع الحياة الاجتماعية
أما سلمى على، طالبة كلية الآداب قسم تاريخ، فأكدت أن الكنيسة تمثل نموذجا حيا لثقافة المتوسط في بورسعيد. حيث تداخلت العمارة مع الحياة الاجتماعية والتاريخ الإنساني، لتصنع مدينة تقدس التغيير وتحتفي بالاختلاف. مشيرة إلى أن هذا التعدد هو أحد أسرار خصوصية بورسعيد.
هكذا انتهت الزيارة، وقد خرجت منها، متيقنا أن كنيسة سانت أوجيني ليست مجرد مبنى تاريخي. بل ذاكرة حية لمدينة ولدت من الماء والملح والريح. وأن الحكاية التي رواها البابا صمويل، وردد صداها الطلاب، ما زالت ممتدة في حجارة المكان. شاهدة على زمن التعدد الثقافي الذي لا يزال حنينه يسكن بورسعيد حتى اليوم.
اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور









